ابْن معز الدولة كَانَت امارته اُحْدُ عشر سنة وشهورا (٢)
وَكَانَ عز الدولة من احسن النَّاس واشدهم قُوَّة كَانَ يصرع الثور الْجلد بيدَيْهِ من غير حبال وَلَا اعوان يقبض على قوائمه ويطرحه الى الارض حَتَّى يذبح وَكَانَ يقبض على رقبتي غلامين بِيَدِهِ وَهُوَ قَائِم وهما قائمان ويرفعهما من الارض وهما يصيحان ويضطربان وَلَا يمكنهما الْخَلَاص
وَكَانَ من قُوَّة الْقلب على أَمر عَظِيم وبارز فِي متصدياته غير اسد وطرقه اسد فِي غَفلَة وثب على كفل فرسه فَضَربهُ بخشبة وقاتله
وخلع عَلَيْهِ الْخَلِيفَة وطوقه وسوره وَكتب عَهده
وَفِي هَذِه السّنة لحق ابا عَليّ بن الياس عِلّة الفالج وَخَالفهُ اولاده (٣)
فَملك عضد الدولة كرمان
وَمضى ابو عَليّ الى خُرَاسَان فنادم صَاحبهَا وأطعمه فِي ملك الديلم فأنفذ صَاحبه مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بعد سمحور وَمَعَهُ هَدَايَا الى الْحُسَيْن بن الفيروزان والى وشمكير وَجعل الى وشمكير تَدْبِير الْحَبْس (٤)
وَكَاتب ركن الدولة عضد الدولة يستمده وَكفى وشمكير بِالْمَوْتِ فانه ركب فرسا ادهم حسن الصُّورَة وَنَهَاهُ منجمه على الرّكُوب فعاضه خِنْزِير قد افلت من حَرْبَة رمي بهَا فشب الْفرس ووشمكير غافل فسقك على دماغه فَخرج من انفه دم وَحمل مَيتا وَكتب ابْن العميد فِي ذَلِك كتابا اوله الْحَمد الله الَّذِي اغنى بالوحوش عَن الجيوش وَقَالَ اخذت هَذَا من كتاب كتبه صبي بَين يَدي عَمْرو بن مسْعدَة وَقد
[ ١٩٦ ]
ولدت بقرة آدَمِيًّا فَقَالَ لَهُ عَمْرو اكْتُبْ فِي ذَلِك فَكتب كتابا اوله الْحَمد الله خَالق الانام فِي بطُون الانعام فحسد عَمْرو الصَّبِي وَخَافَ ان يتمم فتسير بلاغته فَأخذ الدرج من يَده
واجتهد عز الدولة بسبكتكين ان يخرج الى الْجَيْش لمساعدة عَمه ركن الدولة فَلم يفعل فأنفذ الفتكين وَوصل الى الرّيّ وَقد وَقع الْغناء عَنهُ
وَفِي شعْبَان خلع على القَاضِي ابي مُحَمَّد بن مَعْرُوف وَولي الْقَضَاء بالجانب الغربي
وخلع على ابْن سيار وقلد الْقَضَاء بالجانب الشَّرْقِي
وَفِيه توفّي ابو جَعْفَر هَارُون بن المعتضد بِاللَّه
وَفِي ذِي الْحجَّة توفّي مُفْلِح الاسود خَادِم المقتدر بِاللَّه بِمصْر
وَفِيه قبض ابو تغلب بن حمدَان على ابيه نَاصِر الدولة حِين كبر وساء خلقه فأنفذ اليه بِالْخلْعِ واللواء من الحضرة
وَفِي هَذِه السّنة توفّي كافور الاخشيدي (١) صَاحب مصر
قَالَ ابو جَعْفَر مُسلم بن طَاهِر الْعلوِي مَا رَأَيْت اكرم من كافور كنت اسايره يَوْمًا وَهُوَ فِي موكب خَفِيف مؤيد متنزها وَبَين يَدَيْهِ غلمانه وعدة جنائب بمراكب ذهب ورمراكب فضَّة وَخَلفه بغال الموكب والفرش (٢) كَمَا تكون الْمُلُوك فَسَقَطت مقرعته من يَده وَلم تَرَهَا ركابيته فَنزلت عَن دَابَّتي واخذتها من الارض ودفعتها اليه فَقَالَ يَا ابا جَعْفَر اعوذ بِاللَّه من بُلُوغ الْغَايَة مَا ظَنَنْت ان الزَّمَان يبلغنِي الى ان تفعل هَذَا ثمَّ وَدعنِي فَلَمَّا سرت الْتفت فاذا خَلْفي البغال كلهَا والجنائب فَقلت مَا هَذَا فَقَالُوا امْر الاستاذ ان يحمل هَذَا اليك فأدخلته دَاري وَكَانَت قِيمَته زِيَادَة على خَمْسَة عشر الف دِينَار وحكاياته عَن المتنبي مَشْهُورَة
وَفِي هَذِه السّنة هلك سيف الدولة (٣) وَنصب غلمانه ابْنه ابا الْمَعَالِي بحلب
وغزا سيف الدولة الرّوم اربعين غَزْوَة لَهُ وَعَلِيهِ
وَمن شعره تجنى عَليّ الذَّنب والذنب ذَنبه وعاتبني ظلما وَفِي جنبه (٤) العتب
[ ١٩٧ ]
.. وَأعْرض لما صَار قلبِي بكفه فَهَلا جفاني حِين كَانَ لي الْقلب
اذا برم الْمولى بِخِدْمَة عَبده تجنى لَهُ ذَنبا وان لم يكن ذَنْب
وَكَانَ قد ترك الشّرْب لمواصلة الْحَرْب فوردت مغنية من بَغْدَاد وَلم يكن ابا فراس ان يدعوها قبله فَكتب اليه محلك الجوزاء اَوْ ارْفَعْ وصدرك الدهناء اَوْ اوسع
وقلبك الرحب الَّذِي لم يزل للْجدّ والهزل بِهِ مَوضِع
رفه بصرع الْعود سمعا غَدا قرع العوالي جلّ مَا يسمع (١)
فَأمر بِعَمَل (٢) الْمجْلس واستدعى بهَا وبالجماعة وَبَلغت الابيات المهلبي فَأمر ان يصاغ لَهَا لحنا
وَحكي ان سيف الدولة لما ورد الى بَغْدَاد وَقت توزون اجتاز وَهُوَ رَاكب فرسه وَبِيَدِهِ رمحه وَبَين يَدَيْهِ عبد لَهُ صَغِير وَقصد الفرجة وان لَا يعرف فاجتاز بشارع دَار الرَّقِيق على دور بنى خاقَان وفيهَا فتيَان فَدخل وَسمع وَشرب مَعَهم وهم لَا يعرفونه وخدموه ثمَّ استدعى عِنْد خُرُوجه الدواءة فَكتب رقْعَة وَتركهَا فِيهَا ثمَّ انْصَرف ففتحوا الدواءة فاذا فِي الرقعة الف دِينَار على بعض الصيارف فتعجبوا وحملوا الرقعة وهم يظنونها ساذجة فَأَعْطَاهُمْ الصَّيْرَفِي الدَّنَانِير فِي الْحَال وَالْوَقْت فَسَأَلُوهُ عَن الرجل فَقَالَ ذَاك سيف الدولة بن حمدَان
وَقَالَ الببغاء يرثيه بقصيدة مِنْهَا حلف المدائح بعْدك التأبين عَن اي حَادِثَة يعزى الدّين
مَا كَانَ فِي الدُّنْيَا كيومك مشْهد بهر الْعُقُول وَلَا نرَاهُ يكون
لم يبْق محذورا فَكل مُصِيبَة جلل لَدَيْهِ وكل خطب دون
هَب للهدى من بعد فقدك سلوة فحراكه مذ غبت عَنهُ سُكُون
أبقى نعيك فِي الْقَبَائِل لوعة فِيهَا لمنسرب الدُّمُوع معِين
اربيعة الْفرس استجدى نجدة فسهول عزك بالمصاب حزون
كل كَأَنْت اسى وَلَكِن بالحجى (٣)
يتفاضل المحزون والمحزون
ولى بِسيف الدولة الْعِزّ الَّذِي كَانَت عَلَيْهِ بِهِ الخطوب تهون
[ ١٩٨ ]