ورد الْخَبَر بَان ابا طَاهِر بن ابي سعيد الجنابي (٤) ورد الهبير لتلقى حَاج سنة احدى عشرَة وثلاثمائة فِي رجوعهم فاوقع بقافلة بغدادية واقام بَقِيَّة القوافل بَعيدا فَلَمَّا فنيت ازوادهم (٥) ارتحلوا فاشار ابو الهيجاء بن حمدَان واليه طَرِيق (٦) الْكُوفَة وَطَرِيق مَكَّة ان يعدل بهم الى وَادي الْقرى فامتنعوا وَسَارُوا فَسَار مَعَهم مخاطرا حَتَّى بلغ الهبير فَلَقِيَهُمْ ابو طَاهِر فَقتل مِنْهُم خلقا واسر ابا الهيجاء وَاحْمَدْ بن بدر عَم السيدة ام المقتدر وَجَمَاعَة من خدم السُّلْطَان وَحرمه
وَسَار ابو طَاهِر الى هجر وسنه اذا ذاط سبع عشرَة سنة وَمَات من استاسره بالحفاء والعطش فنال اهل بَغْدَاد منالا عَظِيما وَخرج النِّسَاء منشرات الشُّعُور مسودات الْوُجُوه فِي الْجَانِبَيْنِ فانضاف اليهن من حرم الَّذين نكبهم ابْن الْفُرَات فانبسط لِسَان نصر عَلَيْهِ واشار على المقتدر بمكاتبة مونس
ورجمت الْعَامَّة طيار ابْن الْفُرَات وامتنعوا من الصَّلَوَات فِي الْجَمَاعَات
وانفذ المقتدر (٧) بياقوت وابنيه مُحَمَّد والمظفر الى الْكُوفَة وَرَجَعُوا حِين علمُوا انصراف القرمطي الى بَلَده
[ ٤٣ ]
وَجمع المقتدر بِاللَّه ابْن الْفُرَات وَنصر وامرهما بالتظافر
وَقدم مونس الى بَغْدَاد فَركب اليه ابْن الْفُرَات وَلم تجر لَهُ عَادَة بذلك فَخرج مونس الى بَاب دَاره وساله ان ينْصَرف فَلم يفعل وَصعد اليه من طياره حَتَّى هنأه بمقدمه وَخرج مَعَه مونس حَتَّى نزل الطيار
وانفذ المقتدر بنازوك وبليق فهجما (١) على ابْن الْفُرَات وَهُوَ فِي دَار حرمه فاخرجاه حاسرا فاعطاه نازوك رِدَاء قصب (٢) فَقَالَ لَهُ مونس الْآن تخاطبني بالاستاذ وبالامس نفيتني الى الرقة والمطر يصب على راسي ثمَّ تذكر لامير الْمُؤمنِينَ سعيي فِي فَسَاد مَمْلَكَته
ورجمت الْعَامَّة طيار مونس لكَون ابْن الْفُرَات فِيهِ وَسلم الى نصر وَقبض على وَلَده واسبابه
فَكَانَت مُدَّة ابْن الْفُرَات فِي هَذِه الوزارة الثَّالِثَة عشرَة اشهر وَثَمَانِية عشر يَوْمًا واجمع وُجُوه القواد فَقَالُوا ان حبس ابْن الْفُرَات فِي دَار الْخلَافَة خرجنَا باسرنا فَسلم الى شَفِيع واعتقل عِنْده
واشار مونس بتوليه ابي الْقسم عبد الله بن مُحَمَّد بن عبيد الله الخاقاني فانفذ ابْن الْفُرَات الى المقتدر بِمِائَة ونيف وَسِتِّينَ الف دِينَار وَقَالَ لشفيع فعلت ذَلِك حَتَّى لَا يُوهم الخاقاني للمقتدر انه استخرجها
قَالَ الْجمل (٣) كَاتب شَفِيع وَلم ار قلبا اقوى من قلب ابْن الْفُرَات سالني من قلد الْخَلِيفَة وزارته فَقلت الخاقاني فَقَالَ الْخَلِيفَة نكب وَلم انكب انا وسالني عَمَّن اسْتخْلف فِي الدَّوَاوِين فَقلت فِي ديوَان السوَاد ابْن حَفْص فَقَالَ الْقدر رمى بحجرة وَسميت لَهُ جمَاعَة فَقَالَ لقد ايد الله هَذَا الْوَزير بالكفاءة
واقر ابْن الْفُرَات بِمِائَة وَخمسين الف دِينَار اخرى وطولب بالمكاره فَلم يستجب بِمَال وَكَانَ لَا يستجيب بمكروه وانفذ الى الخاقاني ايها الْوَزير لست غرا جَاهِلا فتحتال عَليّ وانا قَادر على مَال اذا كتب الْخَلِيفَة الي امانا على نَفسِي لافديها بِالْمَالِ وَيشْهد عَلَيْهِ الْقُضَاة فِيهِ فَقَالَ الخاقاني لَو قدرت على ذَلِك فعلت وَلَكِن ان تَكَلَّمت عاداني خَواص الدولة
ورد الْخَلِيفَة امْرَهْ الى هَارُون بن غَرِيب فاخذ يداريه وَقَالَ لَهُ انت اعرف بالامور
[ ٤٤ ]
وان الوزراء لَا يلاجون الْخُلَفَاء فَلم يزل بِهِ حَتَّى اخذ خطه بالفي الف دِينَار يعجل مِنْهَا الرّبع وان يُطلق لَهُ بيع ضيَاعه واذن لَهُ فِي احضار دواءة ليكتب الى من يرى اَوْ ان ينفذ الى دَار شَفِيع اللولوي وَيُطلق الكلوذاني ليتصرف فِي امواله
وَكَانَت حماة (١) المحسن لِخُرُوجِهِ فِي زِيّ النسا الى مَقَابِر قُرَيْش فامست لَيْلَة عَن الْمصير الى الكرخ فَصَارَت الى منزل امْرَأَة اخبرتها ان مَعهَا بِنْتا لم تتَزَوَّج وَسَأَلت ان تفرد لَهَا بَيْتا فَفعلت وخلع المحسن ثِيَابه فَجَاءَت جَارِيَة سَوْدَاء بسراج فَوَضَعته فِي الضفة فرات المحسن فاخبرت مولاتها فابصرت وَكَانَت مولاتها زَوْجَة مُحَمَّد بن نصر وَكيل عَليّ بن عِيسَى مَاتَ حِين طلبه المحسن من الْفَزع فمضت امْرَأَة الى دَار السُّلْطَان وشرحت الصُّورَة لنصر فاركب نازوك وَقبض عَلَيْهِ وَضربت الدبادب لاجل الظفر بِهِ عِنْد انتصاف اللَّيْل فَظن النَّاس ان القرمطي قد كسر (٢) بَغْدَاد
وَحمل الى دَار مستخرج يعرف بِابْن بعدسر فِي المخرم بدار الوزارة فاجرى عَلَيْهِ المكاره واخذ خطه بِثَلَاثَة الاف الف دِينَار ثمَّ ابتلع رقعته واقام على الِامْتِنَاع من كتب شىء فَضرب بالد بابيس على راسه وعذب
واحضر ابْن الْفُرَات مجْلِس الخاقاني فناظره اشد مناظرة فلج ابْن الْفُرَات فِيهَا فَقَالَ لَهُ الخاقاني انك استغللت ضياعك الَّتِى استغلها عَليّ بن عِيسَى ارْبَعْ مائَة الف دِينَار وَقَالَ كَانَ ذَلِك بعمارتي الْبِلَاد واعتمادي مَا جلب الرّيع ونوظر فِيمَن قَتله ابْنه وَقيل لَهُ انت قَتلتهمْ فَقَالَ هَذَا غير حكم الله قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى﴾ ٣ ﴿وَالنَّبِيّ - ﷺ - قَالَ لرجل مَعَه ابْنه لَا يجني عَلَيْك وَلَا تجنى عَلَيْهِ وَمَعَ هَذَا فان ابْني لم يُبَاشر قتلا وَلَا سفك دَمًا واجاب مونس حِين قَالَ اخرجتني من بَغْدَاد فَقَالَ انما اخرجك مَوْلَاك حِين كتب الي يشكو مَا يلاقيه من تبسط وفتحك الْبلدَانِ بالمؤن الغليظة واعلاقك اياها بِسوء التَّدْبِير وَسَأَلَ احضار سفط فِيهِ الْمُهِمَّات فَاحْضُرْ وَطلب الرقعة فَوجدت فاخذها مونس وَحملهَا الى المقتدر بِاللَّه واقراه الرقعة فَزَاد غيظه وامر بضربه فَضرب خمس دُرَر فَقَط وَسلم ابْنه الى نازوك فضربا حَتَّى تودت لحومهما
وَحمل الخاقاني القواد على خلع الطَّاعَة ان حملا الى دَار الْخَلِيفَة
وَلما توقف الخاقاني فِي قَتلهمَا وَقَالَ لست ادخل فِي سفك الدِّمَاء وَلَا اسهل على الْخُلَفَاء قتل خواصهم
وَحمل إِلَى ابْن الْفُرَات مَا بفطر عَلَيْهِ فَقَالَ رايت اخي ابا الْعَبَّاس فِي الْمَنَام يَقُول
[ ٤٥ ]
افطارك عندنَا وَمَا اخبرني بِشَيْء الا وَصَحَّ وانا مقتول
فَاخْرُج القواد توقع المقتدر الى نازوك بِضَرْب اعناقهما فَقَالَ هَذَا امْر عَظِيم لَا اعْمَلْ فِيهِ بتوقع فشافهه المقتدر بذلك
وَجَاء نازوك فامر السودَان فَضربُوا عنق المحسن واتى براسه الى ابيه فجزع وَقَالَ يَا ابا مَنْصُور رَاجع امير الؤمنين فان عِنْدِي اموالا جمة فَقَالَ لَهُ جلّ الامر عَن هَذَا وامر بِهِ فَضرب عُنُقه وَحمل راسه وراس ابْنه الى المقتدر بِاللَّه فامر بتغريقهما
وَكَانَ سنّ الْحسن بن الْفُرَات يَوْم قتل احدى وَسبعين سنة وشهورا وَسن ابْنه ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سنة
وَقَول الشوحي (١) كَانَ من عَادَة ابْن الْفُرَات ان يَقُول لكل من يخاطبه بَارك الله فِيك وَلم يكن يُفَارق هَذِه اللَّفْظَة وَكَانَ عَليّ بن عِيسَى يَقُول فِي كَلَامه وَال والك فَكَانَ النَّاس يَقُولُونَ لَو لم يكن بَين الرجلَيْن الا مَا بَين الْكَلَامَيْنِ من الخشونة واللطف لَكَانَ من اعظم فرق
وَيُقَال ان عَليّ بن عِيسَى خَاطب الراضي يَوْمًا بوال
وَكَانَ ابْن الْفُرَات اذا ولي غلا معذاذ الشمع والكاغط (٢) لِكَثْرَة اسْتِعْمَاله لَهما فَيعرف النَّاس ولَايَته لغلائهما
قَالَ الصولي ابو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن مُوسَى بن الْحسن بن الْفُرَات من قَرْيَة يُقَال لَهَا بايك (٣) قريبَة من صريفين وَكَانَ ابوه مُحَمَّد بن مُوسَى (٤) تولى اعمالا جليلة واكبر اولاده ابو الْعَبَّاس احْمَد وابو عبد الله وابو عِيسَى من خِيَار الْمُسلمين والزهاد جاور بِمَكَّة وواصل بهَا الصَّوْم وَالصَّلَاة وَمَات فِي وزارة اخيه
وَقد ذكرنَا اسر القرمطي لالفي رجل وَمِائَتَيْنِ وَعشْرين وَخَمْسمِائة امْرَأَة فاطلق نهم ابا الهيجاء وَاحْمَدْ بن بدر عَم السيدة وانفذ رسلًا يسال ان بفرج لَهُ عَن الْبَصْرَة والاهواز فَلم تقع اجابة
وَكَانَ سُلَيْمَان بن الْحسن بن مخلد وابو عَليّ بن مقلة وابو الْحسن مُحَمَّد بن مُحَمَّد
[ ٤٦ ]
ابْن ابي الْبَغْل معتقلين بشراز فاطلقهم ابو عبد الله الْكَرْخِي حِين وقف على مثل ابْن الْفُرَات فَكتب ابْن ابي الْبَغْل على جَانب تقويمه
وَفِي هَذَا الْيَوْم ولد احْمَد بن يحيى وَله احدى وَثَمَانُونَ سنة وَاتفقَ ان سُلَيْمَان هرب فِي زِيّ الفيوجي (١) فَاشْتَدَّ الامر على الخاقاني وارجف لَهُ بالوزارة وَدخل بَغْدَاد مستترا وَصَارَ ابْن مقلة الى الاهواز واجرى لَهُ فِي كل شهر مِائَتي دِينَار واذن لَهُ فِي الْمصير الى بَغْدَاد وَسَأَلَ مُوسَى فِي عَليّ بن عِيسَى فكوتب صَاحب الْيمن بانفاذه الى مَكَّة وَحمل اليه كسْوَة ومالا نَحْو خمسين الف دِينَار وَلما وَصلهَا قَلّدهُ الخاقاني الاشراف على الشَّام ومصر
وَتَوَلَّى ابو الْعَبَّاس بن الخصيبي اسْتِخْرَاج سَبْعمِائة الف دِينَار من زَوْجَة المحسن
وشغب الْجند على الخاقاني فَلم يكن عِنْده مَا يَدْفَعهُ اليهم وَبَقِي شهورا لَا يركب الى الموكب
وَكَانَ مونس بواسط واشار عِنْد قدومه بعلي بن عِيسَى واشارت السيدة وَالْخَالَة بَابي الْعَبَّاس بن الخصيبي وَهُوَ احْمَد بن عبد الله فولاه المقتدر وَقبض على الخاقاني وَكَانَت وزارته سنة وَسِتَّة اشهر
وزارة ابي الْعَبَّاس الخصيبي (٢)
استحضره المقتدر يَوْم الْخَمِيس لاحدى عشرَة لَيْلَة خلت من شهر رَمَضَان فقلده وخلع عَلَيْهِ وَكَانَ قبل كَاتب القهرمانة واستكتب مَكَانَهُ ابا يُوسُف عبد الرحمن بن مُحَمَّد وَكَانَ تَائِبًا من الْعَمَل فَسَماهُ النَّاس الْمُرْتَد
واستدرك اموالا كَانَ الخصيبي اضاعها فَتَنَكَّرت القهرمانة الخصيبي (٣) وضاعت الامور بوزارته حِين كَانَ موصلا للشُّرْب لَيْلًا وَنَهَارًا ويبيت مخمورا
فصادر الخاقاني على مِائَتي الف وَخمسين الف دِينَار
وصادر جَعْفَر بن الْقسم الْكَرْخِي على مائَة وَخمسين الف دِينَار
وَتوجه جَعْفَر بن وَرْقَاء الشَّيْبَانِيّ بالحاح فِي الف من بني عَمه وَكَانَ فِي القوافل الَّذين
[ ٤٧ ]
يندرقون الْحَاج سِتَّة الاف رجل فَلَقِيَهُمْ الجنابي فَهَزَمَهُمْ بِالْعقبَةِ وولوا الى الْكُوفَة فَخرج قواد السُّلْطَان فَهَزَمَهُمْ واقام بِالْكُوفَةِ (١) سِتَّة ايام وَحمل مِنْهَا اربعة الاف ثوب وشى وثلاثمائة رِوَايَة زَيْت وَانْصَرف الى بَلَده
واضطرب النَّاس بِبَغْدَاد وَعبر اهل الغربي مِنْهَا الى الْجَانِب الشَّرْقِي
واتى مُوسَى الْكُوفَة فاستخلف عَلَيْهَا ياقوتا
وَسَار مونس الى وَاسِط
وقرئت الْكتب بِفَتْح ابْن ابي الساج طبرستان
ووردت خريطة الْمَوْسِم لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة بَقِيَّة من ذِي الْحجَّة بَان النَّحْر كَانَ بِمَكَّة يَوْم الثُّلَاثَاء وَنحر النَّاس بِبَغْدَاد يومالااثنين وَحج عَليّ بن عِيسَى وَمَا ورد مَكَّة من مصر