يكاد إجماع الفقهاء والباحثين ينعقد على أن المطبوعات، وفي مقدمتها الصحافة تجد في قانون المطبوعات الصادر في ٢٦ نوفمبر ١٨٨١ أول تشريع ينظم شئونها ويضبط مسائلها، ولا يعد هذا الرأي مبالغًا فيه إذا نظر إلى قانون سنة ١٨٨١ على أنه أول أداة تشريعية مصرية سايرت نشاط الصحافة وسائر المطبوعات في مختلف مراحلها فتعرضت للتحرير كما تعرضت للطبع والتوزيع والنشر، وإذا كان رأي هؤلاء الفقهاء صحيحًا من حيث اكتمال الأداة التشريعية بهذا القانون فإنه يكون يكون رأيًّا مبتسرًا من ناحية الأصول التاريخية، فإن المعنيين بشئون الصحافة وتاريخها يمكنهم أن يردوا تاريخ المطبوعات إلى عهد الحملة الفرنسية على مصر١، فقد عرفت البلاد في غضونها أول تشريع للمطبوعات أصدره بونابرت في ١٤ يناير ١٧٩٩ في صورة أمر احتوى على ست مواد أكمله الجنرال عبد الله منوفي في مرسومه الصادر في ٢٦ نوفمبر ١٨٠٠ الخاص بجريدة "التنبيه L Avertissement".
ثم أسس محمد علي مطبعة بولاق في سنة ١٨١٩ على صورة متواضعة تتصل بحياة الحكومة وحدها، فقد تكفلت بمطبوعاتها وهي عبارة عن كتب للدراسة والعلم لا تستوجب نظمًا أو لوائح وقوانين تحدد سياستها وتنظم أمورها فمضت شئون النشر فيها هينة إلى أن أخذت تتعقد أحوالها باتساع أعمالها وخطر آثارها بحيث أصبح من المتعذر أن تسير المطبعة على فطرتها أو تضطرد على طبيعتها ودعت الأحوال الجديدة إلى إصدار الأوامر ووضع اللوائح وسن القوانين وتحديد سياسة للطبع فيها ووضع نظام للرقابة على مطبوعاتها.
_________________
(١) ١ راجع هذا الموضوع في "تاريخ الطباعة والصحافة في مصر خلال الحملة الفرنسية" للمؤلف.
[ ٣٠٩ ]
ويروي لنا " Brocchi" السائح المعروف المناسبة التي تم فيها التشريع الأول للمطبوعات في مصر، فيذكر أنه كان بين مدرسي مدرسة الفنون المدرس الإيطالي " Bilotti" وقد نظم هذا المدرس قصيدة شعرية طويلة سماها "ديانة الشرقيين" أساء فيها إساءة بالغة إلى الإسلام والمسلمين، ودعا فيها إلى التهوين من أمر هذا الدين والسخرية برجاله، وقد اتفق بيلوتي سرًّا مع "نقولا مسابكي" أفندي ناظر مطبعة بولاق على نشر قصيدته في المطبعة، وكان مسابكي تلميذًا لإيطاليا وأحد مبعوثي الوالي فيها، وهو نصراني لا يعنيه من أمر الدين الإسلامي شيء وإيطاليا في ذلك الوقت موطن العداء لهذا الدين، فتم طبع القصيدة دون علم الوالي، بيد أن سولت " Salt" قنصل إنجلترا في مصر وقتئذ كان في خصومة مع الناظم الإيطالي فرأى هذه الفرصة وسيلة يتوسل بها للإيقاع به، فروى للباشا أن في الكتاب فحشًا في القول وزراية بالدين إلى درجة أنه يستحيل على أي حكومة أن تقبل ألفاظه أو معانيه مهما تتساهل في حرية النشر أو حرية القول والكتابة، فأمر محمد علي بمخطوط الكتاب فألقى في النار وكاد يقتل مسابكي، ولولا شفاعة عثمان نور الدين من رجاله المقربين لتم القضاء على الكتاب وناشره معًا، ومن ثم أصدر الباشا أمرًا في ١٣ يوليو ١٨٢٣ "٤ ذي القعدة ١٢٣٨هـ" يحرم طبع أي كتاب في مطبعة بولاق إلا إذا استصدر مؤلفه أو ناشره إذنًا خاصًّا من الباشا بطبعه، وفرض أشد العقوبات جزاء لمن يخالف هذا الأمر١.
ويعتبر أمر محمد علي هذا أول تشريع للمطبوعات في عهد أسرته، وقد انصب على الأجانب والمصريين جميعًا، وآية ذلك أننا لا نجد مطبوعًا في مطبعة بولاق إلا ونجد أمرًا عاليًا بطبعه عليه خاتم المطبعة وتاريخ نشره، وذكر أن ولي النعم أصدر أمره بأن يطبع في المطبعة لما رأى فيه "من الفائدة والملاءمة" حتى ولو كان أمر الطبع صادرًا من دواوين الحكومة الرسمية،
_________________
(١) ١ Brocchi G.D Viggi in Africa، Ciornale Esteso in Egitto. T. I. p.٣٧٠
[ ٣١٠ ]
ويروي أرتين باشا أن محمد علي كان متأثرًا في أمره هذه بقوانين فرنسا المعمول بها في ذلك الوقت١ وعندي أن الباشا لم يرجع في ذلك إلى مرجع فإن الحادث من الوضوح والقرار من البساطة بحيث لا يدعو الأمر إلى استشهاد بقانون أجنبي أو نقل عن تشريع من التشريعات، وهو أول قانون للمطبوعات وآخر قانون لها في عهده وعهد خليفته إبراهيم وعباس.
هذا فيما يختص بنشر الكتاب، أما علاقة محمد علي بالصحف فكانت علاقة صاحب البيت ببيته، صدرت في عهده خمس صحف "جرنال الخديوي" في أول الأمر حوالي سنة ١٨٢٢، ثم "الوقائع المصرية" في نهاية سنة ١٨٢٨ ثم "الجريدة العسكرية" حوالي سنة ١٨٣٣، وجريدة "لومنيتور إجبسيان" قرابة ذلك الوقت، ثم جريدة " Lo Spettatore Egiziano" في سنة ١٨٤٦، الصحف الثلاث الأولى صحف الدولة الرسمية، والصحيفة الفرنسية صحيفة شبه رسمية، أما الصحيفة الأخيرة فجريدة للإعلانات، وكانت "الجريدة العسكرية خاضعة لرقابة صاحب الدولة السر عسكر إبراهيم باشا وهي خاصة بالشئون العسكرية الخالصة، و"جرنال الخديوي" جريدة الوالي وحده بعد إنشاء الوقائع أما الجريدتان الأجنبيتان فكانتا أخبارهما كلها منقولة عن الوقائع، وإذن تكون "الوقائع المصرية" هي الجريدة الفذة التي شغلت من حياة الدولة جهدًا وإشرافًا اشترك فيها الموظفون ومنحت للعلماء وفرضت على التلاميذ في مصر وخارجها ووزعت في بلاد العرب والشام وكريت، فهي في حياة الدولة شيء خطير بعيد الأثر، وقد أشرف محمد علي بنفسه على "الوقائع" وإخراجها فكان يكلف موظفيه بكتابة المقالات ويوعز بنشر الأخبار ويراجع مسودات الجريدة قبل طبعها ويعاقب المسئولين إذا أساءوا اختيار الخبر أو المقال، وكانت أوامره ورقابته لها لونًا من ألوان التنظيم التي سبقت تشريع المطبوعات في عهد خلفائه٢.
_________________
(١) ١ هامش ص٣٥ Artin Pacha: Lettres du Dr. Perron a M. Mohel ٢ تاريخ الوقائع المصرية للمؤلف ص٣٠ - ٧٧.
[ ٣١١ ]
وفي عهد سعيد باشا صدر تشريعان للمطبوعات أوسع نطاقًا مما ذهب إليه محمد علي في نشر الكتب أو رقابة "الوقائع المصرية" أحدهما خاص بالمصريين والثاني خاص بالأجانب، وقد تضمن "قرار من المجلس الخصوصي" ماهية التشريع الذي سري على المواطنين ننشره هنا لبيان الفائدة من نشره ولأهميته في تاريخ المطبوعات.
"تقدم لديوان الداخلية عرض من ملاطية لي محمود محمد كتابجي بخان الخليل ينهي أنه حصل له مضايقة في أمر المعاش وله معرفة في فن الطباعة على الحجر وأجل الإعانة على معاشه يريد تدوير عدة طباعة واحدة فقط لطبع بعض كتب صغيرة لازمة لتعليم الأطفال لأجل سهولة معاشه ومنفعة الأطفال تحت ظل الخديوي فلدي المذاكرة عن ذلك بالمجلس الخصوصي قد رؤي من حيث أن رفاهية العباد وسهولة إدارة أمر معاشهم من أقصى آمال الجناب الداوري فبذا لا مانع من الترخيص لمن يكون ذو معرفة لإدارة مطابع بملازم الحجر لإدارة أمر معاشه إنما يكون ذلك من بعد أن يؤخذ عليه سند الشروط من ورق الدمغة على الوجه المشروع وهو:
أولًا: أن كل كتاب أو رسالة يراد طبعها لا يصير الابتداي في طبعها ولا تجهيز لوازمها ولا عقد شروط مع من يريد الطبع والالتزام ولا أخذ شيء منه ما لم يقدم نسخة ذلك إلى نظارة الداخلية لأجل مطالعتها والنظر فيها إن كانت مضرة للديانة ولمنافع الدولة العلية والدول الأجنبية والعامة أم لا ومتى وجد أن لا مانع من طبع ذلك ووافق هذا بالديوان فيعطي إليه الرخصة اللازمة وإن طبع شيء من هذا بدون إذن يصير من المخالفين.
ثانيًا: لا يطبع ولا ينشر جرانيل وغازيتات وإعلانات من دون استحصال الرخصة من ديوان الداخلية وإن فعل ذلك بدون استئذان تغلق وتسد مطبعته.
[ ٣١٢ ]
ثالثًا: إذا طبع ونشر كتب ورسايل إهانة للديانة وللبوليتيقة والآداب والأخلاق فيجري ضبط وتوقيف هذا بمعرفة الضبطية.
رابعًا: المطبعجي لا له أن يطبع عدد زيادة عن الشروط المنعقدة ما بينه وبين الملتزم أو من يريد الطبع بمطبعته وإن طبع شيء زيادة عن الشروط يعد سارق ويترتب جزاه بمقتضى القانون مع ضبط ما يوجد زيادة وإجراء الأصول فيه.
خامسًا: إن حصل من المطبعجي أدنى مخالفة من هذه البنود فيعد مخالف إلى النظام ويجري غلق مطبعته وترتيب جزاه بالنسبة لخفة وجسامة الجنحة تطبيقًا للقانون.
الخاتمة: عندما يختص بالتعهد الذي يؤخذ على المطبعجي يذكر فيه إني قد قبلت هذه الشروط الموضحة بالخمسة بنود وللمعاملة بموجبها ويشرط على نفسه أن لا يقعد مع أحد شروط طبع كتب أو رسايل أو غازيتات أو إعلانات أو خلافه بدون استحصال الإذن من ديوان الداخلية وصدور الأمر بالرخصة وأنه قابل برضاه واختياره، بالإجراء على وجه ما شرح بهذا وعلى هذا النسق يصير الإجراء مع كل ما يعرض من ذوي المعارف في إدارة مطبعة لمعاشه كما استقر الرأي بالمجلس"١.
وقد جمع القرار بين الكتب والصحف والرسائل والإعلانات، والواقع أنه بالرغم مما يتبادر إلى الذهن من قسوة في الشروط التي وضعها الشارع فإن هذا القانون كان تشريعًا سهلًا لينًا؛ لأن ناس ذلك الوقت كانوا بطبعها مسالمين، وكانوا في حالة فكرية -من حيث التعليم وتناول أساليب الحياة-
_________________
(١) ١ محفوظات عابدين، دفتر مجموع إدارة وإجراءات، ص٢٠٧ تابع مأموريات مأموري الضبطية فيمن يرخص له بإدارة مطابع برانية - قرار المجلس الخصوصي في ٢٧ جمادي أول سنة ١٢٧٥هـ.
[ ٣١٣ ]
لا تسمح باختلاف على مصلحة عامة تدفعهم إلى السياسة ومشاكلها، كما كانوا مؤمنين بفطرتهم لا أمل للإلحاد والملحدين بينهم، وكان القانون صدى للقانون العثماني المعمول به في الدولة العثمانية وإن لم يصدر في نصه واكتفى المجلس الخصوصي بروحه، وهو شبيه أيضًا بالقانون الذي صدر من أجل الأجانب في مصر، وسائر ولايات السلطنة العثمانية.
وقد كان للأجانب في مصر على عهد سعيد دالة على حكومته فقد أمد لهم الباشا في رحابه فكثر عددهم واستتبع ذلك إنشاء خمس صحف فرنسية وإيطالية غير صحيفة "السلطنة" العربية التركية، وطبعي أن هذا العدد الكبير من الصحف كان يقتضي رقابة من الحكومة الشرعية في البلاد حتى تأمن نتائج الآراء المتضاربة التي تذيعها هذه الصحف المتباينة، فكانت تجيز الترخيص بهذه الصحف "على شرط ألا تتجاوز فيما ينشره قوانين الدولة العلية وألا تذكر أي شيء ضد الحكومة المحلية١ والراجح أن بعض هذه الصحف قد تجاوز حدوده فاضطرت حكومة سعيد إلى أن تبلغ قناصل الدول منشور التنظيمات الصحفية التي صدرت في الأستانة في ٦ يناير سنة "١٨٥٧"٢ وأرسلتها إلى هؤلاء القناصل في كتاب وقعه ناظر الخارجية في شهر ديسمبر عام ١٨٥٧ وقد صدرت هذه القوانين لتنظيم العلاقات بين الحكومة العثمانية وبين رعايا الدول في داخل الدولة وفي سائر ولاياتها٣، ومن هذه القوانين جزء خاص بالصحف بلغ كما ذكرنا إلى القناصل ليذيعوه على رعاياهم حتى يعملوا بمقتضاه، وننشر هنا أهم المواد الخاصة بالمطبوعات لنبين حقوق الحكومة المصرية والتزاماتها التي خلقتها حالة جديدة لم تكن تعرفها مصر من قبل٤.
_________________
(١) ١ محفوظات عابدين وثيقة رقم ٣١سجل ٥٢٥ معية تركي، ص٦٤ قسم ثان Legislation Ottomane ٢ محفوظات وزارة الداخلية ج٣، ص٣١٨ رقم١ - ٢٥ أرشيف الباب العالي Evolution De La Legislation Sur La Presse En Egypte ٣ عبد المجيد صادق رمضان، ص١٥ و١٦ طبعة عام ١٩٣٥. ٤ Manuala di Diritto Publico F. Privato Ottomano Domenico Gatteschi طبعة ١٨٦٥ من ص٥٤٥ إلى ص٥٧٥.
[ ٣١٤ ]
مادة "١": يجب الامتناع باتًا عن كل نقد لأعمال الحكومة.
مادة "٢": يجب تجنب كل مجادلة في المسائل التي لا تهم مباشرة السلطنة والتي من شأنها أن تضر بالعلاقات الحسنة القائمة مع الدول.
مادة "٣": يجب الاقتصار في نشر المراسلات الواردة من المقاطعات على سرد الحوادث دون نقد أو تعليق على أعمال الموظفين، ويجب ألا تنشر المراسلات إلا بعد إرسالها إلى مكتب الصحافة.
مادة "٤": بما أن الوقت لا يسمح بتقديم المسودات ليلة النشر يجب على المحررين أن يوضحوا شفويًّا للشخص القائم على مكتب الصحافة ما تحتوي عليه افتتاحية الجريدة التي ستنشر وأن يتبعوا الملاحظات التي يمكن توجيهها إليهم.
مادة "٥": لا بد من أخذ رأي مكتب الصحافة قبل نشر الجريدة وذلك لتجنب إذاعة الأخبار الباطلة.
مادة "٦": على الجريدة أن تفتح صفحاتها لتكذيب وتصحيح المقالات المنشورة في أوربا والتي يعرضها مكتب الصحافة.
مادة "٧": كل مخالفة لهذا القانون تعاقب عليها الجريدة أولا بإنذارها وبعد ثلاثة إنذارات تعاقب بالإيقاف المؤقت أو النهائي.
مادة "٨": يضاف الجزاء في حالة الرجوع إلى ارتكاب الجرم ما عدا الاستثناءات التي ينص عليها القانون.
مادة "٩": كل من ينشئ مطبعة أو ينشر كتبًا أو نشرات أخرى دون ترخيص من الباب العالي أو كل من يسمح لنفسه بنشر أو طبع جرائد أو كتب أو مطبوعات أخرى ضد الحكومة أو موظفي الباب العالي أو ضد أية دولة من الدول الخاضعة لتركيا، هذه الجرائد والكتب والمطبوعات تصادر ويلزم المسئول على قدر مسئوليته بقفل مطبعته مؤقتًا نهائيًّا ويعاقب بدفع غرامة من عشرة إلى خمسين جنيهًا مجيديّا.
[ ٣١٥ ]
ويختم ناظر الخارجية تبليغه لقنصل كل دولة بقوله: "تحدد هذه النصوص المختلفة في شيء كثير من الإيضاح واجبات الصحفيين والناشرين ولا يترك أي شك في السبيل التي يجب أن تتبع، هذا بخلاف القواعد الخاصة بالعرض والنشر والأشياء الأخرى التي من اختصاص الشرطة، إلى أن يقول: "ولكي يكون هذا الكلام أكثر وضوحًا أضيف إلى ذلك ما يأتي:
أولًا: كل شخص يمتلك أن يستغل مطبعة قائمة بالفعل دون ترخيص سابق يجب عليه أن يحصل على هذا الترخيص في مهلة مقدارها شهر ابتداء من هذا المنشور وإلا فلا يسمح له بمباشرة عمله ويكون معرضًا لقفل مطبعته.
ثانيًا: وأن مكتبًا للصحف أنشئ في هذه النظارة -يقصد نظارة الخارجية- لتطبيق هذه القواعد".
ثم يطلب ناظر الخارجية من القناصل في مصر أن يذيعوا منشوره السابق الذكر على رعايا دولهم ويبين أن الحكومة مصممة على تنفيذ هذه النظم والقوانين المعمول بها في السلطنة العثمانية وهو حق لها وواجب عليها أيضًا، ثم يأمر بنشر هذه القواعد والقوانين في مختلف جرائد القطر حتى لا تكون هناك حجة لأحد.
عرضنا لكتاب الوزير المصري الذي تضمن القوانين التي بمقتضاها تنشر صحف وتنشأ مطابع، وقد اجتزأ الوزير بعض المواد التي احتوى عليها قانون المطبوعات العثماني، وليست مواد قانون الصحافة التي نشرناها مواد حرفية لقانون المطبوعات التركي بل هي تحمل روحه وطابعه دون الصيغة الأصيلة كما أنها لم تأت مفصلة ولم يراع الوزير المصري في تبليغها للقناصل حرفية القانون بل بسطها تبسيطًا ملحوظًا إذا قورنت بالمواد المنشورة بالقانون التركي الأصلي، وقد عمدت الحكومة المصرية كما رأينا إلى بعض مواد قانون الصحافة دون غيرها وبلغتها للقناصل إذ كان يهمها أشد الاهتمام الامتناع عن نقد أعمالها مما يؤثر على الأمن أو يدعو إلى اضطراب في أفكار الأجانب، وهي كذلك
[ ٣١٦ ]
حريصة على إعفاء موظفي الحكومة من الملاحظات التي قد توجهها إليهم هذه الجرائد فاشترطت لتحقيق هذه الرغبة أن يقر الأخبار التي تذيعها الصحف عن الحكومة وموظفيها مكتب للصحافة أنشأه سعيد في نظارة الخارجية.
وليست الأخبار وحدها المطلوب رقابتها بل إن الافتتاحيات أيضًا كانت تمر على المسئولين في مكتب الصحافة أو يقرها موظفوه مشافهة على شريطة أن يذعن المحرر للاعتراضات التي توجه إليه اجتنابًا لإذاعة الأخبار الباطلة، وكذلك فرض قانون الصحافة على الجرائد الأجنبية في مصر أن تفتح صدرها لتكذيب وتصحيح الأخبار التي تنشرها صحف أوربا أو يذيعها المغرضون عن الحكومة المصرية، وقد أخذ مكتب الصحافة على عاتقه تزويد الصحف بهذا كلما دعت الحاجة إلى تكذيب أو تصحيح.
ولكي تمكن الحكومة لسلطانها على هذه الصحف رسمت عقوبات مختلفة ستفرضها على من يخالف مواد القانون أو يستهين بها، كما عمدت إلى أن تجعل لهذا القانون أثرًا رجعيًّا فكل صاحب مطبعة أو ناشر ينبغي أن ينال ترخيصًا بفتح مطبعته أو نشر جريدته وإلا تعرض لجزاء يقضي على مطبعته ويعطل صحيفته، وألقيت كل هذه المسائل الصحفية الجديدة التي نشأت في الحياة المصرية على مكتب الصحافة الذي أنشأته حكومة الوالي في سنة ١٨٥٧.
ومع أن علاقة الحكومة بالمطبوعات أصبحت واضحة بعد هذين القانونين إلا أنه ينبغي أن نذكر أن الحكومة كالت لهذه المطبوعات بكيلين، فالأجانب كانت لهم الحظوة وكان لهم في قناصلهم حصانة حالت في كثير من الأحيان دون تنفيذ القانون أو رقابة الدولة كما نص التشريع، فقد فتح السيد محمد هاشم من رعايا أمير المغرب مطبعة حروف دون استئذان الحكومة فاستفسرت الضبطية المصرية من الوالي عما يجب أن تصنعه فكان رد سعيد كافيًا ليظهر لنا مدى تحمس الدولة لتنفيذ أوامرها، يذكر والي مصر للضبطية أن "محمد هاشم من طرف أمير المغرب، وأنه إذا كان قد فتح مطبعة حروف دون إذن الحكومة وموافقتها فإن له امتياز الصلة بالسيد عبد القادر الأمير المذكور فيا مبارك
[ ٣١٧ ]
إن الأشياء التي مثل هذا لم هي يد واحدة مثلما تعملون، ثم يقرر له أن الناس أمام القانون غير متساوين وخاصة إذا اعتزوا بأمير أجنبي "إن أصول اليدية الواحدة مرفوع وملغي، افهموا ذلك"١.
فهذا الكتاب يبين لنا أن القانون لم يطبق بدقة في بعض الحالات التي تشفع فيها وشائج الصلات الأجنبية، ويمكن للمؤرخ الذي يسجل العلاقة بين الحكومة المصرية والصحافة في مصر أن يجعل هذه المسائل التي ظهرت في عهد سعيد فيقرر أن الصحافة لم تكن حرة قط، فالحكومة ترى نفسها صاحبة حق في إذاعة الأخبار ونشرها، وأنها إن نزلت عن هذا الحق لأحد من الناس فإنما يكون ذلك بترخيص منها، لها فيه حقوق واسعة، وبالرغم مما تصوره عملية الإصدار هذه من التزمت فإن الحكومة أرادت أن تقي نفسها من خطر ما يذاع وينشر فسمحت للكاتب أن يتخير موضوعه ثم فرضت عليه أن يعرض كتاباته قبل نشرها.
وقد كان للتشريعات الصحفية التركية أثر بعيد المدى إذ مضت الحكومة المصرية تنفذها على رعاياها وتطبقها على رعايا الدول في مصر ثم عدلت التنظيمات الصحفية بقانون صدر في الأستانة في يناير سنة ١٨٦٥ من خمس وثلاثين مادة أهم ما ورد فيها الشروط التي تتوافر في مدير الصحيفة التي يراد إصدارها، ففرض أن يكون عثماني الجنسية وألا يقل عمره عن ثلاثين سنة وأن يكون متمتعًا بكامل حقوقه المدنية ولم تصدر في حقه أحكام مخلة بالشرف على أن يقدم الطلب لناظر المعارف وأن يودع مصدر الصحيفة نسخة منها قبل توزيعها موقعًا عليها من المدير المسئول في إدارة المطبوعات، وقضت المادة الثالثة من ذلك القانون بأن للأجانب حق إصدار الصحف بشرط أن
_________________
(١) ١ محفوظات عابدين، دفتر مجموع أمور إدارة، ص٣٠٧، تابع مأموريات مأموري الضبطية فيمن يرخص له بإدارة مطابع برانية، أمر تركي في ١١ذي القعدة عام ١٢٧٧هـ، رقم ٣٧ مما يره.
[ ٣١٨ ]
تسري عليهم الشروط التي تسري على الأتراك، وأن يكون للقضاء العثماني دون القنصلي حق الفصل في القضايا الصحفية، وللحكومة أن تمنح أو تمنع الترخيص بدون إبداء الأسباب.
وقد فسرت الحكومة العثمانية هذا القانون بأمر الصدارة العظمى الرقيم ١٣ مارس سنة ١٨٦٧ ولم يختلف القانون ولا أمر الصدارة عن تشريع يناير سنة ١٨٥٧ في شيء من حيث الجوهر، ثم صدر القانون الهمايوني في ١١ ديسمبر سنة ١٨٧٠ مقررًا حرية المطبوعات في الدولة وسائر ولاياتها إلا أنه -من الناحية العملية على الأقل- لم يجب ما سبقه من قوانين وأوامر وخاصة حق الحكومة في إلغاء صحف الأجانب بصفة إدارية.
وقد سعى الخديوي إسماعيل جهده في كسب ود الصحافة، وحرص على أن يكون إليه أمرها، فمنحها من الحرية ما عطل القوانين التي ذكرناها، وكان شخصه المرجع في كل ما يتعلق بها، وكان بيده أن يمنح الترخيص لها أو يقبض ذلك عنها، وقد يبدو ونحن نعرض للصحافة المصرية وعلاقتها بالحكومة وعلاقة الحكومة بها في عهد إسماعيل أن هناك شيئًا خفيًا يربط هذا كله، فإن الصحف تجاوزت في عهده السبعين جريدة بين عربية وفرنجية وبين جريدة ومجلة، ومن بينها ما كانت له مع الحكومة مواقف مواتية أو مناهضة، لذلك وضحت في عهد الخديوي إسماعيل وظيفة مكتب الصحافة أو إدارة المطبوعات على أدق تعبير، فقد افتتح إسماعيل عهد بكتاب شريف باشا إلى القناصل يبين لهم فيه ما فعلته نظارة الخارجية لتنظيم العلاقات بين الحكومة وبين رعايا الدول المشتغلين بالنشر والصحافة.
وقد بقي سهم هذا المكتب محجوبًا حتى سنة ١٨٦٦، ففي ١٥ جمادى الآخرة سنة ١٢٨٣هـ "٢٦ أكتوبر ١٨٦٦م" كتب إسماعيل راغب مأمور الأمور الخارجية إلى المعية يذكر لها أن ولي النعم "وافق على تأسيس قلم صحافة يلحق بنظارة الخارجية ليقوم بالإجراءات المتعلقة بالجرائد وغيرها من
[ ٣١٩ ]
المطبوعات"١ وكان من شأن هذا المكتب الإشراف على الصحافة ورعاية شئونها ومراقبة أقلام أصحابها، وقد صدر أمر جديد بإعادة تنظيم مكتب الصحافة في ٢٠ أبريل سنة ١٨٦٩ وبقي المكتب على حاله ملحقًا بنظارة الخارجية، وتخصص لمراجعة ما ينشر في الصحف من عربية وغير عربية، فإذا وجد فيها ما يؤاخذ عليه كان من وظيفته دراسة جرائم النشر هذه، ثم عليه بعدئذ أن يعد التقارير بالموضوعات التي تستحق المؤاخذة أو الموضوعات التي من شأنها أن تهم الحكومة معرفتها ويرفعها إلى الجهات العليا وهي هنا مجلس النظار، وأصبح هذا المكتب يتكون من خمسة أعضاء، ثلاثة من الأجانب أحدهم الرئيس وهو إذ ذاك جودار بك " Goudard Bey" وكان رئيسًا للمكتب الأوربي في الوقت نفسه، ثم اثنان من الوطنيين٢ توزعت اختصاصاتهم فيما بينهم، فكان على العضوين المصريين مراقبة الصحف الوطنية العربية منها والتركية بينما اختص الثلاثة الآخرون بمراقبة الصحف الفرنجية، وقد بقي مكتب الصحافة قاتمًا حتى صدر قانون المطبوعات المصري في "٢٦ نوفمبر سنة ١٨٨١"٣.
وقدحدثت بعض التغييرات في شئون الصحافة بعد ذلك إذ صدر أمر خديوي تضمن تعيين حقوق النظارات المصرية، فقرر أن تكون الجرائد والمطبوعات تابعة لنظارة الداخلية ابتداء من "١٣ ديسمبر سنة ١٨٧٨"٤، وقد أصبح للمشرف على الوقائع المصرية حق الإشراف على الصحف
_________________
(١) ١ محفوظات عابدين، وثيقة رقم٣٧٤، محفظة ٣٩ معية تركي في ١٥ جمادى الآخرة سنة ١٢٨٣هـ، ولفهم التفاصيل الخاصة بهذا الكتاب يرجع إلى الوثيقة رقم ١١ دفتر رقم ٥٦٠ معية تركي في أول شعبان سنة ١٢٨٣هـ، من المعية إلى نظارة الخارجية. ٢ صفحة ١، باب الحكومة المصرية Francois Levernay Guide Annuaire ١٨٧٢- ١٨٧٣ ٣ مجموعة القوانين واللوائح المعمول بها في مصر، أحمد محمد حسن بك وإيزيدور فلدمان، ج٢، ص١٤٥٩ - ١٤٦٣. ٤ جريدة التجارة في ١٣ ديسمبر ١٨٧٨.
[ ٣٢٠ ]
والمطبوعات الأهلية١ وذلك خلاف المطبوعات الفرنجية، وفي ذلك شكت الصحف من التناقض والتخالف بين إدارة المطبوعات والإدارة الوطنية فإنهما على طرفي نقيض في معاملة الجرائد، تلك تطلق لها العنان ولا تعارضها فيما تقول، والثانية تقف لوريقاتنا القائمة بخدمة الوطن"٢ وهي حالة شاذة بخلاف ما عليه في الدولة العثمانية وسائر الدول في العالم المتمدن"٣.
ولم يكن الترخيص بإصدار الصحف أمرًا هينًا، فقد كان على الراغب في إصدار صحيفة من رعايا الدول أن يكتب إلى قنصليته وهذه تكتب إلى مكتب الصحافة الملحق بالنظارة المختصة، وتلك بدورها تستأذن المسئولين في ديوان الخديوي٤ ثم يعرض الأمر على ولي النعم فإذا وفق فإنما تجيز موافقته الأمر بشروط منها "أن تكون -يقصد الصحيفة- خاضعة للقانون الموضوع لهذا الشأن والمعلوم لدى نظارة الخارجية" ومن أهم هذه الشروط أن تؤخذ على طالب الترخيص التعهدات مصدقًا عليها من قنصليته، وليس لأجنبي حق طلب الترخيص مباشرة كما ذكرنا وليس له أن يتصرف في طلب الترخيص الممنوح له بالبيع أو النقل إلى شخص ما إلا إذا اتبعت مع المالك الجديد نفس الإجراءات التي اتبعت مع صاحب الترخيص الأصيل٥، وإذا أراد صاحب جريدة أن يضيف إلى جريدته مواد جديدة لم يذكرها في ترخيصه كأن يضيف إليها الشئون السياسية وكانت من قبل خلوًا منها اتبعت نفس الإجراءات التي اتبعت في طلب الترخيص حتى يبلغ الموافقة أو الرفض من الخديوي نفسه٦.
_________________
(١) ١ محفوظات عابدين، وثيقة رقم٩ في ٢٦ محرم سنة ١٢٩٣هـ. ٢ جريدة التجارة في يناير ١٨٧٩، وفيها إنذار من مدير الوقائع والمطبوعات. ٣ جريدة التجارة في ١٥ مايو ١٨٧٩. ٤ محفوظات عابدين، وثيقة رقم ٣١ أبريل ٥٢٥ معية تركي قسم ثانٍ، ص١٦٤. ٥ راجع في ذلك المحفوظات التاريخية بسراي عابدين، وثيقة رقم٦٥ و١١٠ أصلية، محفظة ٣٠ معية تركي في ٣ ذي القعدة ١٢٧٩هـ. ٦ محفوظات عابدين، وثيقة رقم٣٨١، محفظة ٤٧ معية تركي في ٦ ذي الحجة ١٣٩٢هـ.
[ ٣٢١ ]
وقد حلفت محفوظات عابدين التاريخية بالوثائق التي تثبت أن الخديوي وحده كان يمثل قانون المطبوعات ويهيمن بنفسه على شئون الصحافة فقد طلب الخواجة "بيرينيه" أن يسمح له بإصدار جريدة لنشر وإذاعة أخبار المسارح والقهوات على ألا تتدخل في السياسة مطلقًا بيد أن "المعية رفضت التصريح بذلك"١ ولم يكن في وسع أي سلطة حكومية حتى ناظر الخارجية أن تشير برأي في منح الترخيص دون الرجوع إلى الخديوي، يدلنا على ذلك وثيقة تقول بعد الموافقة على طلب المسيو الكسندر بانوتسي بإصدار جريدة تبحث في الأدب والتمثيل، "بالنظر لتغيب الجناب العالي الخديوي"٢، ولم تكن العلاقة معقدة هكذا بين الحكومة المصرية والصحافة الوطنية، فكان المواطنون من أصحاب الصحف المصرية العربية يتقدمون إلى مكتب الصحافة دون وساطة أو شفاعة يطلبون الترخيص لهم بإصدار صحفهم ويسمون طلبهم هذا "العرضحال"٣ ولا بد أن يمر الطلب في إجراءات مماثلة لما يجري مع أصحاب الصحف من الأجانب، بمعنى أن الخديوي وحده كان صاحب السلطان في إجازة الترخيص أو رفضه.
_________________
(١) ١ محفوظات عابدين، وثيقة رقم١٢٨٠، دفتر ١، ص٦١ في ١٣ صفر ١٢٨٠هـ. ٢ محفوظات عابدين، وثيقة رقم ٨ في ١٤ صفر ١٢٨٦هـ. ٣ راجع عرضحال جريدة الوطن المنشور فيها في١٧ نوفمبر ١٨٧٧.
[ ٣٢٢ ]