لقد كان مما يجمل ذكره ويتعين علينا رقمه هو أن نذكر حالة أهل ذلك الزمان وسجاياهم وما هم عليه من العادات فنقول: كانت معاملتهم حسنة ويحنو بعضهم على بعض لأن غالبهم كانت طاهرة قلوبهم وألين مما كانت القلب عليه الآن والدنيا لم تبسط عليهم كما بسطت على من بعدهم فكان الإنسان يعطي وإن كان من قلة ويبذلون أموالهم في الأوقاف على الفقراء والمساكين وطلاب العلم والأئمة والمؤذنين، فإنك لا تكاد تجد نخلًا من النخيل إلا وفيه تمر معلوم للصوام أو مؤذن المسجد أو إمامه أو مصباح المسجد ويتسابقون في الخيرات كما أن غلات الأراضي تكثر فيها الأوقاف ويعمرون المساجد ويؤون الضعيف ويرحمون ذا الفاقة هذا وما كانوا يعرفون طيارة ولا سيارة بل لم يتمكنوا من تسييرها ولم يتوصلوا إلى هذه الكهرباء.
أما جعل مراكب برية كهذه المصنوعات فقد أوجدوها غير أنهم لم يستطيعوا
[ ١ / ١٦٣ ]
تسييرها إلا ببغال أو جمال أو حمير تجرها وغالب سلاحهم إنما هي أم فتيل أو مدافع تجر ويجعل فيها البارود والقبس وسيوف ورماح ونحوها.
أما المصابيح إذ ذاك فكان مادتها الودك يلقي فيها فتائل وتوقد أو شمعه ونحوها، لذلك كانوا إذا أغار بعضهم على بعض وطلبوا المغير عليهم ليلًا لسيتردوا ما أخذ يربطون قدرًا بين بعيرين، ويوقد في هذا القدر نار من حطب ليقصوا الآثار ويسمونه مشعل الشيخ أي الرئيس وما نشأت إذ ذاك هذه الأهوال والمهمات، وما كانوا يعرفون الكهرباء أو اللوكس أو شيئًا من البترول، ولم تظهر هذه المطابع التي هيأت توفير الكتب والمطبوعات والرسائل وغيرها في هذه الأزمنة، وعلى قياس هذا تعرف أنهم في بداوة وغالب الشعراء الذين لم يتعلموا العلم إنما كان شعرهم نبطيًا فيه فصاحة وبلاغة، فيري غير موزون كما يشاهد في شعر حميدان والقاضي وابن ربيعة وابن غرفح وابن لعبون، وكانوا يعيبون نسب الحداد وأهل الصناعة كالتجار والعطار والصيرفي، فمتى كان المرء كذلك فهو ساقط النسب عندهم، وكان الرجل إذا أحسن الى الرجل وأراد مكافأته ينصب على بيته راية بيضاء، وينادي عليها فلان بيض الله وجهه:
رفعت له بيضاء على رأس شاهق أعلل ربعي بالثنا من خصاله
له ترفع البيضا ويحدى بذكره فتى تنجلي أكدارها من فعاله
تسلسل حرًا بين قوم أعزةٍ فعم كريم مع جلالة خاله
وكانوا يعتنون في الفلاحة لا سيما النخيل والزرع كالبر والدخن، وقد جعل الله فيها بركة أعظم منها اليوم.
وقد حدثنا والدنا السعيد قدس الله روحه أنهم أنكروا الساعة لما حدثت حتى أطلق عليها بعضهم أنها صنم.
ولما جاءت لأول مرةٍ إلى القصيم في إمارة حسن بن مهنا يحملها رجل من العقيلات وشى به بعضهم إلى الأمير حسن يقول إن معه صنمًا، فلما ألقى الأمير
[ ١ / ١٦٤ ]
القبض عليه وفتشه وجد الساعة لا يعرفونها إلا أنها صنم، وذلك لأنه لا يوجد ساعات في نجد إذ ذاك، وكان لأهل نجد عادات وأخبار عجيبة.
ومن أبلغ مشروباتهم القهوة البن فإنهم يتغالون في تقديمها وعملها، ولهم أشعار رائعة في القهوة لأنهم كانوا يرون فيها رجولةً وتقدمًا، فهي أعظم ما عندهم من الحشمة يقدمونها على اللحم والألبان وسائر المأكولات ويستنشقون رائحتها إذا حمصت أبلغ من استنشاق العود والبخور والطيب والعطر، ولا سيما إذا صبت كنقاعة الحنا، فمن لهم سمرًا بصفتها، ويرون إكرام الضيف وحسن الجوار وتزيج الأكفاء وإن كان المهر قليلًا ولم يفش فيهم الترف والمدنية إنما يخشوشنون في بعض الأحيان تأدبًا مع الشريعة، ولكل زمان دولة ورجال.
وبالجملة فإنا إذا نظرنا إلى حالة الزمانين نجد بونًا بعيدًا كان الدنيا التي نعيش فيها ليست كدنياهم مع قرب الزمن ووحدة الدين والله المستعان وعليه التكلان.