فِي هَذِه السّنة خرج النِّسَاء منتشرات الشُّعُور مسودات الْوُجُوه يلطمن فِي الشوارع يَوْم عَاشُورَاء على الْحُسَيْن ﵁ وغلقت الاسواق (٨)
وَفِي جُمَادَى الاخرة خرج المهلبي لفتح عمان
وَورد الْخَبَر بغزاة سيف الدولة لنواحي ملطية وغنيمته فَقَالَ الببغا (٩) بمدحه بقصيدة مِنْهَا
[ ١٨٣ ]
.. رد (١) الدمستق دون منظره خبر تضيق بشرحه الْكتب
ناجته عَنْك الْبيض من بعد نصحا وأنفذ جَيْشه الرعب
ولى وَلَو احببت حِين نجا ادراكه لم ينجه الْهَرَب
يَا كالي الاسلام يَحْرُسهُ من ان يخالج حَقه الريب
ان كنت ترْضى ان يطيعك (٢) مَا سجدوا لَهُ سجدت لَك الصلب
وَفِي رَجَب عزل ابْن ابي الشَّوَارِب عَن الْقَضَاء وَقد ذكر انه ضمنه فَكَانَ النظار يحيلون عَلَيْهِ بمشاهرة الساسة والنفاطين فَكَانُوا يجيئونه ويشدون نعَالهمْ على بَابه ويدخلون يطالبونه كَمَا يَفْعَلُونَ بضامن الماخور فَأتى ابو عبد الله بن الدَّاعِي الْعلوِي معز الدولة وَقَالَ لَهُ رَأَيْت فِي الْمَنَام جدي عليا ﵁ وَهُوَ يَقُول لَك احب ان تقطعني مَا على الْقَضَاء وتأمر بازالته قَالَ قد فعلت
وَلابْن سكرة فِي ابْن ابي الشَّوَارِب نوب تنوبك بالنوائب وعجائب فَوق الْعَجَائِب
وغرائب مَوْصُولَة فِي كل يَوْم فِي الغرائب
مِمَّا جنى قَاضِي الْقَضَاء حدندل بن ابي الشَّوَارِب
قَاض تولى بالصبوح وبالطبول وبالدبادب
ومناديان يناديان عَلَيْهِ فِي وسط الْكَوَاكِب
هَذَا الَّذِي ضمن الْقَضَاء مَعَ الْفروج بِغَيْر وَاجِب
هَذَا قدار (٣) زَمَاننَا وأخو المثالب والمعائب
وَلما عزل ابْن ابي الشَّوَارِب تقلد ابو بشر عمر بن اكثم (٤) الْقَضَاء بِغَيْر رزق
وَقد ذكرنَا خُرُوج المهلبي قَاصِدا عمان (٥) وَلما بلغ الابلة تضجر خدمه بسلوك الْبَحْر ومفارقة نعمهم بِبَغْدَاد فَسَموهُ ظنا مِنْهُم ان حَالهم تبقى عَلَيْهِم فنشبت بِهِ الْمنية وَعَاد الى زاوطا (٦) فِي محفة يتناوبها الرِّجَال وَمَات بهَا فِي آخر شعْبَان
قَالَ التنوخي مضيت فِي اول يَوْم من شهر رَمَضَان لتهنئة ابي الْغَنَائِم الْفضل بن المهلبي وَأَبوهُ فِي الطَّرِيق لم يَأْتِ الْخَبَر بِمَوْتِهِ وَهُوَ جَالس بداره على الصراة فِي دست وَدخل عَلَيْهِ صهره ابو الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن وابو الْفرج مُحَمَّد بن الْعَبَّاس فَمَا
[ ١٨٤ ]
تحرّك لَهما فجَاء خَادِم لابي الْفضل فسارره بشىء فَقَالَ قُم يَا ابا الْغَنَائِم فقد طَلَبك مَوْلَانَا معز الدولة وَقد مَاتَ ابوك فَقَامَ ابو الْغَنَائِم باكيا فَقُلْنَا الان كَانَا بيد يَدَيْهِ وَهُوَ السَّاعَة ذليل بيد ايديهما وَختم ابو الْفضل على دَار المهلبي وعَلى امواله وعَلى تجني جَارِيَته
وَكَانَ المهلبي قد اضطنع ابا الْعَلَاء عِيسَى بن الْحسن بن ايزونا (١) النَّصْرَانِي الْكَاتِب واستكتبه على خَاصَّة وأطلعه على اموال وذخائر دَفنهَا فَأخذ ابو الْعَلَاء فِي جملَة المأخوذين وعوقب اشد عُقُوبَة وَضرب ابرح ضرب وَهُوَ لَا يقر بشىء وَلَا يعْتَرف بذخيرة
فَعدل ابو الْفضل (٢) وابو الْفرج (٣) الى تجني (٤) فَأمر بِضَرْب ابْنهَا ابي الْغَنَائِم بَين يَديهَا فَبكى من عرفهَا من الَّذِي تمّ عَلَيْهَا وَقَالَت لَهُم ان مولَايَ المهلبي فعل هَذَا بِي حِين استدعى آلَات الْعقُوبَة لزوجة ابي عَليّ الطَّبَرِيّ لما قبض عَلَيْهَا بعد وَفَاته ثمَّ قَالَت احضروني ابا الْعَلَاء بن ابزونا فأحضروه وَحمل فِي سبينية (٥) بَين اربعة فراشين فَطرح بَين يَديهَا فَجعلت تسأله عَن شىء (٦) وَهُوَ يخبرها بمكانه حَتَّى كَانَ فِي جملَة ذَلِك ثَلَاثُونَ الف دِينَار فَقَالَ لَهُ من حضر وَيلك السِّت من الادميين تقتل هَذَا الْقَتْل ويفضي حالك الى التّلف وانت لَا تعترف فَقَالَ يَا سُبْحَانَ الله اكون ابْن ابزونا والطبيب الفصاد على الطَّرِيق بدانق وَنصف دانق يأخذني الْوَزير ابو مُحَمَّد ويصطنعني ويجعلني كَاتب سره واعرف بخدمته وأطلع النَّاس على ذخيرة ذخرها لوَلَده وَالله مَا كنت لأَفْعَل هَذَا وَلَو هَلَكت فَاسْتحْسن فعله وَكَانَ ذَلِك سَببا لاطلاقه وَتقدم بذلك عِنْد ابي الْفضل وابي الْفرج وَابْن بَقِيَّة وَتُوفِّي سنة تسع وَسِتِّينَ وثلاثمائة فِي ايام عضد الدولة
ومولد المهلبي بِالْبَصْرَةِ سنة احدى وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ (٧) وَكَانَ ظريفا اديبا وَمن شعره
[ ١٨٥ ]
.. وصل الْكتاب طَلِيعَة الْوَصْل وذخيرة (٨) الافضال وَالْفضل
فشكرته شكر الْفَقِير اذا اغناه رب الْمجد بالبذل
وحفظته حفظ الاسير وَقد ورد الامان لَهُ من الْقَتْل
وَله وحياة الْهوى وَمر التجني وبخط العذار فِي صحن خَدّه
لأذيبن وجنتيه بلحظي مثل مَا قد اذاب قلبِي بصده
قَالَ التنوخي وشاهدت المهلبي وَقد اشْترى لَهُ ورد بِأَلف دِينَار فِي ثَلَاثَة أَيَّام فَشرب عَلَيْهِ وأنهبه
قَالَ ابو حَيَّان كَانَ المهلبي يطرب على اصطناع الرِّجَال كَمَا يطرب سامع الْغناء على الستائر ويرتاح لذَلِك كَمَا يرتاح مدير الكأس على العشائر وَقَالَ لأكونن فِي دولة الديلم اول مَذْكُور اذ فَاتَنِي ان اكون فِي دولة بني الْعَبَّاس رَحْمَة الله عَلَيْهِم اخر مَذْكُور
فَمن نوه بِهِ ابو الْفضل الشِّيرَازِيّ وابو عبد الله البقري (٢) وابو مَعْرُوف القَاضِي وابو اسحاق الصابي وابو الْعَلَاء صاعد وَابْن جَعْفَر صاصب الدِّيوَان وَغَيرهم كَأبي تَمام الزَّيْنَبِي (٣) وَابْن مريعة وابي حَامِد المورودي وابي عبد الله الْبَصْرِيّ وابي سعيد السيرافي وَابْن درسْتوَيْه وَالسري والخالدي الى من لَا يُحْصى كَثْرَة
وَكَانَ ابو الْفرج الاصبهاني (٤) يؤاكله وَكَانَ اقذر النَّاس فأفرد لَهُ المهلبي مائدة يجلس عَلَيْهَا وَحده فَقَالَ يهجوه ابعين مفتقر اليك رَأَيْتنِي بعد الْغنى فرميتني من حالق
لست الملوم انا الملوم لأنني املت للاحسان غير الْخَالِق
وَقَالَ ابْن الْحجَّاج يرثي المهلبي يَا معشر الشُّعَرَاء دَعْوَة موجع لَا يرتجى فرج (٥) السلو لَدَيْهِ
عزوا القوافي بالوزير فانها تبْكي دَمًا بعد الدُّمُوع عَلَيْهِ
مَاتَ الَّذِي امسى الثَّنَاء وَرَاءه وَجَمِيل عَفْو الله بَين يَدَيْهِ
[ ١٨٦ ]
.. هدم الزَّمَان بِمَوْتِهِ الْحصن الَّذِي كُنَّا نفر من الزَّمَان اليه
وتضاءلت همم المكارم والعلى وَأنْبت حَبل الْمجد من طَرفَيْهِ
ولتعلمن بَنو بويه انما فجعت بِهِ ايام آل بويه
قَالَ التنوخي قَالَ المهلبي لما عزم معز الدولة على انفاذي الى عمان طرقني امْر عَظِيم فَبت بليلة مَا بت فِي عمري مثلهَا لَا فِي فقري وَلَا فِي صغر حَالي وَمَا زلت اطلب شَيْئا اتسلى بِهِ عَمَّا دهمني فَلم اجد الا اني ذكرت اني كنت حصلت ايام صباي بسيراف لما خرجت اليها هَارِبا فَعرفت هُنَاكَ قوما اولوني جميلا وحصلت لَهُم على ايادي ففكرت وَقلت لعَلي اذا قصدت تِلْكَ الْبِلَاد ان اجدهم اَوْ يعضهم اَوْ اعقابهن فأكافئهم على تِلْكَ الأيادي
فَلَمَّا ذكرت هَذَا تسليت عَن الْمُصِيبَة بِالْخرُوجِ وَسَهل على ووطنت نَفسِي عَلَيْهِ وَدفن المهلبي (١) بالنوبختية (٢) بمقابر قُرَيْش
وَجعل معز الدولة ابا الْفضل الشِّيرَازِيّ (٣) وابا الْفرج بن فسا نحس (٤) المدبرين للامور من غير تَسْمِيَة لوَاحِد مِنْهُمَا بوزارة
وَفِي لَيْلَة الْخَمِيس ثامن عشر ذِي الْحجَّة وَهُوَ الْيَوْم الَّذِي تسميه الشِّيعَة غديرخم (٥) اشعلت النيرَان فِي الاسواق وَلم تغلق الدكاكين كَمَا يعْمل فِي الاعياد وَضربت الدبادب والبوقات وَبكر المتشيعون الى مَقَابِر قُرَيْش وصلوا هُنَاكَ