الملك عبد العزيز عندما دخل مكة المكرمة عام ١٣٤٣ هـ بعد سقوط الخلافة الإسلامية العثمانية ثم بعد أن إنظوت المدينة وجده على لواء الدولة الجديدة بقيادة الملك عبد العزيز، وقامت أصوات أجنبية عديدة تتهمه بأمور عديدة هو منها براء فقالوا إن مذهبه وهابي وانه مذهب خامس وإنه امتهن قدسية الحرمين وأنهم ضربوا مسجد رسول الله ﷺ بالقنابل وانتهكوا الأعراض ولا يحبون النبي ولا يصلون عليه وغير هذا من الأكاذيب التي تكررت من قبل، فجاء مجموعة من علماء أهل الحديث وحجوا وزاروا مسجد الرسول، وبان لهم كذب تلك الادعاءات وقد عادوا إلى الهند ليردوا على الافتراءات وليبينوا حقيقة ما رأوا وعقدوا مؤتمرين ردًا على مؤتمر لكنؤ، ومؤتمر دلهي، وتحدثت الصحف التي في مقدمتها: أهل الحديث، وأخبار محمدي، وزمنيدار، عن حقيقة حال الملك عبد العزيز، وما أحدثه في الحرمين من إصلاحات مع اهتمامه بأمن الحجاج وراحتهم وسلامة عقيدته وحماسته لدين الله.
ولكي يوضح للمسلمين حقيقة العقيدة التي هو متمسك بها نراه يرسل الكتب ويتحدث في وفود الحجاج سنويًا وكان من كلامه ما جاء في خطابه الذي ألقاه في القصر الملكي بمكة يوم غرة ذو الحجة عام ١٣٤٧ هـ الموافق ١١ مايو عام ١٩٢٩ م بعنوان " هذه عقيدتنا " جاء فيها قوله: --
يسموننا " بالوهابيين " ويسمون مذهبنا " الوهابي " باعتبار أنه مذهب خامس وهذا خطأ فاحش نشأ عن الدعايات الكاذبة التي كان يبثها أهل الأغراض.
نحن لسنا أصحاب مذهب جديد أو عقيدة جديدة ولم يأت محمد
[ ١٣٢ ]
بن عبد الوهاب بالجديد فعقيدتنا هي عقيدة السلف الصالح جاءت في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وما كان عليه السلف الصالح.
ونحن نحترم الأئمة الأربعة ولا فرق عندنا بين مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة وكلهم محترمون في نظرنا ونحن في الفقه نأخذ بالمذهب الحنبلي.
هذه هي العقيدة التي قام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب يدعوا إليها وهذه هي عقيدتنا وهي عقيدة مبنية على توحيد الله ﷿ خالصة من كل شائبة منزهة عن كل بدعة فعقيدة التوحيد هذه هي التي ندعوا إليها وهي التي تنجينا مما نحن فيه من محن وأوصاب.
أما التجديد الذي يحاول البعض إغراء الناس به بدعوى أنه ينجينا من آلامنا فهو لا يوصل إلى غاية ولا يدنينا من السعادة الأخروية.
إن المسلمين في خير ما داموا على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وما هم ببالغين سعادة الدارين إلا بكلمة التوحيد الخالصة.
إننا لا نبغي التجديد الذي يفقدنا ديننا وعقيدتنا وإنا نبغي مرضاة الله ﷿ ومن عمل ابتغاء مرضاة الله فهو حسبه وهو ناصره فالمسلمون لا يعوزون التجدد وإنما تعوزهم العودة إلى ما كان عليه السلف الصالح.
ولقد ابتعدوا عن العمل بما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فانغمسوا في حمأة الشرور والآثام فخذلهم الله جل شأنه ووصلوا إلى ما هم عليه من ذل وهوان ولو كانوا متمسكين بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ لما أصابهم ما أصابهم من محن وآثام ولما أضاعوا عزهم وفخارهم.
لقد خرجت وأنا لا أملك شيئًا من حطام الدنيا ومن القوة البشرية وقد تألب الأعداء علي ولكن بفضل الله وقوته تغلبت على أعدائي وفتحت كل هذه البلاد.
[ ١٣٣ ]
إن المسلمين متفرقون اليوم طرائق بسبب إهمالهم العمل بكتاب الله وسن رسوله ﷺ ومن خطل الرأي الذهاب إلى أن الأجانب هم سبب هذه التفرقة وهذه المصائب إن سبب بلايانا من أنفسنا لا من الأجانب يأتي أجنبي إلى بلد ما فيه مئات الألوف بل الملايين من المسلمين فيعمل عمله بمفرده فهل يعقل أن فردًا في مقدوره أن يؤثر على ملايين من الناس إذا لم يكن له من هذه الملايين أعوان يساعدونه ويمدونه بآرائهم وأعمالهم؟؟! .
كلا ثم كلا فهؤلاء الأعوان هم سبب بليتنا ومصيبتنا إن هؤلاء الأعوان هم أعداء الله وأعداء أنفسهم.
إذًا فاللوم واقع على المسلمين وحدهم لا على الأجانب إن البناء المتين لا يؤثر فيه شئ مهما حاول الهدامون هدمه إذا لم تحدث فيه ثغرة تدخل فيها المعاول وكذلك المسلمون لو كانوا متحدين متفقين لما كان في مقدور أحد خرق صفوفهم وتمزيق كلمتهم.
في بلاد العرب والإسلام أناس يساعدون الأجنبي على الإضرار بجزيرة العرب والإسلام وضربها في الصميم وإلحاق الأذى بنا ولكن لم يتم لهم ذلك إن شاء الله وفينا عرق ينبض.
إن المسلمين بخير إذا اتفقوا وعملوا بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ليتقدم المسلمون للعمل بذلك فيتفقون فيما بينهم على العمل بكتاب الله وسنة نبيه محمد ﷺ وبما جاء فيها والدعوة إلى التوحيد الخالص فإنني حينذاك أتقدم وأسير وإياهم جنبًا إلى جنب في كل عمل يعملونه وفي كل حركة يقومون بها.
والله إنني لا أحب الملك وأبهته ولا أبغي إلا مرضاة الله والدعوة إلى
[ ١٣٤ ]
التوحيد ليتعاهد المسلمون فيما بينهم على التمسك بذلك وليتفقوا فإنني أسير ووقتئذ معهم لا بصفة ملك أو زعيم أو أمير بل بصفة خادم (١)
وفي ٢٣ المحرم عام ١٣٤٨ هـ الموافق أول يوليو عام ١٩٢٩ م جاء في أحد خطاباته:
قد علمتم أن بعض الناس قد شذ عن طرق الهداية وتنكب الطريق المستقيم ووقع في أحابيل الشيطان بفعل الدسائس التي يكيدها بعض من يدعون الإسلام ويتظاهرون بالغيرة على الإسلام والله يشهد أن الدين منهم براء وبراء من أعمالهم لقد قلت وما زلت أقول:
إنني لا أخشى من الأجانب قدر ما أخشى من بعض المسلمين فالأجانب أمرهم معروف وفي الاستطاعة الحذر منهم وفي الإمكان الاستعداد لصد هجماتهم وإحباط دسائسهم وأضف إلى ذلك أنهم لا يقدرون على محاربتنا باسم الإسلام أما بعض المسلمين فهم ما زالوا يكيدون لنجد وأهل نجد باسم الإسلام والمسلمين ويحاربون إخوانهم المسلمين باسم الإسلام منذ عصور.
كانت الدولة العثمانية وقد كانت أقرب الناس بصفتها دولة الإسلام فحاربتنا باسم الإسلام والمسلمين محاربات شديدة وأحاطت بنا من كل جانب حاربنا مدحت باشا من جهات القطيف والأحساء وسيرت علينا من الحجاز واليمن قوات عظيمة وكذلك سارت جيوشها من الشمال فحاصرتنا من كل جانب للقضاء علينا وضربنا في الصميم حاربتنا باعتبار " الوهابية " مذهبًا جديدًا، وابن عبد الوهاب جاء ببدعة جديدة وأن " الوهابيين " تجب محاربتهم إلى غير ذلك من الأقوال المنمقة التي انطلت
_________________
(١) - انظر المصحف والسف جمع مجد الدين القابسي ص ٥٥ - ٥٦.
[ ١٣٥ ]
عل أصحاب العقول السذج من الدهماء فانخدعوا وأتعادوا لأقوالها ولكن الله نصرنا عليهم.
وكذلك فعل غيرهم في هذا الزمان فحوصرنا من كل جانب وأرادوا القضاء علينا باسم الدين أيضًا ولكن الله نصرنا عليهم وجعل كلمته هي العليا وقد نصرنا الله بقوة التوحيد الذي في القلوب والإيمان الذي في الصدور ويعلم الله أن التوحيد لم يملك علينا عظامنا وأجسامنا وحسب بل ملك علينا قلوبنا وجوارحنا ولم نتخذ التوحيد آله لقضاء مآرب شخصية أو لجر مغنم وإنما تمسكًا به عن عقيدة راسخة وإيمان قوي ولتجعل كلمة الله هي العليا (١)
ولا يسعني بعد ذلك الجهد المتواضع إلا أن أسأل الله ﷾ أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجه الكريم وأن ينفع به طلاب العلم والمعرفة.
والحمد لله رب العالمين وصلي الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
_________________
(١) - انظر المصدر السابق ص ٥٨ - ٥٩.
[ ١٣٦ ]