ثالثًا:
ولعل مما يفيد في الموضوع إيراد رسالة كتبها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ قبل وفاته لأهالي المغرب يوضح فيها ما يدعو إليه من إخلاص العبادة لله وتنقية التوحيد مما يفيد أن الجذور الحسنة والقناعة مهدت للاتفاق بين رأي الإمام إبراهيم بعد المناظرة بين علماء المغرب بزعامة المولى إبراهيم وبين علماء نجد برئاسة الإمام سعود بن عبد العزيز في مكة المكرمة عام ١٢٢٦ هـ وحصول القناعة بسلامة ما يدعا إليه ونفي الشبهات عن الشيخ محمد مما يتبرأ منه هو والعلماء بمكة وهذا نصها: -
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مصل له ومن يضلل فلا هادي له واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعص الله ورسوله فقد غوى ولن يضر إلا نفسه ولن يضر الله شيئًا وصلي الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا أما بعد.
فقد قال الله تعالى ﴿قل هذه سبيلي ادعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين﴾ (سورة يوسف آية ١٠٨)
وقال تعالى ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم﴾ (سورة آل عمران آية ٣١)
وقال تعالى ﴿وما ءاتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ (سورة الحشر آية ٧)
[ ١٢٦ ]
وقال تعالى ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾ (سورة المائدة آية ٣)
فأخبر سبحانه أنه أكمل الدين وأتمه على لسان رسوله ﷺ وامرنا بلزوم ما أنزل إلينا من ربنا وترك البدع والتفرق والاختلاف فقال تعالى: ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلًا ما تذكرون﴾ (سورة الأعراف آية ٣)
وقال تعالى ﴿وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون﴾ (سورة الأنعام آية ١٥٣)
والرسول ﷺ قد أخبر بأن أمته تأخذ مآخذ القرون قبلها شبرًا بشبر وذراعًا بذراع وثبت في الصحيحين وغيرهما عنه ﷺ أنه قال " لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه " قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ وأخبر في الحديث الآخر أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة قالوا من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي.
إذا عرف هذا فمعلوم ما قد عمت به البلوى من حوادث الأمور التي أعظمها الإشراك بالله والتوجه إلى الموتى وسؤالهم النصر على الأعداء وقضاء
[ ١٢٧ ]
الحاجات وتفريج الكربات التي لا يقدر عليها إلا رب الأرض والسماء وكذلك التقرب إليهم بالنذور وذبح القربان والاستغاثة بهم في كشف الشدائد وجلب الفوائد إلى غير ذلك من أنواع العبادة التي لا تصلح إلا لله.
وصرف شئ من أنواع العبادة لغير الله كصرف جميعها لأنه سبحانه أغنى الشركاء عن الشرك ولا يقبل من العمل إلا ما كان خاصًا كما قال تعالى: ﴿فأعبد الله مخلصًا له الدين (ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من كاذب كفار﴾ (سورة الزمر آية ٢، ٣)
فاخبر سبحانه أنه لا يرضى من الدين إلا ما كان خالصًا لوجهه وأخبر أن المشركين يدعون الملائكة والأنبياء والصالحين ليقربوهم إلى الله زلفى ويشفعوا لهم عنده وأخبر أنه لا يهدي من كاذب كفار فكذبهم في هذه الدعوى وكفرهم فقال: (إن الله لا يهدي من كاذب كفار)
وقال تعالى: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ق أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون﴾ (سورة يونس آية ١٨)
فأخبر أن من جعل بينه وبين الله وسائط يسألهم الشفاعة فقد عبدهم وأشرك بهم وذلك أن الشفاعة كلها لله كما قال تعالى: ﴿قل لله الشفاعة جميعًا﴾ (سورة الزمر آية ٤٤)
[ ١٢٨ ]
فلا يشفع أحد إلا بإذنه كما قال تعالى: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ (سورة البقرة آية ٢٥٥)
وقال تعالى: ﴿يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولًا﴾ (سورة طه آية ١٠٩)
وهو سبحانه لا يرضى إلا التوحيد كما قال تعالى: ﴿ولا يشفعون إلا من ارتضى﴾ (سورة الأنبياء آية ٢٨)
وقال تعالى: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيها من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده غلا لمن ارتضى﴾ (سورة سبأ آية ٢٢، ٢٣)
فالشفاعة حق ولا تطلب في دار الدنيا إلا من الله تعالى كما قال تعالى: ﴿وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدًا﴾ (سورة الجن آية ١٨)
وقال: ﴿ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذًا من الظالمين﴾ (سورة يونس آية ١٠٦)
فإذا كان رسول الله ﷺ وهو سيد الشفعاء وصاحب المقام المحمود وآدم فمن دونه تحت لوائه لا يشفع إلا بإذن الله وصفوة الخلق محمد ﷺ لا يشفع ابتداء بل: " يأتي
[ ١٢٩ ]
فيخر ساجدًا فيحمده بمحامد يعلمه إياها ثم يقال ارفع رأسك، وقل يسمع وسل تعط واشفع تشفع ثم يحد له حدًا فيدخلهم الجنة " فكيف بغيره من الأنبياء والأولياء.
وهذا الذي ذكرناه لا يخالف فيه أحد من علماء المسلمين قد اجمع عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم ممن سلك سبيلهم ودرج على منهجهم.
وأما ما صدر من سؤال الأنبياء والأولياء بعد موتهم وتعظيم قبورهم ببناء القباب عليها والسرج والصلاة عندها واتخاذها أعيادًا وجعل السدنة والنذور لها فكل ذلك من حوادث الأمور التي أخبر بوقوعها النبي ﷺ وحذر منها كما في الحديث عنه ﷺ أنه قال " لا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان " وهو ﷺ حمى جناب التوحيد أعظم حماية وسد كل طرق يوصل إلى الشرك فنهى أن يجصص القبر وأن يبنى عليه كما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر، وثبت فيه أيضًا أنه بعث على بن أبي طالب ﵁ وأمره أن لا يدع قبرًا مشرفًا إلا سواه ولا تمثالًا إلا طمسه ولهذا قال غير واحد من العلماء يجب هدم القبب المبنية على القبور لأنها أسست على معصية الرسول ﷺ.
فهذا هو الذي أوجب الاختلاف بيننا وبين الناس حتى آل بهم الأمر إلى أن كفرونا وقاتلونا واستحلوا دماءنا وأموالنا حتى نصرنا الله عليهم وظفرنا بهم وهو الذي ندعوا الناس إليه ونقاتلهم عليه بعد ما نقيم عليهم الحجة من كتاب الله وسنة رسوله وإجماع السلف الصالح من الأئمة ممثلين لقوله ﷾: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله﴾ (سورة الأنفال آية ٣٩)
[ ١٣٠ ]
فمن لم يجب الدعوة بالحجة والبيان قاتلناه بالسلف والسنان كما قال: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز﴾ (سورة الحديد آية ٢٥)
وندعوا الناس إلى إقام الصلاة في الجماعات على الوجه المشروع وإيتاء الزكاة وصيام شهر رمضان وحج بيت الله الحرام ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر كما قال: ﴿الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وءاتوا الزكاة وأمروا بالمعرف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور﴾ (سورة الحج آية ٤١)
فهذا الذي نعتقد وندين لله به فمن عمل بذلك فهو أخونا المسلم له ما لنا وعليه ما علينا.
ونعتقد أيضًا أن أمة محمد ﷺ المتبعين لسنته لا تجتمع على ضلالة وأنه لا تزال طائفة من أمته على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك وصلي الله على محمد (١)
_________________
(١) - اسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب: المجموع ج ٨ ص ١١٠ - ١١٥ الرسائل الشخصية وانظر أيضًا الدار السنية.
[ ١٣١ ]