أولًا: -
وإن من استكمال فائدة القارئ إيراد واحدة من رسائل الشيخ محمد التي بعث لأهل القصيم لما سألوه عن عقيدته للاطمئنان عن اتجاهه والرد عليه إذا كان مخالفًا لآراء العلماء لأن الناس هناك لم يستجيبوا لدعوته إلا بعد دراسة وتمحيص وهذا من مهمة العلماء في استجلاء الحقيقة ورد المعتدي ببصيرة وإدراك.
وهذا هو نص هذه الرسالة ولها نظائر مع كل من سأله أو أشبه في أمره وتكون النتيجة الاستجابة لمن يريد الحق لأنهم لم يجدوا لدى الشيخ ما يخالف شرع الله أو يغاير ما عليه أعلام أمة الإسلام من المصادر الموثوقة.
[ ١١٦ ]
رسالة الشيخ إلى أهل القصيم
لما سألوه عن عقيدته: (١)
بسم الله الرحمن الرحيم
أشهد الله ومن حضرني من الملائكة وأشهدكم أني أعتقد ما اعتقدته الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره، ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه على لسان رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل بل أعتقد أن الله ﷾ ليس كمثله شئ وهو السميع العليم، فلا أنفي عنه ما وصف به نفسه ولا أحرف الكلم عن مواضعه، ولأا ألحد في أسمائه وآياته ولا أكيف ولا أمثل صفاته تعالى، بصفات خلقه لأنه تعالى لا سمي له ولا كفؤ له، ولا ند له، ولا يقاس بخلقه فإنه سبحانه أعلم بنفسه وبغيره وأصدق قيلًا، وأحسن حديثًا فنزه نفسه عما وصفه به المخالفون من أهل التكييف والتمثيل: وعما نفاه عنه النافون من أهل التحريف والتعطيل فقال ﴿سبحن ربك رب العزة عما يصفون (وسلام على المرسلين﴾ (الصافات الآيات ١٨٠ - ١٨٢) الفرقة الناجية وسط باب أفعاله تعالى بين القدرية والجبرية وهم في باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية، وهم وسط في باب الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية وهم وسط في باب أصحاب رسول الله ﷺ بين الروافض والخوارج.
_________________
(١) - نشرت هذه الرسالة في القسم الخاص للرسائل الشخصية للشيخ محمد بن عبد الوهاب تصنيف د. محمد بلتاجي. و. د. سيد حجاب والشيخ عبد العزيز الرومي وهي الرسالة الأولى ص ٧ - ١٣. نقلًا عن الدرر السنية ج ١ ص ٢٨ - ٣١.
[ ١١٧ ]
وأعتقد أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ إليه ويعود: وأنه تكلم به حقيقة وأنزله على عبده ورسوله وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عباده نبينا محمد ﷺ وأومن بأن الله فعال لما يريد ولا يكون شئ إلا بإرادته ولا يخرج شئ عن مشيئته وليس شئ في العالم يخرج عن تقديره ولا يصدر إلا عن تدبيره ولا محيد لأحد عن القدر المحدود ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المسطور.
وأعتقد الإيمان بكل ما اخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، فأومن بفتنة القبر ونعيمه وبإعادة الأرواح إلى الأجساد فيقوم الناس لرب العالمين حفاة عراة غرلًا تدنو منهم الشمس وتنصب الموازين وتوزن بها أعمال العباد فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون وتنشر الدواوين فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله.
وأومن بحوض نبينا محمد ﷺ بعرصة القيامة وماؤه أشد بياضًا من اللبن وأحلى من العسل، وآنيته عدد نجوم السماء، من شرب منه مرة لم يظمأ بعدها أبدًا وأومن بأن الصراط منصوب على شفير جهنم يمر به الناس على قدر أعمالهم.
وأومن بشفاعة النبي ﷺ وأنه شافع وأول مشفع ولا ينكر شفاعة النبي ﷺ إلا أهل البدع والضلال ولكنها لا تكون إلا من بعد الإذن والرضى كما قال تعالى ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ (سورة الأنبياء آية ٢٨) وقال تعالى: ﴿ومن ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ (سورة البقرة آية ٢٥٥) وقال: ﴿وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى﴾ (سورة النجم آية ٢٦) وهو لا يرضى إلا التوحيد، ولا يأذن إلا لأهله، وأما المشركون
[ ١١٨ ]
فليس لهم من الشفاعة نصيب كما قال تعالى: ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾ (سورة المدثر آية ٤٨)
وأومن بأن الجنة والنار مخلوقتان وأنهما موجودتان وأنهما لا يفنيان وأن المؤمنين يرون ربهم بأبصارهم يوم القيامة كما يرون القمر ليلة البدر في رؤيته.
وأومن بأن نبينا محمدًا ﷺ خاتم النبيين والمرسلين، ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته ويشهد بنبوته وأن أفضل أمته أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى، ثم بقية العشرة ثم أهل بدر ثم أهل الشجرة أهل بيعة الرضوان ثم سائر الصحابة ﵃. وأتولى أصحاب رسول الله ﷺ واذكر محاسنهم وأترضى عنهم واستغفر لهم وأكف عن مساويهم وأسكت عما شجر بينهم واعتقد فضلهم عملًا بقوله تعالى: ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين ءامنوا ربنا إنك رءوف رحيم﴾ (سورة الحشر آية ١٠) وأترضى عن أمهات المؤمنين المطهرات من كل سوء واقر بكرامات الأولياء وما لهم من المكاشفات، إلا أنهم لا يستحقون من حق الله تعالى شيئًا ولا يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله، ولا أشهد لأحد من المسلمين بجنة أو نار إلا من شهد له رسول الله ﷺ ولكني أرجو للمحسن وأخاف على المسيء ولا أكفر أحدًا من المسلمين بذنب ولا أخرجه من دائرة الإسلام وأرى الجهاد ماضيًا مع كل إمام برًا كان أو
[ ١١٩ ]
فاجرًا وصلاة الجماعة خلفهم جائزة والجهاد ماض منذ بعث الله محمدًا ﷺ إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل وأرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين برهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية الله ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به وغلبهم بسيفه حتى صار خليفة وجبت له طاعته وحرم الخروج عليه وأرى هجر أهل البدع ومباينتهم حتى يتوبوا وأحكم عليهم بالدين وأكل سرائرهم إلى الله وأعتقد أن كل محدثة في الإسلام بدعة.
واعتقد أن الإيمان قول باللسان وعمل يعمل، بالأركان واعتقاد بالجان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وهو بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، وأرى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ما توجبه الشريعة المحمدية الطاهرة.
فهذه عقيدة وجيزة حررتها وأنا مشتغل البال لتطلعوا على ما عندي والله على ما نقول وكيل.
ثم لا يخفى عليكم أنه بلغني أن رسالة سليمان بن سحيم قد وصلت إليكم وأنه قبلها وصدقها بعض المنتمين للعلم في جهتكم، والله يعلم أن الرجل افترى على أمورًا لم أقلها ولم يأت أكثرها على بالي (فمنها) قوله: إني مبطل كتب المذاهب الأربعة وإني أقول أن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شئ وإني أدعي الاجتهاد وإني خارج عن التقليد وإني أقول إن اختلاف العلماء نقمة وإني أكفر من توسل بالصالحين وإني أكفر البوصيري لقوله يا أكرم الخلق وغني لو اقدر على هدم قبة رسول الله ﷺ لهدمتها ولو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها وجعلت لها ميزابًا من خشب وإني أحرم زيارة قبر النبي ﷺ وغني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهما وإني أكفر من حلف بغير الله وإني أكفر ابن الفارض وابن عربي وإني
[ ١٢٠ ]