قد تقدم ذكر شيء من انهزام أهل الأحساء، وذلك بتدبير الحيل من العجمان الذين لا يزالون منابذين للإمام للأوغاد التي في صدورهم قبل ذلك.
ولما قرب الأمير محمد بن فيصل إلى جودة، وجد أخاه سعودًا قد سبقه إليها، فنزل محمد وجنوده بالقرب منها، وكان قد انضم مع سعود خلائق كثيرة من العجمان وآل مرة ومعه المبرز وأحمد بن الغنيم بن خليفة وابن حبيل.
فما كان إلا قليل حتى نشبت الحرب بين الفريقين، وتقاتلوا قتالًا شديد، وذلك في اليوم السابع والعشرين من رمضان، فحصلت خيانة من العربان الذين مع محمد بن فيصل والعياذ بالله وهم سبيع، وانقلبوا علي أصحابهم ينهبونهم، فصارت الهزيمة على محمد بن فيصل وجنوده فانهزم جيش الإمام وقتل من الجيش خمسمائة مقاتل، من أعيانهم عبد الله بن بتال المطيري ومجاهد بن محمد أمير بلد الزلفي وإبراهيم بن سويد أمير بلد جلاجل وعبد الله بن مشاري بن ماضي من رؤساء روضة سدير، وعبد الله بن علي آل عبد الرحمن أمير بلد ضرما، وقتل من أتباع سعود عدد كبير وقبض سعود على أخيه محمد بن فيصل وأرسله إلى القطيف فحبسه هناك.
ولم يزل في حبسه ذلك إلى أن أطلقه الأتراك في السنة التي بعدها.
واستولى سعود ومن معه على ما كان مع أخيه محمد من السلاح والقوات والركاب والأمتعة، وكانت شيئًا كثيرًا، وهذا يعد ظفرًا ونصرًا مؤزرًا، وأقام على جودة بعد هذه الواقعة، وكتب إلى رؤساء أهل الأحساء يأمرهم بالقدوم عليه والمبايعة، فقدموا عليه هناك وبايعوه.
_________________
(١) نسبة إلى جودة الماء المعروف.
[ ١ / ٢٠٥ ]
ثم ارتحل بعد ذلك من جودة وسار إلى الأحساء فاستولى عليها وأخذ من أهلها أموالًا عظيمة ففرقها على العجمان، وأقام هناك، ولما جاء الخبر إلى الإمام عبد الله بن فيصل وأن أخاه محمدًا حبس وقتل رجاله وغنمت أموالهم وخيلهم وركابهم، خرج من الرياض وقصد ناحية جبل شمر ومعه عبد العزيز بن الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبي بطين، وناهض بن محمد بن ناهض، فلما وصل إلى البعيثة وهي ماء معروف في العروق، نزل عليه وضرب خيامه هناك وأرسل عبد العزيز بن الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبي بطين برسائل وهدايا لباشا بغداد وباشا البصرة النقيب محمد، وطلب منهم النصرة والمساعدة على أخيه سعود، فوعدوه بذلك وأخذوا في تجهيز العساكر إلى الأحساء والقطيف، وأقام عندهم عبد العزيز بن الشيخ عبد الله أبي بطين ليأتي بتلك العساكر.
ولما أن كان في شهر شوال من هذه السنة وفد محمد بن هادي بن قرملة ومعه عدة رجال من رؤساء قحطان على سعود بن فيصل في الأحساء فلم يلتفت إليهم ولم يعبأ بهم، فخرجوا منها وتوجهوا إلى الإمام عبد الله وهو على البعيثة، فعاهدوه علي السمع والطاعة، وارتحل معهم راجعًا إلى الرياض فدخلها في شهر ذي القعدة.
ولما أن كان في آخر الشهر المذكور خرج سعود من الأحساء يريد بلد الرياض، ولما أن كان في أثناء الطريق بلغه الخبر اليقين أن أخاه عبد الله بن فيصل قد رجع إليها ومعه قحطان، فرجع سعود إلى الأحساء.
وممن توفى فيها من الأعيان الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن مانع بن إبراهيم بن حمدان بن محمد بن مانع بن شبرمة الوهيبي التميمي، كانت وفاته رحمة الله عليه في بلد الأحساء، كان من أهالي شقرا، ثم انتقل إلى الأحساء واستوطنها، ثم ولاه الإمام عبد الله بن فيصل القضاء في القطيف وقت الموسم، فإذا انقضى الموسم رجع إلى الأحساء، وكان عالمًا فاضلًا أديبًا لبيبًا بارعًا، أخذ العلم عن أبيه الشيخ محمد بن عبد الله بن مانع وعن جده لأمه الشيخ الإمام العالم العلامة عبد الله بن عبد الرحمن أبي بطين، وعن الشيخ العالم العلامة القدوة
[ ١ / ٢٠٦ ]
الفهامة الشيخ عبد الرحمن بن حسن وابنه الشيخ العالم الكبير والعلم الشهير عبد اللطيف بن عبد الرحمن وغيرهم، وكان كثير المطالعة سديد المباحثة والمراجعة، مكبًا على طلب العلم منذ نشأ إلى أن مات، وجمع كتبًا كثيرة بخطه الحسن المتقن المضبوط النير، وجرد حاشية جده الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبي بطين على المنتهى من هوامش نسخته، فجاءت في مجلد ضخم، ولديه قدرة وصلاحية، وهذا هو الذي مرّ بنا مرثيته في الشيخ عبد الرحمن بن حسن، فالله المستعان.
ولقد ظهر من بيت آل مانع رجال عظماء علماء تبتهج البلاد بذكرهم، وتلهج الألسنة على الدوام بشكرهم، منهم الشيخ محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم والد المترجم، ومنهم مدير عام العارف السعودية الشيخ محمد بن عبد العزيز بن مانع، ومنهم قاضي عنيزة الشيخ عبد الله بن محمد بن مانع ومنهم صاحب الترجمة، فبهذا يتبين أن بيتهم بيت علم غفر الله لهم.
وفي هذه السنة وقع القحط في نجد واشتدت المؤونة وحصل غلاء شديد واستمر القحط والغلاء، وفيها قتل سلطان بن قنور في عين بن قنور المعروفة بالسر قتلة محمد بن عويد بن قنور ورجاله من عشيرته ومعهم فوزان الصوينع، وسبب قتله هو أنهم اتهموه أنه يميل إلى آل ربيع المعروفين من آل شقراء في السر لما بين آل قنور وآل ربيع من الشرور، وكان سلطان المذكور حين أرادوا قتله جالسًا إلى جنب ابن أخته عبد الله العطيفة، فلما رآهم سلطان دخل على عبد الله المذكور واستجار به، فقام عبد الله ينهاهم عنه فلم يلتفتوا إليه وقتلوه، ولم يرعوا لعبد الله حرمة فغصب عبد الله لذلك وسار إلى الرياض ومعه ثوب خاله سلطان بن قنور مضرجًا بالدماء، فقدم على بني عمه العطيفات في بلد الرياض وهم فالح وحطاب وحجاب وراشد، فصاح عند وبكى وقال إن آل عويد قتلوا خالي ظلمًا وعدوانًا وهو في وجهي ونهيتهم فلم ينتهوا بل هتكوا حرمتي وقطعوا وجهي وجعل يبكي حتى استجاش سوكنهم، فغضبوا لذلك وكانوا من جملة خدام الإمام عبد الله بن فيصل ومن المقربين لديه لشجاعتهم، وكانوا معروفين بالشجاعة طلبوا الإمام عبد الله أن يسمح
[ ١ / ٢٠٧ ]
لهم في قتل محمد بن عويد، فإذن لهم وركبوا سائرين من الرياض حتى قدموا آل ربيع في بلد شقراء، فركبوا معهم وتوجهوا إلى السر، فلما وصلوا إلى بلدهم الطرفية المعروفة بالسر، لم يجد فيها سوى النساء، والصبيان فسألوا النساء عن الرجال، فأجبن بأنهم خرجوا للصيد فركب المنعطفات ومن معهم من آل ربيع وأتباعهم من أهل شقراء نحو من عشرين رجلًا وتوجهوا إلى النفود في طلبهم، وأقام بقيتهم في الطرفية يترقبون مجيئهم، فوجدوهم في نفود السر، ولما رآهم محمد بن عويد ركب حصانه وانهزم وكان مشهورًا بالرماية، لم يكن في زمنه من يماثله، وسار إلى السر وترك أصحابه فأحاطوا بهم وقام آل ربيع على فوزان الصوينع فقتلوه لأمور بينهم وتركوا الباقين ثم ساروا خلف محمد بن عويد وطلبوه فأدركوه في عين الصوينع فقتله العطيفات، ثم رجعوا إلى شقراء وسار العطيفات منها إلى الرياض وختمت هذه السنة بفتن وزلازل ومحن واحن فالله المستعان.