وَورد الْخَبَر بِأَن اهل زربة (٣) دخلُوا فِي امان الرّوم وانهم غدروا بهم فَقَتَلُوهُمْ وَقَطعُوا مِنْهَا اربعين الف نَخْلَة واعاد سيف الدولة بناءها بعد ذَلِك
وأتى الرّوم منبجا وَكَانَ فِيهَا ابو فراس بن ابي الْعَلَاء بن حمدَان مُتَوَلِّيًا لَهَا فأسروه فَقَالَ فِي أسره اشعارا كَثِيرَة مِنْهَا (٤)
ارث لصب بك (٥) قد زِدْته على بقايا (٦) اسره اسرا
قد عدم الدُّنْيَا ولذاتها لكنه ٢ لم يعْدم الصبرا
فَهُوَ اسير الْجِسْم فِي بَلْدَة وَهُوَ اسير الْقلب فِي اخرى
وَكتب الى امهِ (٧)
فِيمَا امتا لَا تعدمي الصَّبْر انه الى الْخَيْر والنجح الْقَرِيب رَسُول
وَيَا امتا لَا تحبطي الاجر انه على قدر الصَّبْر الْجَمِيل جزيل
اما لَك فِي ذَات النطاقين اسوة بِمَكَّة وَالْحَرب الْعوَان تجول (٨)
[ ١٨٠ ]
.. اراد ابْنهَا اخذ الامان فَلم تجب وَتعلم علما انه لقتيل
تأسي كَفاك الله مَا تحذرينه فقد غال هَذَا النَّاس قبلك غول
وكوني كَمَا كَانَت بِأحد صَفِيَّة وَلم يشف مِنْهَا بالبكاء غليل
وَلَو رد يَوْمًا حَمْزَة الْخَيْر حزنها اذا لعلتها (١) رنة وعويل
لقِيت نُجُوم اللَّيْل (٢) وَهِي صوارم وخضت سَواد اللَّيْل (٢) وَهُوَ وحول (٣)
وَلم ارع للنَّفس الْكَرِيمَة حُرْمَة عَشِيَّة لم يعْطف عَليّ حليل (٤)
وَمَا لم يردهُ (٥) الله فَهُوَ ممزق وَمن لم يعز الله فَهُوَ ذليل
وَمَا لم يردهُ الله فِي الامر كُله فَلَيْسَ لمخلوق اليه سَبِيل
ووافى الدمستق الى حلب وَمَعَهُ ابْن اخت الْملك وَلم يعلم سيف الدولة بِخَبَرِهِ وَخرج عِنْد علمه وحاربه قَلِيلا فَقتل جَمِيع اولاد دَاوُود بن حمدَان وَابْن الْحُسَيْن بن حمدَان وَانْهَزَمَ سيف الدولة فِي نفر يسير وظفر الدمستق بداره وَهِي خَارج مَدِينَة حلب (٦) فَوجدَ لسيف الدولة فِيهَا ثَلَاثمِائَة وَتِسْعين بدرة دَرَاهِم والف واربعمائة بغل فَأخذ الْجَمِيع وَأخذ لَهُ من السِّلَاح مَا يُجَاوز الْحَد وأحرق الدَّار وَملك الربض وقاتله اهل حلب من وَرَاء سورهم فَسَقَطت ثلمة على قوم (٧) فقتلتهم وَقَاتل عَلَيْهَا اهل الْبَلَد واجتمعوا بِاللَّيْلِ وبنوها وَانْصَرف الرّوم عَنْهُم فانتهب رجال الشرطة منَازِل النَّاس وأمتعة التُّجَّار فَمَضَوْا لحربهم
فَلَمَّا خلا السُّور صعد الرّوم وفتحوا الابواب وَوَضَعُوا السَّيْف وَكَانَ فِي حلب (٨) عِنْد الْمُسلمين الف وَمِائَتَا اسير من الرّوم فأطلقوهم وَسبوا بضعَة عشر الف صبي وصبية وَأخذُوا من الاموال مَا يحد وضربوا الْبَاقِي بالنَّار وَأقَام الرّوم بهَا تِسْعَة أَيَّام وَكَانَ عَسْكَرهمْ مِائَتي الف وَثَلَاثِينَ الف رجل بالجواشن وَكَانَ مَعَهم ثَلَاثُونَ الف صانع للهدم وتطريق الطّرق (٩) واربعة آلَاف بغل عَلَيْهَا الحسك الْحَدِيد (١٠) يخندقون بِهِ على عَسْكَرهمْ ٢
[ ١٨١ ]
وَقَالَ ابْن اخت ملكهم لَا ابرح اَوْ افْتَحْ القلعة وَصعد الى مدرجها فَرَمَاهُ ديلمي بحشت (١) فِي صَدره فأنفذه
وَسَار مُتَقَدم الرّوم الى بَلَده عِنْد ذَلِك وَلم يتَعَرَّض للسواد وامر اهله بعمارته وَوَعدهمْ بِالْعودِ اليهم
وَفِي جُمَادَى الاخرة مَاتَ دعْلج بن احْمَد بن دعْلج (٢) الْمُحدث الْعدْل وَله خَان بسويقة غَالب عِنْد قبر ابْن سُرَيج وقف على اصحاب الشَّافِعِي ﵀ الى الْيَوْم وعمره نظام الْملك ﵀ وَقد اطلق لَهُ مائَة دِينَار فِي اول نوبَة دَخلهَا حِين مضى إِلَيْهِ اصحاب ابي ﵀ وأعلموه مقَام ٦ هم بِهِ واستشفعوا بِصُحْبَتِهِ
وَحكي ابْن نصر فِي كتاب الْمُفَاوضَة قَالَ انزلني الشَّيْخ ابو الْحسن الْعلوِي الْحَنَفِيّ الدَّار الْمَعْرُوفَة بدعلج فِي درب ابي خلف بازاء دَاره فَقلت لَهُ لم ازل اسْمَع النَّاس يعظمون شَأْن هَذِه الدَّار وَمَا اجدها كَمَا وصفت فَقَالَ لي كَانَ دعْلج فِي هَذِه الدَّار وَكَانَ شَاهدا ومحدثا وعظيم الْحَال مُوسِرًا
وَكَانَ الْمُطِيع لله قد اودع ابا عبد الله بن ابي مُوسَى الْهَاشِمِي عشرَة الآف دِينَار قبل افضاء الْخلَافَة اليه فتصرف فِيهَا وأنفقها وأدل بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهَا فِي طلبَهَا فَلَمَّا ولي الْخلَافَة طَالبه بهَا فوعده بحملها وَرجع الى منزله وَشرع فِي بيع شىء من املاكه وثماره فَتعذر فألح الْمُطِيع بالمطالبة بالوديعة فَاعْتَذر بِأَنَّهَا مخبوءة لَا يقدر عَلَيْهَا الا بعد ثَلَاثَة ايام فَانْظُرْهُ فَلَمَّا حضر وَقت الْوَعْد قلق وَلم ينم وَلم يتَّجه لَهُ وَجه وَخَافَ ان يحرق بِهِ وَلم يعود بثلم جاهه فَركب فِي بَقِيَّة اللَّيْل بِغَيْر غُلَام وَترك رَأس البغلة تمشي حَيْثُ شَاءَت فأفضت بِهِ الى قطيعة الرّبيع فَدَخلَهَا وَعطف الى درب ابي خلف فاذا دعْلج قد خرج وَفِي يَده سَمَكَة فَتَأَمّله فَقَالَ لَهُ خير فَقَالَ لَا فَقَالَ ابا الله انْزِلْ فَنزل وَدخل دَاره وقص قصَّته فَقَالَ لَا بَأْس اي نقد كَانَت الدَّنَانِير فَقَالَ النَّقْد الْفُلَانِيّ فَقَالَ يَا غُلَام اغلق الْبَاب وَحط مَا عنْدك من الْعين واجلس مَعَ الشريف وانتقد النَّوْع الْفُلَانِيّ الى ان ارْجع من الْحمام
فَلَمَّا عَاد كَانَ الْغُلَام قد انتقد الْقدر فَجَعلهَا فِي اكياس وأنفذها مَعَ غلمانه ثمَّ قَالَ اكْتُبْ خطك فِي دفتري فَكتبت خطي بذلك الى مُدَّة اربعة اشهر وانصرفت
[ ١٨٢ ]
واستدعيت الضرف (١) الَّتِى كَانَت دَنَانِير الْمُطِيع فِيهِ فنقلتها اليه وختمتها بالاسريحات (٢) الَّتِى كَانَت عَلَيْهِ فَأَتَانِي رَسُول الْمُطِيع فَحملت المَال وَوَضَعته بَين يَدَيْهِ وَقلت ان رأى امير الْمُؤمنِينَ ان يتَقَدَّم بوزنه فَقَالَ مَا افْعَل ذَلِك وَهِي تَحت ختمي فَخفت ان يتَأَمَّل الْخَتْم فعجلت الى كَسره وَحلفت بنعمته لَا بُد مِمَّا تزنه فوزن
وَاتفقَ انه دخل من ضيعتي ثَلَاثَة وآلآف دِينَار قبل الاجل فَحَضَرت عِنْد دعْلج ودفعتها اليه فَقَالَ لَا اله الا الله ايها الشريف بِمَا استحققت مِنْك هَذَا ارتجعه قبل الْمدَّة فَأَكُون كذابا فَأَمْسَكت الدَّنَانِير حَتَّى تكاملت فِي وَقتهَا
وَفِيه خلع معز الدولة على ابي الْفرج مُحَمَّد بن الْعَبَّاس (٣) وقلده كِتَابَة عز الدولة مُضَافا الى مَا اليه من الدِّيوَان
وَفِي ذِي الْقعدَة مَاتَ ابو عبد الله مُحَمَّد (٤) بن ابي مُوسَى الْهَاشِمِي
وَمَات بعده ابو بكر النقاش (٥) صَاحب شِفَاء الصُّدُور فِي تَفْسِير الْقُرْآن (٦) وَفِيه لقب عضد الدولة بِهَذَا اللقب (٧)