تبدأ الصحافة الأجنبية في مصر بالاحتلال الفرنسي للديار المصرية في سنة ١٧٩٨ وقد نقلت الحملة الفرنسية معها عدة مطابع ونشرت صحيفتين إحداهما صحيفة إخبارية سميت "كورييه دو ليجبت Courrier de I Egypte صدرت في ٢٩ أغسطس ١٧٩٨ في حجم كتاب وسط من أربع صفحات، وأما الثانية فتسمى "لاديكاد إجيبسيان La Decade Egyptienne وقد تخصصت لنشر بحوث أعضاء المجمع العلمي المصري ودراساتهم للبيئة المصرية في نواحيها الأدبية والتاريخية والاقتصادية، وتعتبر هاتان الصحيفتان أقدم الصحف الأجنبية في مصر.
وقد انتهى تاريخ هاتين الصحيفتين بانقضاء الحملة وخروجها في مصر في سنة ١٨٠١ وبقيت مصر خلوًا من الصحافة الأجنبية زهاء ثلاثين عامًا حتى فكر محمدعلي في صحيفة فرنجية تؤنس الوقائع المصرية في وحشتها، ولم يكن تفكيره هذا غرضًا من أغراض الحكومة المباشرة، فهو لم ينشئ "لو مونيتور إجبسيان Le Moniteur Egyptien في سنة ١٨٣٣ بل أعان أصحابها بالرعاية المادية والأدبية كما يقول جون باورنج " J. Bowring" في تقريره عن مصر في تلك السنة١.
ولم تتصل عناية محمد علي بـ "لو مونيتور إجبسيان" فاختفت بعد بضعة شهور، ولم يحاول هذه المحاولة مرة أخرى كما لم يحاولها خلفاؤه الثلاثة، ولكن الجاليات الأجنبية قد اشتد ساعدها في مصر بين تاجر وعامل وموظف فصدرت لها اثنتا عشرة جريدة، ثلاث إيطاليات وتسع فرنسيات، وأكبر
_________________
(١) ١ راجع هذا الموضوع في "تاريخ الوقائع المصرية ١٨٢٨ - ١٩٤٢" للمؤلف.
[ ٢٧١ ]
الظن أن الجاليات الأجنبية كانت من القلة بحيث لم تحتمل هذه الصحف جميعًا، وأكثرها صدرت مرات قليلة ثم اختفت ثم عادة إلى الحياة في ظروف أكثر ملاءمة، وقد صدرت في سنوات متفرقة بين سنة ١٨٤٦ و١٨٦٢، وقد نشرت هذه الصحف في ظروف لا يضبطها ضابط من قانون للمطبوعات أو الصحافة، وإن أثبتت الوثائق في عهد سعيد أن إنشاءها كان معلقًا على موافقة الأمير و"على شرط أن لا تتجاوز فيما تنشره قوانين الدولة العلية وأن لا تذكر أي شيء ضد الحكومة المحلية"١.
وقد صدرت هذه الصحف جميعًا في مدينة الإسكندرية حيث كان النشاط التجاري والصناعي في أوجه، وحيث كانت كثرة الجاليات الأجنبية تعيش، وقد تميزت هذه الصحف كلها ببعض المميزات، فهي صحف تبحث في التجارة وتنشر أخبارها وأخبار البورصة خاصة واستتبع ذلك كثرة الإعلانات فيها حتى أن بعضها كان تستغرقه هذه الإعلانات، وعنيت هذه الصحف عناية واضحة بالسفن الداخلة لميناء الإسكندرية والخارجة منه، وفصلت ما حملته من الأشياء في الذهاب والإياب، ثم تباينت هذه الصحف في سياستها العامة وموضوعاتها الداخلية والخارجية.
ومن الأمثلة أن "لوسبتاتوري أجيزيانو Lo Spettatore Egiziano" كانت أظهر هذه الصحف عناية بالآداب والاجتماعيات كما كانت أمتع الصحف من حيث قدرتها على إرضاء قرائها، فهي تنشر لهم القصص الأدبي الرائع نقلًا عن الآداب الأوربية المختلفة، واهتمت غيرها بالمسائل الشرقية ووقفت صفحاتها على أمور الشرق ومشكلاته، واتخذت صحف عديدة أخبار الدولة التي تتبعها موضوعًا لها فكانت "ليكو دي إجيتو L Eco Di Egitto" تتحدث في جميع أعدادها عن إيطاليا وأخبارها كما شغلت صفحاتها بأحوال الإيطاليين في مصر وبأخبارهم المختلفة وجعلت ذلك غاية في غاياتها وقلما كانت تعني بالمسائل المصرية
_________________
(١) ١ محفوظات عابدين، وثيقة رقم٣١، سجل ٥٢٥، معية تركي قسم ثان، ص١٤٦.
[ ٢٧٢ ]
وفي عهد سعيد باشا أنشيء المجمع العلمي المصري وفرض إنشاؤه إصدار جريدة تكون سجلًا له وهو وصل ما انقطع من الحملة الفرنسية، إذ كان هذا المجمع صدى للمجمع القديم حتى كان أكثر أعضائه من الفرنسيين، وحلت مجلة "المجمع المصري Bulletin de L Institut Egyptien" محل "لاديكاد إجبسين" في تسجيل الموضوعات التي أقرها المجمع أو في نشر بعض المذكرات التي تتصل بشئون مصر المختلفة.
كانت الصحف الفرنجية إلى عهد سعيد باشا صحف إعلان، زخرت صفحاتها بالإعلانات المختلفة، وضمت مقالًا أو مقالين وبضعة أخبار لا تغني أضأل الصحف المعاصرة لنا، ولم تكن هناك صحف رأي أو صحف أخبار؛ لأن الظروف كان تأبى الرأي الحر ولا تحتمل الملاحظة والنقد، ولذلك كان الجرائد في معظمها جرائد أسبوعية ففقدت "صفة الخبرية" فيها، أما عصر إسماعيل فقد امتاز بصحافة الرأي فيه امتيازًا ملحوظًا سواء منها ما كتب له أو ضده.
وقد حمل لواء هذه الصحافة الجديدة جريدة "لو بروجريه إجبسيان" " Le Progres Egyptien" فقد أخذت تحدثنا عن الظلم والعسف النازلين بالمواطنين وعن تبرم الشعب المصري وسخطه من قسوة حكومته، وهو تبرم كما تقول ملأ حفيظة "جماعة كبيرة من الشعب من الباشاوات ومن رجال الدين وأن احترام الحكومة لم يعد على غراره الأول" وتمضي "لوبروجريه إجبسيان" ناشرة أسوأ الأخبار المتصلة بالحكومة فتقول في ٦ - و١٥ - سبتمبر سنة ١٨٦٩ "إنه ألصق في هذا الأسبوع خفية على جدران المدينة -الإسكندرية- إعلانات عدائية لسمو الخديوي وهي عبارة عن شكوى مرفوعة إلى السلطان باسم ١١٤ من عيون تجار القاهرة والأرياف المصريين" وقد كان دأب الجريدة الإساءة إلى أصحاب الحظوة عند الخديوي من الأتراك "هذه الأقلية التركية التي تحكم وتنظم وتشغل جميع الوظائف وتضع الميزانية، لن تستطيع
[ ٢٧٣ ]
التغلب على أكثرية المصريين التي تفلح الأرض وتدفع الضرائب وتسخر وتعطي ما لها وعرف جبينها للدولة".
وقد كيل لـ "لوبروجريه إجبسيان" من الحكومة بالقدر الذي كالت به لها، إذ صدر قرار من نظارة الخارجية المصرية في يوم ١٢ أبريل سنة ١٨٧٠ بتعطيلها شهرين ابتداء من ١٦ أبريل؛ وذلك لأنها نشرت مقالين شديدي اللهجة عن الحرية الشخصية في مصر استهلت أولهما بقولها في ١٢ أبريل سنة ١٨٧٠ "منذ زمن وهم يظهرون -تقصد رجال الحكومة- احتقارهم للحرية الشخصية فقد تعددت حوادث القبض بلا مسوغ والحبس والحجر بشكل مقلق ولم يرتكب هذا ضد الفلاح والرعايا المحليين فحسب بل ارتكب ضد الأجانب أيضًا وخاصة الفرنسيين منهم" ثم مضت تحمل على الحكومة وتصرفاتها مع الناس ومصادرة حرياتهم قائلة: "إنه من المخجل أن تدعي الصحافة الأوربية بدعوة من الخديوي فتجد الأمن والحرية الشخصية مفقودين".
أما مقالها الثاني الذي عوقبت من أجله فعن أزمة بين السلطان وواليه قالت فيه" "إنهم يتحدثون عن أزمة قريبة الوقوع بين السلطان والخديوي ويقررون أن الطريقة التي من شأنها أن تصلح بين الطرفين هي زيارة من الخديوي للقسطنطينية" ثم تعلق على ذلك في ١٤ يوليه سنة ١٨٧٠ قائلة: "إنه لبس مجهولًا بأي الطرق يجتنب غضب الباب العالي وبأي الأساليب يكتسب رضاه، إننا لا ننسى الفرمان الأخير وزيادة الضرائب نتيجة لهذا الفرمان، إن الفلاح لم يعتد الشكوى وطرق التعبير عنها وإن سمو الخديوي لم يفكر فيه مطلقًا، وإن الحكومة المصرية لتكون جد مخطئة إذا هي لم تلاحظ ذلك وتحسب حسابًا للآثار التي تتركها هذه الحالة في نفوس رعاياها وخاصة في نفوس الفلاحين، وإن رحلة القسطنطينية في هذا الوقت ستكون بالنسبة لمصر إثقالها بالضرائب وإن الفلاح لم يعد يحتمل هذا الظلم من جديد، لقد استغل فانتزعوا ماله
_________________
(١) ١ لوبروجريه إجبسيان نقلًا عن صبري في كتابه السابق ص١١٢، ص١٢٦، ١٢٧.
[ ٢٧٤ ]
مرة بعد مرة، لقد حطم بالسخرة التي قضت على عدد لا حصر له من العمال الفلاحين الذين بقيت أراضيهم بلا فلاحة".
وقد كان لجريدة "لوبروجريه إجبسيان" مقالات حماسية متصلة أقلقت بال الحكومة المصرية فعمدت إلى إغلاقها وحبس محررها١، ولم يترك هذا الخلاف العميق مع الحكومة صداقة بينها وبين السلطان، بل كانت هذه الجريدة مستقلة حقًّا في آرائها تدافع عن مصر دفاعًا كريمًا فكثيرًا ما جعلت دأبها الرد على جريدة " La Turquie" التي تعبر عن آراء الدوائر الرسمية في القسطنطينية، ومن مواقفها الكريمة المأثورة عنها في هذا الميدان أنها هاجمت تركيا حين أوفدت حسن بك لسمو إسماعيل باشا ليستوضحه كيف يدعو باسمه حكام الغرب وملوكه إلى حفل افتتاح القنال ثم ليستفهم من سموه عن مفاوضاته في حيدة قنال السويس وإمضائه لبعض المعاهدات التجارية دون الرجوع في ذلك كله إلى الباب العالي.
ثم ذكرت تهديد السلطان بموقف حاسم قد يطوح بالأسرة العلوية نفسها ثم انبرت "لوبروجريه" للرد على هذه الأخبار التي نشرتها فذكرت "أن هذا التهديد لا يخيف أحدًا ولا محل له إذ إن كل تغيير في مصر ليس من شأن الباب العالي وحده كما أقرت ذلك معاهدة لندره، والباب العالي يتناسى أن أي تغيير في شئون مصر ينبغي أن يؤخذ فيه رأي الأجانب المقيمين في مصر فلا بد من التعرف على ميولهم أمن مصلحتهم أن يلحقوا بالدولة العثمانية مباشرة أم إن مصلحتهم تقتضي البقاء في ظل حكومة مصرية خالصة"٢.
وقد اعتبر أصحاب الصحف الفرنجية أنفسهم أصحاب حق في مصر لهم ما للمصريين من المزايا وإن لم تفرض عليهم التزامات الوطنيين، وذلك وضع لا يناله في سائر الأقطار العثمانية، لذلك كانوا أول من نادى بفصل مصر
_________________
(١) ١ L Impartial D Egypte في ١٧ مارس ١٨٦٩ وفيه تقص تاريخ لو بروجريه إجبسيان. ٢ لوبروجريه إجبسيان في يوليو ١٨٦٩.
[ ٢٧٥ ]
عن تركيا وإن اختلفوا فيما بينهم نحو الحكومة المصرية، فالمسيو نيكولو " Nicoullaud" محرر "النيل Le Nill" ١ يقود الصحافة الأجنبية في الحملة على تركيا وصحيفتها الرسمية ويرد هجماتها على الخديوي، فهو يتفق مع محرر "لو بروجريه" في هذه الناحية ويختلف معه في النظر إلى الخديوي إسماعيل وحكومته٢ وكان بين الصحف الفرنجية المصرية التي تتفق مع جريدة "لو بروجريه" من حيث التفكير في فصل مصر عن تركيا واعتبارها كمًّا قائمًا بذاته جريدة "لامبرسيال ديجبت L lmpartial d Egypte" وكتب في ذلك المسيو موريه " Moures" في صدر افتتاحية العدد الأول عن خطة جريدته "ستسعى لتحقيق حرية هذا البلد الذي نسكنه، وستعمل بهمة على أن تستقل مصر بمسائلها عن تركيا وتسير نحو التقدم بخطى فساح بقدر ما تبتعد عنه تركيا بنفس الخطى، نعمل في كلمة على التفريق بين آراء البلدين وأملهما ونظامهما الدستوري"٣.
ومن الصحف التي شغلت الرأي العام في مصر وخاصة رأي الأجانب فيها على أصح تعبير، جريدة " L ndependant" فهي إلى جانب حملتها المتصلة على القنصل الفرنسي وتمثيلها للمتطرفين من الفرنسيين النازلين في مصر كانت تحمل في شدة وعنف على الحكومة المصرية وخديوها، فكتب شريف باشا يشكوا أمرها إلى القنصل في ٢٠ يناير فانعقدت المحكمة القنصلية وأصدرت أمرًا يقضي بمصادرة الجريدة وغلق مطبعتها وسجن محررها عامًا كاملًا٤.
وكانت جريدة "ليجبت L Egypte" وقد صدرت في أوائل عهد إسماعيل سنة ١٨٦٣، على رأس الجرائد المعارضة للخديوي حتى أن أحمد خيري بك فرض في برنامجه "للوقائع المصرية" في ٢٥ نوفمبر سنة ١٨٦٥ أن تتولى
_________________
(١) ١ Douin Histoire du Regne du Khedive Ismail t. Ip.٢٥٥ ٢ المصدر السابق، ج٢، ص٣١٤. ٣ لامبرسيال ديجبت، العدد الأول، مارس ١٨٦٩. ٤ محفوظات عابدين خطاب رقم٢٣، ٥/ ٤٤ Doss.
[ ٢٧٦ ]
الجريدة الرسمية الرد على مفتريات "ليجبت" ولم تستمر ليجبت خصيمة للخديوي وحكومته فترة طويلة إذ استطاع الأمير أن يمضي مع ناشرها المسيو "أنطوان موريس" اتفاقًا لمدة خمس سنوات تطبع فيها الجريدة على ذمة الحكومة المصرية١ وهكذا أصبحت جريدة "ليجبت" بذلك الاتفاق صحيفة حكومية خالصة ربطت لها الحكومة المصرية ميزانية قدرها حوالي ألف وثلاثمائة جنيه مصري في عام٢ ثم نقلتها إلى القاهرة في سنة ١٨٦٦ وهيأت لها عمالًا جددًا٣ وتركت لها حرية التفكير وإن عالجت أمورها كالصحف الأخرى، فقد نشرت الجريدة خبرًا غريبًا عن تعيين ناظر الخارجية ومحافظ الإسكندرية فكان جزاءها التعطيل خمسة عشر يومًا، ثم استعملت الدولة حقوقها عليها فعزلت كاتب الخبر من وظيفته في التحرير٤ ومضت "لجيبت" جريدة حكومة خالصة حتى أقبل عهد توفيق فكان لها موقف آخر أساءت فيه إلى الدين الإسلامي فأمر بتعطيلها٥.
وقد تمكن الخديوي إسماعيل بالبذل والعطاء من السيطرة على معظم الصحف الفرنجية في مصر، فقد بدأت "لو فارد الكسندري Le Phare d Alexandrie" كما بدأت "ليجبت" صحيفة معادية له ولحكومته فكانت قاسية أشد القسوة منذ عددها الأول الذي حملت فيه على الوزير نوبار باشا "الذي يسب الفرنسيين وحكومتهم كما اعتاد على ذلك ودأب على احتقارهم" ثم يصفه بأنه "ليس
_________________
(١) ١ محفوظات عابدين، وثيقة رقم٢١٥، دفتر رقم١٩٤٨ أوامر، ص٥٨. ٢ ربطت لها الحكومة مبلغ ٦٩٠ مليم و١٣١٦ جنيه إعانة، "راجع: محفوظات عابدين وثيقة رقم٢١١، محفظة رقم٤٩ معية تركي في ٤ جمادي الثانية ١٢٨٩هـ". ٣ محفوظات عابدين، وثيقة رقم ٣١٨، محفظة ٤٠ معية تركي في ٧ شوال ١٢٨٣هـ، من محمد حافظ ناظر المالية إلى صاحب السعادة. ٤ محفوظات عابدين، وثيقة رقم ٣٦١، محفظة ٤٥ معية تركي في ٢٤ ربيع الثاني سنة ١٢٦٨هـ من الجناب العالي إلى ناظر الداخلية. ٥ الوقائع المصرية في ٢٩ نوفمبر ١٨٨١.
[ ٢٧٧ ]
سياسيًّا وليست عنده حاسة الرجل العمومي ولا يفهم في السياسة شيئًا"١.
غير أن هذه القسوة وتلك المعارضة لم يطل أمرهما إذ انضمت إلى الخديوي وأصبحت داعية من دعاته، وكان هذه يكلفه خمسين ألف فرنك كل سنة على أن ترسل هذه الصحيفة إلى دواوين الدولة، ثم عقدت الحكومة مع مديرها المحامي هايكاليس "باشا فيما بعد" اتفاقًا لمدة خمس سنوات ينتهي في ٣١ ديسمبر سنة "١٨٧٩"٢ بشروط أهمها مناصرة الحكومة في سياستها جميعًا وقد دافعت "لو فارد الكسندري" عن إسماعيل وسياسته بحماسة ظاهرة بيد أنها كانت مكروهة جدًّا من الوطنيين، فقد أرسل مديرها في ٢٣ يوليو سنة ١٨٧٦ إلى باروت بك سكرتير خاص الخديو يشكو له إحدى المظاهرات التي أخذت تنتقل من شارع إلى شارع حتى بلغت مكتب جريدته، وأخذ المتظاهرون يهتفون بسقوط صحيفته، ويطلب في كتابه إلى سكرتير الخديوي أن يوضح حد لهذه المظاهرات التي تسيء إلى سمعة مصر وإدارتها والتي من شأنها أن تعطي مثلًا سيئًا وخطرًا للمصريين٣.
استطاع الخديوي إسماعيل بما بذل من جاهه عند قناصل الدول وبما قدم من ماله لأصحاب الصحف الفرنجية وبما طبقه من قوانين الصحافة التركية أحيانًا، استطاع أن يخضع الصحافة الأجنبية في مصر لسلطانه خضوعًا يكاد يكون مطلقًا حتى لم تعد الصحف المعارضة له تقوى على البقاء أو تستمر في الكفاح، وقد لوحظ على هذه الصحافة أنها كان تشتد في لهجتها كلما تحرجت أمور الخديوي ثم تلين قناتها إذا اعتدلت ظروفه واستقامت له الأمور، وقد انقسمت هذه الصحف إلى قسمين، قسم موال على إطلاق هذا المعنى وقسم بين بين، وهي هنا تمثل حقبة مهمة من تاريخ الصحافة الفرنجية المصرية إذ ترتبط نشأة
_________________
(١) ١ لوفارد الكسندري ٤ يونيو ١٨٧١. ٢ محفوظات عابدين وثيقة ١٢٣، دفتر ١، ص٦٢. ٣ عابدين ١١ - ٤٥. Dossier n.
[ ٢٧٨ ]
صحافة الرأي الفرنجية بعصر إسماعيل وكانت قد بدأت حياتها صحافة للإعلان أو التجارة فقط.
وتتمثل الصحافة الخبرية الفرنجية في صحيفة، "لو مونيتور إجبسيان" التي نشرت في عهد الخديوي إسماعيل سنة ١٨٧٤ جريدة "يومية سياسية علمية تجارية وللإعلانات" ومع أنها أعلنت أن صفتها الأولى ستنحصر في المسائل التجارية والعلمية إلا أن صفة الخبرية فيها غلبت صفاتها جميعًا، وهذه الصفة تتميز في الأخبار الرسمية قبل كل شيء ولم يعرف عن "لو مونيتور" أنها صحيفة الحكومة الرسمية إلا في وقت متأخر غير أنها كانت في سنة ١٨٧٨ واضحة الميول معروفة الصبغة، كانت تومئ في صورتها الصادرة بها إلى أنها جريدة شبه رسمية إذ تميزت بنشر الأوامر واللوائح والقوانين وأعفاها المجلس المخصوص دون الصحف الفرنجية جميعًا من رسوم البريد١، وقد بقيت الجريدة شبه رسمية في السنوات الأولى ثم تغلبت عليها الصفة الرسمية قبيل الاحتلال إلى أن أصبحت جريدة الحكومة الرسمية في يناير سنة "١٨٨٥"٢.
أخذت الصحف الفرنجية في مصر تساهم في الحياة السياسية المصرية بقسط له خطره وأثره في الاتجاهات الدولية العامة وأخذت أهمية هذه الصحافة تتركز في جريدتين في نهاية عصر إسماعيل وخلال الثورة العرابية، كانت الجريدة الأولى تمثل الفكرة الفرنسية وهي " La Gazette des Tribunaux" وكانت الثانية وهي " The Egyptian Cazette" صدى الرأي الإنجليزي، وكانت بجانب هاتين الصحيفتين صحف أخرى قليلة الأهمية تنحو نحوها، وإن كانت "لاريفورم La Reforme" الفرنسية تختلف عنهما وتتميز باستقلال الرأي وحرية الفكر.
وقد اشتهرت "لاريفورم" في أول الأمر بحملاتها المتصلة على الحركات
_________________
(١) ١ محفوظات عابدين، وثيقة رقم١٠٤ في ٥ شوال سنة ١٢٩٤هـ. ٢ راجع "تاريخ الوقائع المصرية" للمؤلف.
[ ٢٧٩ ]
السياسة المصرية التي ظهرت في نهاية عهد إسماعيل وكانت كلما اجتمع المصريون على رأي أدخلت في ذهن قرائها أن هذه الوحدة وذلك الإجماع مصدرهما الرعب من الحكم العسكري وشرائه بالعنف واللين ذمم الذوات وضمائر الأعيان١ غير أن "لاريفورم" لا تستمر في خطتها بل تعود مواتية في اعتدال للأماني المصرية فتحمل على الإدارة الأوربية حملة شعواء وتصف رجالها بأقبح الأوصاف وتحمد لها الصحف المصرية هذه المواقف الكريمة٢.
ثم مثلت "لا جازيت دي تريبينو" الاتجاه القنصلي الفرنسي في شئون السياسة المصرية وأخذت تحمل على الخديوي إسماعيل في كل عدد من أعدادها تقريبًا حملات فيها من قسوة التعبير ما ضجت له الحكومة المصرية، فكتب شريف باشا في ٦ أبريل سنة ١٨٧٨ إلى قنصل فرنسا العام يشكو له محرر الجريدة؛ لأنه تجاوز حدوده وحمل بعنف على الخديوي ورجاله إلى حد لا تسوغه أكثر قوانين الصحافة حرية، ويعلن القنصل العام بأنه قرر وقف الجريدة شهرًا غير أن محرر "لا جازيت" يأبى الخضوع لأمر الحكومة المصرية ويرفض تنفيذ ما قضت به، ولولا حزم الحكومة وتصميمها على سحب الترخيص منه وإغلاق مطبعته إذ لم ينفذ أمرها لعجزت السلطة المصرية عن وقف حملات المحرر القاسية٣.
ولما بدأ الرأي العام المصري يتكيف على الصورة التي شرحناها في فصول سابقة أبت "لا جازيت دي تريبينو" أن تعترف للمصريين بحق من الحقوق وأبت أن تقر أن هناك رأيًا عامًّا أو شيئًا يقال له الحزب الوطني، وهاجمتها الصحافة المصرية العربية في شهري يونيو ويوليو سنة ١٨٧٩ وبلغت مقارعاتها لها حدًّا أثار الجالية الأوربية على المصريين.
_________________
(١) ١ نقلًا على التجارة في ١٠ أبريل ١٨٧٩. ٢ التجارة في ١٧ يوليو ١٨٧٩. ٣ محفوظات عابدين ٤/ ٤٥ Dossier.
[ ٢٨٠ ]
وإذا كانت "لا جازيت دي تريبينو" تمثل اتجاه الصحافة الفرنسية فإن "ذي إجبشيان جازيت" كانت في تمثيلها للاتجاه الإنجليزي أصدق تعبيرًا وأوضح ميولًا ومحلًا لثقة الجالية الإنجليزية، فكان يوحى إليها بالرأي فتذيعه ثم تحقق الأيام أخبارها، وتكاد تعلن موضوعات الصحيفة أنها جريدة رسمية للقنصل البريطاني أو الرقيب الأجنبي، وتميزت "ذي إجبشيان جازيت" بإثارة النواحي الدينية في خصومتها للحركة المصرية، وكثيرًا ما رمت المصريين بتعصبهم للدين وأذاعت الأخبار الغربية عن هذا التعصب وأدعت تحاملهم على كل ما هو مسيحي وصورت أتفه الحوادث بالمجازر١ وكثيرًا ما أسفت في معارضتها ونقلت المسائل العامة إلى لون من المهاترات الصحفية فزعمت أن النواب المصريين يتعاطون القهوة والشيشة في المجلس وردت عليها الصحف العربية وعيرتها بزجاجات الخمر التي يحملها نواب الإنجليز وهم في قاعة مجلسهم٢.
وقد استطاعت الصحف الفرنجية أن تنجو من بطش الحكومة؛ لأن شئون الصحافة كانت حياتها خلوًّا من قانون ينظم أمورها ويطبق على الصحافة العربية والفرنجية جميعًا، وبذلك تمكنت الصحف الأجنبية في مصر من البقاء؛ لأن معالجة تعطيلها أو إنذارها تثير مشاكل بين الحكومة المصرية والحكومات الأخرى كانت مصر لا تقوى على إثارتها، على حين كان ناظر الخارجية يملك بجرة قلم إلغاء أخطر صحيفة عربية لمواطن مصري، ومع أن قانون المطبوعات الصادر في ٢٦ نوفمبر سنة ١٨٨١ سوى بين الصحف جميعًا فإن "الإجبشيان جازيت" وجريدة "جازيت دي تريبينو" حملتا على هذا القانون وحمتهما وغيرهما من صحف، الدول الأوربية صاحبة الامتيازات٣.
_________________
(١) ١ راجع المحروسة في ٧ فبراير ١٨٨٢. ٢ الزمان في ٦ مارس ١٨٨٢. ٣ راجع العصر الجديد في ٧ ديسمبر ١٨٨١.
[ ٢٨١ ]
كانت الصحف الأجنبية في مصر متفقة المزاج تقريبًا؛ لأن الدول الأوربية وفي مقدمتها إنجلترا وفرنسا كانت على اتفاق في وجهات النظر إزاء المسألة المصرية، غير أن هذا الاتفاق في الروح والاتجاه لم يدم طويلًا بعد الاحتلال؛ ذلك لأن المسألة المصرية اتخذت وضعًا كان مثارًا للخلاف بين الدول ومن ثم كان مثارًا للخلاف بين الصحافة المعبرة عن تلك الدول في مصر، فتركيا لم تقر هذا الاحتلال وكذلك كان موقف فرنسا ومعظم الدول الأوربية وإن بقيت إيطاليا إلى جانب إنجلترا منذ احتلال فرنسا لتونس سنة ١٨٨١.
وقد استقبل الاحتلال كثيرًا من الصحف القديمة التي حالت الظروف دون صدورها خلال الحرب العرابية، وكانت أهم الصحف الفرنجية التي استقبلها الاحتلال في أيامه الأولى جريدة "ذي إجبشيان جازيت" وجريدة "لو بوسفور إجبسيان" فقد عادتا إلى الحياة باستقرار الحالة الجديدة، فأما الصحيفة الإنجليزية فقد كان موقفها كريمًا مع دعاة الثورة ورجالها وأبت أن تقف إلى جانب الخديوي وشيعته، وحاربت نزعة التطرف الانتقامية التي استولت على خصوم العرابيين، ومصدر هذا الموقف اتجاه الحكومة الإنجليزية إلى تصفية الثورة تصفية فيها شيء من الترفع عن الصغائر، كما أن للمستر "الفرد بلنت" صديق العرابيين دخلًا في موقف الجريدة فقد بذل الجهد وسخا بالمال حتى جعل الصحيفة في جانبه١.
وأما الصحيفة الفرنسية فقد عادت إلى الظهور في سنتها الثانية وسجلت لنفسها تاريخًا خطيرًا في أوائل عهد الاحتلال، فهي صحيفة أنشأها المسيو سريير " Serriere" في مدينة بورسعيد سنة ١٨٨٠ حيث كان يقتني مطبعة فرنجية كاملة ثم انتقل بها إلى القاهرة في السنة الثانية، وتولى تحريرها المسيو جيرو " Giraud" وهو من خيرة المحامين المعروفين في ذلك الوقت، وكانت كتاباته تستقبل استقبالًا حسنًا من المصريين والأجانب على السواء،
_________________
(١) ١ بلنت، التاريخ السري ص٣٢٢.
[ ٢٨٢ ]
مع أن عدد قرائها لم يتجاوز خمسمائة قارئ، وهو عدد يعتبر إذ ذاك من حيث التوزيع قدرًا نادر المثال١.
ولم تكن "لو بوسفور إجبسيان" ذات خطر قبيل الاحتلال فهي صحيفة خلقتها الحياة الاجتماعية والاقتصادية في بورسعيد حيث تعيش الجالية الفرنسية في نطاق واسع عاملة في شركة قنال السويس، ثم انتقلت إلى القاهرة حيث بدأ النشاط السياسي يعم العاصمة ويستغرقها، وقد سارت "لوبوسفور" في تيار الصحف الفرنجية المعاصرة، ولم يكن لها يومئذ ميزة من المزايا التي تميزها على زميلاتها المعاصرات وبينها صحف قديمة لها تقاليدها وتاريخها، ثم احتجبت مع ما احتجب من صحف حتى انتهت الأزمة باحتلال الجيوش البريطانية مصر وعادت إلى الحياة أشد ما تكون الصحف المعارضة للاحتلال ورجاله.
وتمثل "لو بوسفور إجبسيان Le Bosphore Egyptien" في معارضتها للإنجليز إتجاه الحكومة الفرنسية وقنصلها العام في مصر، فهي لا تقر شرعية الاحتلال ولا ترضى عن تصرفات الإنجليز وتقسو في ذلك قسوة تفرض على المستر Clifford Lloyd" أن يستصدر من ناظر الداخلية المصرية في سنة ١٨٨٤ قرارًا وزاريًّا بتعطيلها وإقفال مطبعتها؛ وذلك لأن الصحيفة لم تؤثر بمعارضتها في الجاليات الأجنبية وحدها بل عرضت هذه المعارضة على المصريين في نسخة منها صدرت باللغة العربية مع الصحيفة الفرنسية، ولكن محرر "لو بوسفور" أبى أن يعترف بقانون عام ١٨٨١ الذي اعتمدت عليه الحكومة في تعطيل جريدته، ثم أصدرها في موعدها، غير أن الحكومة صادراتها من أيدي الباعة، وقد عادت إلى الصدور مرة ثانية وتكفل ببيعها عين من عيون الفرنسيين المستوطنين مصر مع مستشار القنصلية الفرنسية حتى لا يملك البوليس مصادرتها، واضطرت الحكومة إلى إغلاق المطبعة وحراستها ثم عرضت على سريير اثنين وأربعين ألف فرنك تعويضًا له عن إغلاق
_________________
(١) ١ Munier: La Presse en Egypte. p. ٣
[ ٢٨٣ ]
المطبعة١ وأثار حادث تعطيلها وإغلاق مطبعتها أزمة حادة بين الحكومتين الفرنسية والمصرية سبق أن عرضنا لها في فصل سابق.
كانت الخصومة بين الفرنسيين والإنجليز تتمثل في المنازلات الصحفية التي دارت بين "لو بوسفور إجبسيان" و"ذي إجبشيان جازيت" وإن خفت لهجة الصحيفة الأولى بعد أن تولى تحريرها Barriere Bey حتى أعجب بها بعض الإنجليز المحليين وأمدها بعض موظفيهم بالأخبار الرسمية والحوادث المحلية، وكانت القنصلية الفرنسية من ناحيتها شديدة العطف عليها حتى أنها عرضت على إدارتها مرتبًا شهريًّا قدره اثنا عشر جنيهًا لما ساءت حالة الجريدة المالية٢ غير أن ذلك لم يفدها شيئًا واضطرت إلى الاحتجاب في سنة ١٨٩٥ ثم بقيت "ذي إجبشيان جازيت" تمثل الفكرة الإنجليزية تعاونها "لو بروجريه Le Progres" الفرنسية التي أنشئت سنة ١٨٩١ معارضة للقنصلية الفرنسية وموالية لدار الوكالة البريطانية وإن لم تقبل عليها الجاليات الأوربية، وشاركتها في هذا الاتجاه جريدة Le Courrier d Egypte وهي صحيفة نوبار باشا، وقد مضت زهاء أربعة وعشرين عامًا تسبح بحمد رئيس الحكومة المصرية أيًّا كان هذا الرئيس، وكان أسلوبها بديعًا حقًّا وإن ملأت صفاحتها بما كانت تنشره الصحف القديمة عن مصر وشئونها، وخاصة سميتها التي أنشئت خلال الحملة الفرنسية، ولم تكن مقروءة ولا محبوبة من الأجانب المتواطنين مصر٣.
ومن الصحف المهمة في ذلك الوقت جريدة "لو جورنال إجبسيان Le journal Egyptien" وهي صحيفة الخديوي ولسان السراي٤ وهي
_________________
(١) ١ المصدر السابق، ص١١ - ١٣. ٢ المصدر السابق، ص١٧ - ١٨. ٣ المصدر السابق، ص٤٢ - تم ٢٢. ٤ Blunt: My Diaries p. ١٣٥.
[ ٢٨٤ ]
ذات علاقات طيبة مع القنصلية الفرنسية وفي كفاح مستمر للاحتلال، وقد ساء الإنجليز موقفها هذا فشكت أمرها إلى إيطاليا، وكان إيطاليا تحرص على صداقة بريطانيا أشد الحرص في ذلك الوقت فتدخل قنصل إيطاليا ونفى أحد صاحبيها ومن ثم فقدت الصحيفة أهميتها واحتجبت سنة "١٨٩٦"١.
أحدث إغلاق "لو بوسفور" فراغًا كبيرًا بين الصحافة الفرنجية في مصر إذ بقيت "ذي إجبشيان جازيت" وحدها لا تعارضها صحيفة من الصحف الفرنجية حتى أنشأ Barriere Bey في سنة ١٨٩٦ جريدة "ليكودوريان L Echo d Orient" لتحل محل صحيفته الأولى "لو بوسفور" وهي صورة مماثلة لها في الشكل والموضوع غير أن "ليكودوريان" كانت أكثر انتشارًا لانخفاض ثمن الصحيفة إلى خمس مليمات، وقد مالت الجريدة إلى جانب الأرمن في بلاد الدولة العثمانية ودافعت عنهم دفاعًا مجيدًا ساء الحكومة التركية وأثر في عامة المصريين٢ فأخذ يضمحل شأنها، وأنشأ صاحبها بدلًا منها جريدة " Courrier D Orient" في سنة ١٨٩٨ معارضة كسابقتيها للاحتلال ورجاله، وكانت تميل للخديوي وتعمل لحسابه غير أنها لم تعمر طويلًا فأغلقت بعد ثلاثة شهور من مولدها.
ثم تبدأ الحركة الوطنية بقيادة مصطفى كامل وتقف معظم الصحف الفرنجية إلى صف هذا الفتى المتحمس لوطنه وتصبح في أكثرها صحفًا مواتية للحركة الوطنية وإن كان بعضها كثير التقلب كجريدتي "لو جورنال إجبسيان" و"لو بروجريه" فتبعت الأولى اتجاه السراي في تذبذبها، فيومًا جرت في تيار الوطنيين ويومًا خالفت اتجاههم.
وأما الثانية فكثيرًا ما حملت على المصريين وزعمت أنهم متعصبون، ومقالها في الشيخ علي يوسف وحملتها عليه وحض الحكومة على مضايقته دليل
_________________
(١) ١ Munier. p. ٣٥-٣٩ ٢ المصدر السابق، ص٥١ - ٥٤.
[ ٢٨٥ ]
على سوء موقفها من رجالات مصر١ وكان الشيخ علي يوسف هدف الصحف الفرنجية كلما عارضت الحركة الاستقلالية وكان في اعتبارها أخطر على الأجانب في مصر من "اللواء" والحزب الوطني وكانت أهم خصوماته مع الإيطاليين خاصة، ومقالات "الكورييري إجيزيانو Corriere Egiziano" وحملاتها عليه عنوان لهذه الخصومة المتصلة٢.
ثم تكفلت جريدة " Les Nouvelles Egyptiennes" لصاحبها جورج دوماني في سنة ١٩٠٧ بالحملة على إدارة المصريين وأحكام قضاتهم ومؤاخذة العاملين على كفاح الإنجليز، وكان لهذه الحملة أثرها على المحرر إذا صدر حكم قضائي بحبسه ثلاثة أشهر غير أن هذا الحكم لم ينفذ لاحتماء دوماني بالامتيازات الأجنبية٣، وفيما خلا "ذي إجبشيان جازيت" وزميلتها "ذي إجبشيان ميل" وبعض الصحف الفرنجية القليلة الأخرى فإن الصحافة الفرنجية في مصر نافست الصحافة العربية في التحمس للرأي العام المتطرف ومخاصمة الاحتلال ورجاله وإن تأثرت بعض هذه الصحف بحوادث طارئة فانحرفت وقتًا ما عن اتجاهها، مثال ذلك موقف "لو فارد الكسندري" " Le Phare d Alexandrie" من مصطفى كامل فقد كانت من أشد أنصاره إلا أنها حملت عليه وعلى المصريين حين دعا إلى تعليق جلاء الترك عن اليونان على جلاء الإنجليز عن مصر؛ وذلك لأن صاحبها من اليونان٤ ومن الأمثلة على انحراف هذه الصحف المواتية بعوامل طارئة موقفها المتباين في أثناء الخلاف القبطي الإسلامي فقد كانت تراه خطرًا يهدد الأجانب في مصر.
وبين الصحف الفرنجية التي نشأت في مصر صحف أنشأها الوطنيون،
_________________
(١) ١ لو بروجريه ٣٠ سبتمبر ١٨٩٥. ٢ الكورييري إجيريانو في ١٠ سبتمبر ١٩٠١. ٣ راجع اللواء ٣٠ مارس ١٩٠٩. ٤ لوفارد الكسندري في ٤ مارس ١٨٩٧.
[ ٢٨٦ ]
فقد أسس مصطفى كامل في نوفمبر سنة ١٩٠٦ شركة مساهمة لإصدار جريدتين فرنجيتين رأسمالهما عشرون ألف جنيه مصري اكتتب فيها صفوة المصريين، واضطرب لهذه الفكرة اللورد كرومر ودفع صحفه إلى الحملة على المشروع، غير أن ذلك لم يحل دون ظهور The Egyptian Standard L Etendard Egyptien الأولى في مساء ٢ مارس سنة ١٩٠٧ والثانية في صباح اليوم التالي.
ويقول مصطفى كامل باشا عن خطة هاتين الجريدتين: "إن قصدنا من تأسيس هاتين الجريدتين هو إحاطة العالم المتمدن وكافة الذين يهتمون بشئون مصر علمًا بخطتنا الوطنية التي غير خصومها شكلها وقلبوا حقيقتها، وأظهرونا لمن يجهلون لغتنا كأننا ننادي بالبغضاء والتعصب الديني فنحن جئنا اليوم نكذب بصورة قطعية هذه التهم الدنيئة ونثبت للعالم كله أن مطلبنا الوحيد بل مطلبنا العالي السامي هو أن نرد لمصر مكانة في العالم تليق بتاريخها وماضيها ومركزها"١ ولم تعمر الصحيفتان الفرنجيتان الوطنيتان؛ لأن منشئهما قضى في سنة ١٩٠٨؛ ولأن أزمة مالية حادة اعترضت حياتهما، كما أن الأجانب انصرفوا عنهما٢ ولم تنجح التجربة، وقد حاولها الوفد المصري بعد الحرب العظمى فلم يوفق.
وقد وجدت الصحافة الفرنجية بعد الحرب العظمى الثانية متسعًا لحياتها فنشطت كمًّا وكيفًا وأصبح عددها مائة وإحدى عشرة صحيفة بين يومية وأسبوعية وشهرية وبين سياسية واقتصادية وزراعية وأدبية ودينية وطبية ورياضية وقضائية ومدرسية وللبورصة، وهي في لغات متباينة بين إنجليزية وفرنسية وإيطالية ويونانية وملطية، وأهم هذه الصحف جميعًا صحيفتان فرنسيتان هما
_________________
(١) ١ من خطبة مصطفى كامل في فندق الكونتننتال في ٢ مارس ١٩٠٧ احتفالًا بظهور الجريدتين. ٢ محفوظات وزارة الداخلية، دوسيه رقم٥.
[ ٢٨٧ ]
"لا بورص أجبسيان La Bourse Egyptienne" و"لو جورنال ديجبت Le journal d Egypte" ثم صحيفة إيطالية هي "الكورييري ديتاليا" " Corriere d Italia" انتهى أمرها بعد دخول إيطاليا الحرب الأخيرة، وقد تطورت هذه الصحف قبيل الحرب الماضية إلى صحف مصالح بعد أن كانت من قبل صحف رأي وفكرة، وأصبح اتجاه الصحف السياسية منها اتجاهًا يتصل بمصالح الدول المتباينة، وهي تمثل النشاط السياسي والفكري والاقتصادي لتلك الدول.
[ ٢٨٨ ]