فِي صفر مَاتَ ابو النَّجْم بدر الحمامي بشيرازوكان يتَوَلَّى اعمال الْحَرْب والمعاون لفارس وكرمان وَدفن بشيزار ثمَّ نبش وَحمل الى بَغْدَاد واضطرب الْجند لمَوْته بِفَارِس فَكتب عَليّ بن عِيسَى الى ابي عبد الله بن جَعْفَر بن الْقسم الْكَرْخِي بضبط تِلْكَ الْبلدَانِ فضبطها واستمال الْجند
وخلع على مونس المظفر وَعقد لَهُ على غزَاة الصائفة وَكَانَ ابو الهيجاء بن حمدَان قد خلع عَلَيْهِ لولاية فَارس وكرمان ثمَّ عدل عَنهُ الى ابراهيم بن عبد الله المسمعي فقلد ذَاك
وعقدت الْكُوفَة وَطَرِيق مَكَّة على وَرْقَاء بن مُحَمَّد
وَفِي شهر ربيع الآخر صرف حَامِد بن الْعَبَّاس عَن الوزارة وَعلي بن عِيسَى عَن الدَّوَاوِين وَكَانَت وزارة حَامِد ارْبَعْ سِنِين وَعشرَة اشهر واربعة وَعشْرين يَوْمًا
[ ٣١ ]
وَكَثُرت عَدَاوَة النَّاس لحامد لاسقاطه لارزاقهم ونقصا لَهُ (١) فَكَانَ ذَلِك سَبَب عَزله
وَكَانَ عَليّ بن عِيسَى يكْتب ليطالب جهبذ الْوَزير اسعده بِكَذَا فَسقط بذلك
وَجرى بَين مُفْلِح وَبَين حَامِد مناكرة فَقَالَ حَامِد قد صَحَّ عزمي على ابتياع مائَة اسود اقودهم واسمي كل وَاحِد مِنْهُم مفلحا
وَكَانَ المقتدر يَسْتَدْعِي ابْن الْفُرَات ويشاوره وَهُوَ مَحْبُوس
وَاتفقَ انه أنفذ الى المقتدر وَسَأَلَهُ ان يقْرضهُ الف دِينَار اثْنَا عشر الف دِينَار فاجابه الى ذَلِك حَيَاء من رده مَعَ مَا اخذ من امواله فَلَمَّا اخذ ابْن الْفُرَات المَال جَاءَ بِهِ الى المقتدر فافرغه بَين يَدَيْهِ وَقَالَ يَا امير الْمُؤمنِينَ مَا تَقول فِي رجل يسترزق فِي كل شهر هَذَا فاستعظم المقتدر ذَلِك وَقَالَ وَمن الرجل فَقَالَ ابْن الْحوَاري هَذَا سوى مَا يصله من الْمَنَافِع ويناله من الْفَوَائِد
ورد ابْن الْفُرَات الدَّنَانِير وسعى مُفْلِح لتقليد ابْن الْفُرَات الوزارة واعتقل عَليّ بن عِيسَى وَسلم الى زَيْدَانَ القهرمانة
وخلع على ابْن الْفُرَات تَقْلِيد الوزارة الثَّالِثَة وعَلى ابْنه واخيه وجلسوا فِي دُورهمْ بسوق الْعَطش التهنئة وَسَأَلَ ان يُعَاد الى دَاره بالمخرم (٢) وَكَانَت قد اقطعت للامير ابي الْعَبَّاس فاذن لَهُ المقتدر فِي ذَلِك
وَقبض ابْن الْفُرَات على جمَاعَة من اسباب عَليّ بن عِيسَى فيهم ابْن مقلة
واشير على ابْن الْحوَاري بالاستتار وَقيل لَهُ ان المقتدر لم يطو عَنْك وزارة ابْن الْفُرَات الا لتغير راي فِيك فَقَالَ لَا انكب نَفسِي وَستر حرمه
ثمَّ قبض ابْن الْفُرَات على ابْن الْحوَاري وَقبض على صهره مُحَمَّد بن خلف النيرماني (٣) وتوسط ابْن قرَابَة حَاله فصادره على سَبْعمِائة الف دِينَار وصادر ابا الْحُسَيْن بن بسطَام صهر حَامِد على مِائَتي الف دِينَار
وَشرط المقتدر على ابْن الْفُرَات ان لَا ينكب حامدا وان يناظره على مَا عَلَيْهِ فناظره بِمحضر الْكتاب والقضاة وَقَالَ المقتدر انه خدمني وَلم يَأْخُذ رزقا وَشرط عَليّ ان لَا اسلمه لمكروه فاضطره ابْن الْفُرَات الى قَرَار حَامِد على وَاسِط وَكَانَ يتَأَوَّل عَلَيْهِ تَأْوِيلا ديوانيا
وَكَانَ حَامِد يُطَالب بِمَا حَسبه من الْفِقْه (٤) على البثوق فِي ايام الخاقاني وَهِي مِائَتَان
[ ٣٢ ]
وَخَمْسُونَ الف دِينَار فَكَانَت تتاخر الْمُطَالبَة جَدِيدَة الضَّمَان ولانه شَرط انه يحْسب ذَلِك من مَاله لَا من مَال السُّلْطَان
فقلد ابْن الْفُرَات اعمال الصُّلْح ابا الْعلَا مُحَمَّد بن عَليّ البزوفري
وقلد ابا سهل اسماعيل بن عَليّ النوبختي اعمال الْمُبَارك وَجعل الى كل وَاحِد مُطَالبَة حَامِد
فَأَما ابو سهل فَكَانَ يخلط الْمُطَالبَة بِرِفْق وَكَانَ البزوفري يسْتَعْمل ضد ذَلِك فَكَانَ حَامِد يَقْصِدهُ الى دَاره فر رِدَاء ونعل حَذْو مَعَ هَيْبَة حَامِد الْعَظِيمَة ومنزلته الجسيمة مُنْذُ سِتِّينَ سنة
فَلم ينفع ذَلِك فِي البزوفري بل زَاد عَلَيْهِ انه ابْتَاعَ ضياعات سلطانية بنواحي الجامدة فِي ايام الخاقاني بِخَمْسِمِائَة الف دِينَار وَابْن الْفُرَات يحمل البزوفري على مَا يعتمده وَكَاتب ابْن الْفُرَات ان حامدا مُمْتَنع من اداء مَا عَلَيْهِ مَعَ ميل اهل الْبَلَد اليه واحتواء يَده على اربعمائة غُلَام لكل وَاحِد مِنْهُم غلْمَان وَسَبْعمائة راجل فاجابه ابْن الْفُرَات ان المقتدر قد تقدم الى مُفْلِح بالانحدار فِي جَيش للقبض على حَامِد فاظهر البزوفري الْكتاب قبل وُصُول الْقَوْم
فَحِينَئِذٍ اصْعَدْ حَامِد فِي سَائِر جَيْشه وَكتابه وغلمانه وَضربت البوقات يَوْم خُرُوجه وَخرج اصحابه بَعضهم فِي المَاء وَبَعْضهمْ على الطَّرِيق وَلم يقدر البزوفري على مَنعه فكاتب على اجنحة الطُّيُور بِالْحَال فانفذ المقتدر نازوك الى الْمَدَائِن للقبض عَلَيْهِ فاخذ ناوزك مَا وجده لَهُ فاستتر حَامِد
وَجَاء اُحْدُ الجهابذة فتقرب الى المقتدر بِمِائَة الف دِينَار لحامد عِنْده
وارجف النَّاس بِبَغْدَاد ان المقتدر امْر حامدا بالاستتار ليقْبض على ابْن الْفُرَات ويعيده الى مرتبته
فاستتر آل ابْن الْفُرَات واسبابه غير الْوَزير
وَكَانَت سَعَادَة حَامِد قد تناهت فَصَارَ الى دَار المقتدر وَعَلِيهِ ثِيَاب الرهبان وَمَعَهُ مونس خادمه فَصَعدَ الى دَار الحجبة فَقَالَ لَهُ نصر لم جِئْت الى هَا هُنَا وَلم يقم لَهُ وَاعْتذر بانه تَحت سخط الْخَلِيفَة
وَقَالَ المفلح الاسود وَهُوَ الَّذِي يتَوَلَّى الاسْتِئْذَان على الْخَلِيفَة انه تَحت رَحْمَة (١) وَمثلك من أَزَال متعانية وَقَالَ حَامِد لمفلح تَقول لمولانا امير الْمُؤمنِينَ عَنى ايثاري
[ ٣٣ ]
الاعتقال فِي الدَّار كَمَا اعتقل عَليّ بن عِيسَى واناظر بِحَضْرَة الْفُقَهَاء والقضاة والقواد وامكن من اسْتِيفَاء حججي وَمَا يجب عَليّ من مَال (١)
فَقَالَت السيدة لَا يضر ان يعتقل فِي الدَّار ويحفظ نَفسه فَقَالَ مُفْلِح ان فعل هَذَا لم يتم لِابْنِ الْفُرَات عمل وَبَطلَت الاعمال فَقَالَ المقتدر صدقت وامره بانفاذ حَامِد الى ابْن الْفُرَات فَبعد جهد مكنه مُفْلِح من تغير زيه وَقَالَ لَا احمله الا فِي زِيّ الرهبان وَهَذَا الصُّوف الَّذِي عَلَيْهِ حَتَّى تشفع فِيهِ نصر وانفذه مَعَ الرنداق (٢) الْحَاجِب
فَلَمَّا دخل عَليّ بن الْفُرَات اسْمَع حامدا الْمَكْرُوه وَقَالَ لَهُ جِئْت بهَا طائية وَكَانَ الطَّائِي قد ضمن اسماعيل بن بلبل من النَّاصِر لدين الله واتاه فِي زِيّ الرهبان فسلمه الى اسماعيل بن بلبل فعامله باصناف المكاره واخذ مِنْهُ مَالا عَظِيما
وامر ابْن الْفُرَات قهرمان دَاره (٣) بَان يفرد لَهُ دَار اخيه يفرشها فرشا لَيْلًا وان يحضر بَين يَدَيْهِ مَا يختاره من الطَّعَام وَيقطع لَهُ مَا يُؤثر من الْكسْوَة واستخدم لَهُ خادمين اعجميين وَدخل اليه كل من عَامله بالمكاره فوبخوه فَقَالَ قد اكثرتم وانا اجمل الْجَواب ان كَانَ مَا استعملته من الاحوال الَّتِى وصفتموها جميلَة الْعَاقِبَة قد امرت لي خيرا فاستعملوا مثله وزيدوا عَلَيْهِ وان كَانَ قبيحا وَهُوَ الَّذِي بلغ هَذِه الْغَايَة فتجنبوه فان السعيد من وعظ بِغَيْرِهِ
فَقَالَ ابْن الْفُرَات لما بلغه ذَلِك مَا ادْفَعْ شهامته وَلكنه وَلكنه رجل من اهل النَّار يقدم على الدِّمَاء ومكاره النَّاس وَمثل هَذِه الْحِكَايَة حِكَايَة زَيْنَب بنت سُلَيْمَان بن عَليّ بن عبد الله بن الْعَبَّاس قَالَت كنت عِنْد الخيزران فَدخلت جَارِيَة وَقَالَت بِالْبَابِ امْرَأَة لَهَا جمال وخلقه حَسَنَة وَلَيْسَ وَرَاء مَا هِيَ عَلَيْهِ من سوء الْحَال غَايَة تستأذن عَلَيْك وَقد سالتها عَن اسْمهَا فامتنعت ان تُخبرنِي فَقَالَت الخيزران مَا تُرِيدُ فَقلت اذني لَهَا فَلَنْ تعدمي ثَوابًا
فَدخلت امْرَأَة من اجمل النِّسَاء واكملهن لَا تتوارى بشىء وَقَالَت انا مزنة امْرَأَة مَرْوَان بن مُحَمَّد الاموي فَقلت لَهَا لَا حَيا الله وَلَا قرب الْحَمد الله الَّذِي ازال نِعْمَتك وهتك سترك تذكرين يَا عدَّة الله حِين اتاك عَجَائِز اهلي يسالنك ان تكملي صَاحبك فِي الاذن فِي دفن ابراهيم الامام فَوَثَبت عَلَيْهِنَّ فاسمعتهن وامرت باخراجهن على الْجِهَة الَّتِى أخرجن عَلَيْهَا
[ ٣٤ ]
قَالَت فَضَحكت فَمَا الدَّار احسن من ثغرها وَعلا صَوتهَا بالقهقهة ثمَّ قَالَت اي بنت عمي اي شىء اعجبك من حسن صنع الله بِي على العقوق حَتَّى اردت ان تتاسي مِنْهُ اني فعلت مَا فعلت بَاهل بَيْتك واسلمني الله اليك ذليلة فقيرة فَكَانَ هَذَا مِقْدَار شكرك الله على مَا اولاك فِي ثمَّ قَالَت السَّلَام عَلَيْكُم وَوَلَّتْ
فصاحت بهَا الخيزران انك عَليّ اسْتَأْذَنت وَالِي قصدت فَمَا ذَنبي
فَرَجَعت وَقَالَت لعمري لقد صدقت يَا اخيه وان مِمَّا ردني اليك مَا انا عَلَيْهِ من الضّر والجهد فَقَامَتْ الخيزران تعانقها وامرت بهَا الى الْحمام وخلعت عَلَيْهَا وَجَاء الْمهْدي فاخبر بِالْحَال فسر بذلك وَكَثُرت انعامه عَلَيْهَا وافرد لَهَا مَقْصُورَة من مقاصير حرمه
واقر حَامِد بِمِائَتي الف دِينَار وَلم يقر بغَيْرهَا وسلمت مِنْهُ
وَضرب المحسن مونس خَادِم حَامِد فاقر باربعين الف دِينَار دَفنهَا فِي دَاره بِالْمَدِينَةِ فَحملت
وصودر مونس الْفَحْل حَاجِب حَامِد على عشْرين ألف دِينَار وصودر مُحَمَّد بن عبد الله النضراني (١) صَاحبه وَالْحسن بن عَليّ الخصيب كَاتبه على ثَمَانِينَ الف دِينَار
وَاسْتعْمل الخصيب مَعَ حَامِد من المكاشفة مالم يَسْتَعْمِلهُ كَاتب مَعَ صَاحب فَرد ابْن الْفُرَات عَلَيْهِ مَا صادره بِهِ لذَلِك
واشخص ابْن الْفُرَات الْفُقَهَاء والقضاة وَالْكتاب فيهم النُّعْمَان بن عبد الله وَكَانَ قد تَابَ من عمل السُّلْطَان فَحَضَرَ بطيلسان وناظره ابْن الْفُرَات مناظرة طَالَتْ كَانَ عمد (٢) ابْن الْفُرَات ان قَالَ لَهُ الضَّمَان الَّذِي ضمنته من الخاقاني سنة تسع وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ لَا يمضيه الْفُقَهَاء وَالْكتاب لانه ضَمَان مَجْهُول وضمنت اثمان غلات لم تزرع فَقَالَ لَهُ حَامِد فقد علمت بِي كَذَلِك حِين ضمنتني اعمال بالصدقات والضياع بِالْبَصْرَةِ وكور دجلة فَقَالَ ابْن الْفُرَات الْغلَّة بِالْبَصْرَةِ يسيرَة وانما ضمنت الثَّمَرَة فَقَالَ حَامِد فَمن احل بيع الثَّمَرَة قبل ادراكها وحضره فِي الزَّرْع فَقَالَ المحسن لحامد هَذَا الكلوذاني كاتبك وَكتابه يشْهدُونَ عَلَيْك بِمَا اقتطعته فَقَالَ هَؤُلَاءِ كتاب الْوَزير الْآن (٣) هَوَاهُ
ولزمت الْفُرَات حججه حَتَّى قَالَ لَهُ حَامِد لم امضيت ضماني فِي وزارتك
[ ٣٥ ]
الثَّانِيَة فَقَالَ ابْن الْفُرَات لهَذَا نقلني امير الْمُؤمنِينَ الى حَبسه
وَذكر حَامِد حجَجًا كَانَت فِي يَده فَقَالَ ابْن الْفُرَات انا فتشت صناديقك فَلم اجد فِيهَا مَا ذكرت وانا الْمُقدم باحضارها وتفتيشها فَقَالَ حَامِد افتسشتها بعد ان فتشها الْوَزير وَقَبضهَا نازوك وَفتح اقفالها فَخَجِلَ ابْن الْفُرَات وتعجب النَّاس من اسْتِيفَاء حَامِد الْحجَّة
فَاخْرُج ابْن الْفُرَات عملا وجده فِي صناديق غَرِيب غُلَام حَامِد وَهَذَا الْغُلَام كَانَ يتَوَلَّى بيع غلات حَامِد وَحمل ذَلِك سَهوا لَان حامدا كَانَ يجمع حسباناته ويغرقها فِي دجلة فَرَأى انه قد بيع غلات تِلْكَ السّنة سوى القضيم بِخَمْسِمِائَة الف دِينَار ونيف واربعين الف دِينَار فَبَان الْفضل وَظهر التضاعف مَعَ كَون الاسعار رخيضة فِي تِلْكَ السّنة وعالية فِيمَا بعْدهَا
وَقَالَ حَامِد لِابْنِ الْفُرَات انني اكرم الْوَزير عَن إسماع ابْنه جَوَاب مَا يَشْتمنِي فَحلف ابْن الْفُرَات براس الْخَلِيفَة ان لم يمسك ابْنه استعفى الْخَلِيفَة (١) فِي هَذِه الْقِصَّة
فامسك المحسن حِينَئِذٍ واعيد حَامِد الى محبسه وطولب بِالْمَالِ فاقام على انه لَا مَال عِنْده وانه قد بَاعَ ضيَاعه وَبَاعَ دَاره من نازوك بِمَدِينَة السّلم بِاثْنَيْ عشر الف دِينَار وَبَاعَ خدمه وَبَاعَ اخصهم بِهِ من نازوك بِثَلَاثِينَ الف دِينَار
فَالْتَفت الْخَادِم الى نازوك وَقَالَ لَهُ لَا تستضع بِي فَلَا تبتاعني فَلم يقبل مِنْهُ فابتاعه فَلَمَّا كَانَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَة شرب الْخَادِم زرنيخا فَمَاتَ من ليلته
وخلا ابْن الْفُرَات بحامد وَقَالَ ان اخبرت باموالك صنتك عَن مكاره ابْني ووليتك فَارِسًا وَحلف لَهُ على ذَلِك فاقر بدفائنه فِي بلاليع بواسط وقدرها خَمْسمِائَة الف دِينَار وثلاثمائة الف عِنْد قوم من الْعُدُول واقر بقماش لَهُ عِنْد ابْن شابدة وَابْن المنتاب واسحاق بن ايوب وَعلي بن فرج بثلاثمائة الف دِينَار
فَعرف المقتدر ذَلِك وَقَالَ لَهُ ابْن الْفُرَات قد اقر بذلك عفوا من غير مَكْرُوه
وَمَا زَالَ ابْن الْفُرَات مكرما لحامد يلْبسهُ لين الثِّيَاب ويطعمه هني الطَّعَام الى ان توصل المحسن على يَدي مُفْلِح الى المقتدر ان يتَقَدَّم الى ابيه باستخلافه فاستخلفه على كره من الاب لذَلِك وخلع المقتدر عَلَيْهِ وَصَارَ الى دَاره فَمضى اليه الْكتاب والعمال للتهنئة فسقطوا من دَرَجه سَاج صعدوا عَلَيْهَا من زبازبهم فلحقتهم الْعِلَل لذَلِك
وَضمن حَامِد الْخَمْسمِائَةِ الف دِينَار واحضره فطالبه فَقَالَ لم يبْق غير ضياعي
[ ٣٦ ]
وانا اوكل فِي بيعهَا فامر بصفعه فصفع خمسين صفعة واحدره الى وَاسِط مَعَ خَادِم وَعشرَة فرسَان وَذَلِكَ فِي عَاشر شهر رَمَضَان سنة احدى عشرَة وثلاثمائة
وشاع بِبَغْدَاد ان حامدا اشْتهى بيضًا فَطرح لَهُ الْخَادِم فِيهِ سما فاكله فَلحقه ذرب وَدخل واسطا وَهُوَ مثخن فَقَامَ اكثر من مائَة مجْلِس
فاراد البزوفري (١) الِاسْتِظْهَار لنَفسِهِ فَاحْضُرْ القَاضِي وشهوده وَكتب ان حامدا وصل الى وَاسِط فتسلمه البزوفري وَهُوَ عليل من ذرب وان تلف من ذَلِك فانما مَاتَ حتف انفه
فَلَمَّا دخل الشُّهُود وَقد قرر مَعَ حَامِد الاشهاد على نَفسه قَالَ لَهُم ان ابْن الْفُرَات الْكَافِر الْفَاجِر المجاهر بالرفض وبغض بنى الْعَبَّاس رَحْمَة الله عَلَيْهِم عاهدني وَحلف بِالطَّلَاق وايمان الْبيعَة على ان اقررت باموالي لم يسلمني ابْنه (٢) وصانني على الْمَكْرُوه وولاني فَلَمَّا اقررت سلمني الى ابْنه فعذبني ودفعني الى خادمه فسقاني بيضًا مسموما وَلَا صنع للبزوفري فِي دمي الى وقتنا هَذَا وَلكنه لعنة الله كفر احساني وَنسي اصطناعي فاغرى ابْن الْفُرَات بِي وسعى على دمي ثمَّ اخذ قِطْعَة من اموالي وَجعل يحشوها فِي الْمسَاوِر البرنون (٣) ويبتاع الْوَاحِدَة مِنْهَا بِخَمْسَة دَرَاهِم وفيهَا امتعة تَسَاوِي ثَلَاثَة الاف دِينَار فَاشْهَدُوا على مَا شرحته
وَتبين البزوفري انه قد اخطأ
وَكتب ابْن بطحا صَاحب الْخَبَر بواسط الى ابْن الْفُرَات بِالْحَال فشق عَلَيْهِ
وَتُوفِّي حَامِد (٤) فِي دَار البزوفري لَيْلَة الْخَمِيس لثلاث عشرَة خلت من شهر رَمَضَان سنة احدى عشرَة وثلاثمائة وَغسل وكفن وَصلى عَلَيْهِ القاضى وَالشُّهُود بواسط
واخذ مِنْهُ ابْن الْفُرَات الف الف وثلاثمائة الف دِينَار
وَقبض المحسن عَليّ ابي احْمَد مُحَمَّد بن منتاب الوَاسِطِيّ صَاحب حَامِد فصادره على مائَة الف دِينَار
وَحكى التنوخي عَن بعض الْكتاب قَالَ حضرت مائدة حَامِد بن الْعَبَّاس وَعَلَيْهَا عشرُون نفسا وَكنت اسْمَع انه ينْفق على مائدته مِائَتي دِينَار فاستقللت مَا رايت ثمَّ خرجت فرايت فِي الدَّار نيفا وَثَلَاثِينَ مائدة مَنْصُوبَة على كل وَاحِدَة ثَلَاثُونَ نفسا وكل
[ ٣٧ ]
مائدة مثل الْمَائِدَة الَّتِي كَانَت عَلَيْهَا حَتَّى البوارد والحلوى وَكَانَ لَا يَسْتَدْعِي أحدا إِلَى طَعَامه بل يقدم إِلَى كل قوم فِي أماكنهم وَكَانَت الموائد فِي الدهاليز وَكَانَ يقدم لكل من يحضر جديا فَيكون الجداء بِعَدَد النَّاس وَيرْفَع مَا بَقِي فتقسمه الغلمان
وَقَالَ حَامِد إِنَّمَا فعلت هَذَا لأنني حضرت قبل علو أَمْرِي عَليّ مائدة بعض أصدقائي وَقدم عَلَيْهَا جدي فعولت على أكل كليته فَسَبَقَنِي رجل فَأكلهَا فاعتقدت فِي الْحَال أَن وسع الله عَليّ أَن أجعَل جداء بِعَدَد الْحَاضِرين
وَركب حَامِد وَهُوَ عَامل وَاسِط إِلَى بُسْتَان لَهُ فَرَأى فِي طَرِيقه دَارا محترقة وشيخا يبكي وَحَوله نسَاء وصبيان على مثل حَاله فَسَأَلَ عَنهُ فَقيل هَذَا رجل تَاجر احترقت دَاره فافتقر وأفلت بِنَفسِهِ وَعِيَاله على هَذِه الصُّورَة فَوَجَمَ سَاعَة ثمَّ قَالَ فلَان الْوَكِيل فجَاء فَقَالَ اريد ان اندبك لأمر ان عملته كَمَا اريد فعلت بك وصنعت وَذكر جميلا وَإِن تجاوزت فِيهِ رسمي فعلت بك وصعنت وَذكر قبيحا فَقَالَ مر بامرك فَقَالَ ترى هَذَا الشَّيْخ قد الْمَنِيّ قلبِي لَهُ وَقد تنغصت عَليّ نزهتي بِسَبَبِهِ وَمَا تسمح نَفسِي بالتوجه إِ ١ لى بستاني إِلَّا بعد ان تضمن لي اني إِذا عدت العشية من النزهة وجدت الشَّيْخ فِي دَاره وَهِي كَمَا كَانَت مَبْنِيَّة مجصصة نظيفة وفيهَا الْفرس والصفر وَالْمَتَاع من صنوفه وصنوف الْآلَات مثل مَا كَانَ فِيهَا وعَلى جَمِيع عِيَاله من كسْوَة الشتَاء والصيف مثل مَا كَانَ لَهُم
قَالَ الشَّيْخ فَتقدم إِلَى الْخَادِم ان يُطلق مَا اريده وَإِلَى صَاحب المعونه ان يقف معي ويحضر كل مَا اريده من الصناع فَتقدم حَامِد بذلك وَكَانَ الزَّمَان صيفا فَاحْضُرْ اصناف الروزجاية والبنائين فَكَانُوا ينقضون بَيْتا ويطرحون فِيهِ من يبنه وَقيل لصَاحب الدَّار اكْتُبْ جَمِيع مَا ذهب مِنْك فَكتب حَتَّى المكنسة والمقدحة واحضر جَمِيع ذَلِك وَصليت الْعَصْر وَقد سقفت الدَّار كلهَا وجصصت وغلقت الابواب وَلم يبْق إِلَّا الْبيَاض والطوانيق فانفذ إِلَى خامد وَسَأَلَهُ التوفق فِي الْبُسْتَان وان لَا يركب مِنْهُ إِلَى ان يُصَلِّي العشا الاخيرة وَقد بيضت الدارت وكنست وفشت وَلبس الشَّيْخ وَعِيَاله الثِّيَاب وَدفعت اليهم الصناديق والخزانة مَمْلُوءَة بالامتعة.
واجتاز حَامِد وَالنَّاس مجتمعون لَهُ كانه نَهَار فِي يَوْم عيد فضجوا بِالدُّعَاءِ لَهُ فَتقدم الى الجهبد بِخَمْسَة آلَاف دِرْهَم يَدْفَعهَا إِلَيْهِ يزيدها فِي بضاعته وَسَار حَامِد إِلَى
[ ٣٨ ]
وَفِي السّنة توفّي ابو إِسْحَاق ابرهم ابْن السّري الزّجاج صَاحب الْمعَانِي وَكَانَ يخرط الزّجاج فاتى الْمبرد وَكَانَ يعلم لَك وَاحِد باجرة على قدر معيشته وَقَالَ لَهُ اني اكسب فِي كل يَوْم درهما ودانقين واني اعطيك درهما ان تعلمت اَوْ لم اتعلم حَتَّى يفرق الْمَوْت بَيْننَا وآخذ مِنْك قَالَ قد رضيت قَالَ وانفذ اليه بَنو مارمة من الصراة يطْلبُونَ مؤدبا لاولادهم فانفذني اليهم وَكنت اوجه اليه فِي كل شهر ثَلَاثِينَ درهما
وَطلب عبيد الله بن سُلَيْمَان مِنْهُ مؤدبا لِابْنِهِ الْقسم فَقَالَ اعرف مؤدب بَين مارمة فَكتب غليه عبيد الله فاستنزلهم عني وادبت الْقسم فَكنت اقول لَهُ ان ابلغك الله مبلغ ابيك تُعْطِينِي عشْرين ألف دِينَار فَيَقُول لي نعم
فَمَا مَضَت الا سنُون حَتَّى ولي الوزارة وانا على ملازمته فَقَالَ لي بِالْيَوْمِ الثَّالِث مَا اراك ذَكرتني بِالنذرِ فَقلت لَا احْتَاجَ مَعَ رِعَايَة الْوَزير الي اذكار خَادِم وَاجِب الْحق فَقَالَ انه المعتضد وَلَوْلَا مَا تعاظمني ان ادْفَعْ ذَلِك فِي مَكَان وَاحِد وَلَكِنِّي اخاف ان يصير لي حَدِيثا فَخذه مفترقا فَقلت افْعَل فَقَالَ اجْلِسْ وَخذ رقاع اصحاب الْحَوَائِج الْكِبَار وَلَا تمْتَنع من مساءلتي فِي شَيْء فَكنت اقول ضمن لي فِي هَذِه الْقِصَّة كَذَا فَكَانَ يَقُول غبنت فاستزد الْقَوْم فَحصل عِنْدِي عشرُون الف دِينَار فَقَالَ حصل عنْدك مَال النّذر قلت لَا فَلَمَّا حصل عِنْدِي عشرُون الف دِينَار فَقَالَ حصل عنْدك مَال النّذر قلت لَا فَلَمَّا حصل ضعفة اخبرته فَوَقع لى خازنة بِثَلَاثَة آلَاف دِينَار فأخذتها وامتنعت ان اعْرِض عَلَيْهِ شَيْء
فَلَمَّا كَانَ من غَد جِئْته فَأَوْمأ الي هَات مَا مَعَك فَقلت مَا اخذت رقْعَة لن النّذر قد وَقع الْوَفَاء بِهِ وَلم ادر كَيفَ اقع من الْوَزير فَقَالَ سُبْحَانَ الله اتراني كنت اقْطَعْ عَنْك شَيْئا قد صَار لَك بِهِ عَادَة وَصَارَ لَك بِهِ عِنْد النَّاس منزلَة وغدو وراواح إِلَى بَابي فتظن النَّاس ان انْقِطَاعه لتغير رتبتك اعْرِض عَليّ رسمك وَخذ بِلَا حِسَاب فَكنت اعْرِض عَلَيْهِ إِلَى ان مَاتَ
[ ٣٩ ]
وَحدث وَالِدي (١) ﵀ قَالَ اُخْبُرْنَا القَاضِي ابو الطّيب قَالَ حَدثنِي مُحَمَّد بن طَلْحَة الردادي (٢) قَالَ حَدثنِي القاضى مُحَمَّد بن احْمَد بن المخرم (٣) انه جرى بَين الزّجاج وَبَين الْمَعْرُوف بمسينة (٤) وَكَانَ من اهل الْعلم شَرّ فاتصل ونسجه ابليس واحكمه حَتَّى خرج ابراهيم الى حد السَّفه فَقَالَ مينه ابي الزّجاج الاشتم عرضى لينفعه فآثمه وضره
واقسم صَادِقا مَا كَانَ حر ليطلق لَفْظَة فِي شتم حره
وَلَو اني كررت لفر منى وَلَكِن للمنون عَلَيْهِ (٥) كره
فاصبح قد وَقَاه الله شري ليَوْم لَا وَقَاه الله شَره
فَلَمَّا اتَّصل هَذَا بالزجاج قَصده رَاجِلا حَتَّى اعتذر وساله الصفح
وَورد الْخَبَر بِدُخُول ابي طَاهِر سُلَيْمَان بن الْحسن الجنابي (٦) الْبَصْرَة سحر يَوْم الِاثْنَيْنِ لخمس بَقينَ من شهر ربيع الآخر سنة احدى عشرَة وَثَلَاث مائَة فِي الف وَسَبْعمائة رجل وانه وصل اليهم بسلاليم (٧) نصبها على سورها وَقتل الحراس وَطرح بَين كل مصراعين حمل رمل وحصى
وَقتل سبك المفلحي امير الْبَصْرَة واحرق المربد (٨) وَبَعض الْجَامِع وَمَسْجِد قبر طَلْحَة ﵁ وَلم يعرض للقرى وحاربه اهل الْبَصْرَة عشرَة ايام بالكلأ وهربوا مِنْهُ فَطرح فيهم السَّيْف وغرق مِنْهُم الْكثير واقام (٩) بهَا سَبْعَة عشر يَوْمًا يحمل على جماله اموالهم وَسَار الى بَلَده
وَادّعى ابْن الْفُرَات سَمِعت عَليّ بن عِيسَى يعنف ابا عبد الله حِين حَلَفت ان استغلال ضيعتك بواسط عشرَة الاف دِينَار وَقد وجد بهَا فِي حِسَاب الهماني انه يرْتَفع فِيهَا
[ ٤٠ ]
ثَلَاثِينَ الْفَا دِينَار فَقَالَ البريدي تاسيت بسيدنا حِين خلف لِابْنِ الْفُرَات ان استغلال ضيعته الصافية عشرُون الف دِينَار واستغلالها خَمْسُونَ الْفَا
وَعلم انه مَعَ ديانته لَو لم يعلم ان الْبَقِيَّة مُبَاحَة عِنْد من يخافه لما حلف فَكَانهُ القم عليا حجرا
وَامْتنع المقتدر من تَسْلِيم عَليّ بن عِيسَى الى ابْن الْفُرَات واراد حفظ نَفسه فَادى ثمن دَار كَانَت لَهُ بالجانب الغربي فِي سويقة ابي الْوُرُود سَبْعَة الاف دِينَار وَقَالَ للمحسن مَا يمكنني اداء مصادرتي فِي اعتقالي فالبسه جُبَّة صوف وصفعه فَقَامَ عِنْد ذَلِك نازوك وَقَالَ لَا احضر كروه من قبلت يَده السنين الْكثير ة
فَلَمَّا علم ابْن الْفُرَات بِفعل ابْنه لم يشك ان الْخَلِيفَة يُنكر ذَلِك فبادر وَكتب الى الْخَلِيفَة فساله فِي عَليّ بن عِيسَى وَقَالَ هُوَ من مَشَايِخ الْكتاب وعرفه خدمته فَخرج خطّ المقتدر بَان الصَّوَاب مَا فعله المحسن وانه قد شفعه فِيهِ وَحل قيوده
واشار زَيْدَانَ القهرمانة على ابْن الْفُرَات بِتَسْلِيمِهِ الى شَفِيع والا تسلمه الْخَلِيفَة فاستدعى وَسلمهُ اليه
فَخرج وَقد اقيمت صَلَاة الْمغرب فَقدم عَليّ فصلى النَّاس فِي الْمَسْجِد الَّذِي على دجلة
وَمضى مَعَ شَفِيع فَجَلَسَ فِي صدر طياره (١) وَجلسَ شَفِيع بَين يَدَيْهِ واسعف ابْن الْفُرَات وَابْنه عليا فِي مصادرته وَحمل اليه ابو الهيجاء بن حمدَان عشرَة لاف دِينَار فَردهَا فَحلف ابو الهيجاء انها لَا رجعت الى ملكه ففرقت فِي الطالبين (٢) والفقراء وبذل لَهُ شَفِيع اموالا فابى من قبُولهَا وَقَالَ لَا اجْمَعْ عَلَيْكُم مؤنتي ومعونتي
وَلما صعد دَرَجَة شَفِيع مد شَفِيع يَده فاتكأ عَلَيْهَا وَلما قبض على ابْن الْفُرَات جعل يرجف فَقَالَ لَهُ لم لم تُعْطِينِي يدك كَمَا اعطيتها عليا فَقَالَ لَان عليا اتَّقى لله مِنْك
وَلما ادى عَليّ مصادرته اذن المقتدر لِابْنِ الْفُرَات فِي ابعاده الى مَكَّة فاستاجر لَهُ جمالا واعطاه نَفَقَة وانفذ مَعَه ابْن الكثواني صَاحبه فاراد قتل عَليّ فَبلغ ذَلِك اهل مَكَّة فَهموا بقتل ابْن الكوثاني فَمنع عَليّ مِنْهُ وَحفظه
وصادر ابْن الْفُرَات جَمِيع اسباب عَليّ مِنْهُم ابْن مقلة وَالشَّافِعِيّ وَلما لم يجد على
[ ٤١ ]
النُّعْمَان بن عبد الله الَّذِي تَابَ من التَّصَرُّف سَبِيلا فِي المصادرة وَامْتنع من الْولَايَة احدره الى وَاسِط وَقبض البزوفري عَلَيْهِ من جَامعهَا لما راى من اكرام اهل الْبَلَد لَهُ واخذ مِنْهُ سَبْعَة الاف دِينَار وَنفى ابْن الْحوَاري الى الابلة وخنق بالمنارة بعد ان عذب ثمَّ نبشه اهله وَحمل الى بَغْدَاد
وصادر المحسن ابا الْحسن عَليّ بن مَأْمُون الاسكافي على مائَة الف دِينَار (١)
وصادر المادرانيين حِين قدمُوا من مصر على الف وَسَبْعمائة دِينَار
وَنفى ابْن مقلة الى الْبَصْرَة
وَقدم مونس المظفر من الْغَزْو وَقد فتح عَلَيْهِ فاخبر ابْن الْفُرَات مَا تمّ على الْعمَّال مِنْهُم فسعى بِهِ الى المقتدر فَقَالَ لَهُ مَا شىء احب الي من مقامك بِبَغْدَاد لاني اجْمَعْ بَين الانس بقربك والتبرك برايك وَالصَّوَاب ان تقيم بالرقة فتتوسط الاعمال وتستحث على المَال
فَعلم مونس (٢) ان ذَلِك من عمل ابْن الْفُرَات فاجاب اليه وسال فِي المادارنيين فاطلقا وَنفذ فِي ذِي الْقعدَة
وَشرع ابْن الْفُرَات فِي السّعَايَة بنصر القشوري وشفيع المقتدري فالتجا نصر الى السيدة فَقَالَت للمقتدر ان ابْن الْفُرَات ابعد عَنْك مونسا وَهُوَ سَيْفك وَقد حل لَهُ ابعاد حاجبك (٣)
وَاتفقَ انه وجد على سطح دَار السِّرّ فِي يَوْم الثُّلَاثَاء لخمس خلون من محرم سنة اثْنَتَيْ عشرَة وثلاثمائة رجلا اعجميا وَاقِفًا عَلَيْهِ ثِيَاب ديبقى وتحتها قَمِيص صوف وَمَعَهُ محبرة واقلام وورق وحبل قيل انه دخل مَعَ الصناع وبقى اياما وعطش فَخرج لطلب المَاء فظفر بِهِ وَسُئِلَ عَن حَاله فَقَالَ لَا اخاطب اُحْدُ غير صَاحب الدَّار فَقَالَ لَهُ ابْن الْفُرَات اخبرني عَن حالك فَقَالَ لَا اخاطب غير الْخَلِيفَة فَضرب وَهُوَ يَقُول ندانم (٤) حَتَّى قتل بالعقوبة (٥)
وخاطب ابْن الْفُرَات نصر الْحَاجِب (٦) بِحَضْرَة المقتدر وَقَالَ كَيفَ ترْضى بِهَذَا الامير الْمُؤمنِينَ وَمَا يجوز ان ترْضى بِهِ لنَفسك وَمَا سمعنَا ان هَذَا تمّ على خَليفَة
[ ٤٢ ]
قطّ وَهَذَا الرجل صَاحب احْمَد بن صعلوك (١) الَّذِي قتل ابْن ابي الساج واما ان يكون قد دسسته ليفتك بامير الْمُؤمنِينَ لتخوفك على نَفسك مِنْهُ وعداوتك لِابْنِ ابي الساج وصداقتك لاحمد بن عَليّ فَقَالَ لَهُ نصر لَيْت شعري ادبر على امير الْمُؤمنِينَ لانه اخذ اموالي ونكبني وهتك حرمي وحبسني عشر سنسن
وَلم يزل امْر نصر يضعف والسيدة مدافعه عَنهُ
وَكَانَ يُوسُف بن ابي (٢) الساج حِين قلد اعمال الرّيّ قتل بهَا احْمَد بن عَليّ اخا الصعلوك وانفذ بِرَأْسِهِ الى مَدِينَة السّلم
ولليلتين خلتا من شعْبَان قُرِئت الْكتب على المنابر بِمَدِينَة السّلم بِفَتْح مونس المظفر فِي بلد الرّوم وامر فِيهِ المقتدر بِرَفْع الْمَوَارِيث الحشرية كَمَا فعل ذَلِك المعتضد بِاللَّه ﵀ (٣)