ففيها وقع الحادث الفادح والكرب العظيم الجارح الذي شتت المسلمين وفرّق المجتمعين، وذلك بتقدير رب العالمين، وهو وفاة الإمام فيصل رحمه الله تعالى، وكانت وفاته لتسع بقين من رجب سنة ١٢٨٢ هـ فأصيب القلوب بكلوم فقده
[ ١ / ١٧١ ]
وانقطع من عقد الشمل سلك عقده فما أشبهه بالعين التي قلعت عن مكانها، وأزيلت عن أركانها فأصبح صاحبها يندب بفؤاد موجوع، وقلب بألم الفراق ملسوع، أضف إلى ذلك ما تفتق بموته من مواد الشرور والبلا، فإنا لله وإنا إليه راجعون، إن هي إلا محنة سكبت الدموع من الأجفان ومصيبة أثارت سواكن الأشجان ونائبةً من نوائب الزمان، وهذه ترجمته.
هو الإمام الضرغام والأسد المقدام ومؤطد دعائم الملة والإسلام، والناسك الحبر الهمام سلالة الأكرمين وأمير المؤمنين فيصل بن تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود بن مقرن بن مرخان بن إبراهيم بن موسى بن ربيعة بن مانع بن ربيعة أبو عبد الله المريدي، ولد سنة ١٢١٣ هـ، وتولى الإمامة بعد قتل قاتل أبيه فكان إمامًا عادلًا حليمًا مهابًا، وافر العقل، سمحًا كريمًا جوادًا، حسن السيرة، سهل الأخلاق، محبًا للعلماء، مجالسًا لهم، كثير الخوف من الله تعالى، وقد يسقط السيف من يده إذا خوّف بالله، وكان شجاعًا ثابتًا، اجتمعت فيه جلّ المفاخر والفضائل، ونال من المواهب ما يندر مثلها في الأواخر والأوائل، وطلعت بشائر سعوده وهو ملتف في مهوده، وتقحم عظائم لم يجسر عليها البسلاء من آبائه وجدوده، وسطا على قاتل أبيه سطوة يشيب من هولها المولود، وتابع العرب عليهم حتى جعلهم كلهم خمود، وشب الحرب على عبد الله بن ثنيان مع شدة بأسه وقوة أعوانه ولم يهب شجاعته وبطشه وعظمة عدوانه، واستنقذ الملك بالحرب والضرب من أهل زمانه، وظهر من حبس الترك مرتين وذلك في مصر كرتين، وأخذ الملك قسرًا، وقهر أعدائه قهرًا، فعاد به ظلام الاختلاف فجرًا، ولا خاف في استنقاذ الملك صولة الترك والعلوج الأبطال ولا هاب أشبالًا غصبوا ملكه بل استرده بالقتال وجيش الجيوش برًا وبحرًا وأخذ الممالك طوعًا وجبرًا، وسلكت جنوده في نجد وعمان، وذانت له بالطاعة الأعراب والبلدان، وتوفرت بحسن سياسته مصالح المسلمين، وجمع في سياسته بين الشدة واللين، سياسة تعجز عنها الملوك وأعوانها، وتصلح بها الممالك وسكانها، أقلامه بالعطاء جارية؛ وخزائنه إلى نفع الرعية سارية، وخازنه ليس له حاجة إلا
[ ١ / ١٧٢ ]
تنفيذ الأوامر، ويده مشتغلة في صدقات السرائر، يرجو من مولاه جابر الكسر طلب الجزاء منه والأجر.