فِي هَذِه السّنة وافى ابو اسحاق القراريطي من مصر مَعَ الْحَاج
فِي شهر ربيع الاول توفّي ابو بكر مُحَمَّد بن بن الادمي الْقَارِي (١)
قَالَ درة (٢) الصُّوفِي كنت بائتا بكلواذي على سطح عَال فَلَمَّا هدى اللَّيْل قلت (٣) لاصلي فَسمِعت صَوتا ضَعِيفا يجىء من بعد فأصغيت اليه وتأملته شَدِيدا فاذا صَوت ابي بكر (٤) الادمي فقدرته منحدرا فِي دجلة فَلم اجد الصَّوْت يقرب وَلَا يزدْ على ذَلِك الْقدر سَاعَة ثمَّ انْقَطع فشككت فِي الامر وَصليت ونمت
فبكرت فَدخلت بَغْدَاد بعد ساعتين من النَّهَار وَكنت مجتازا فِي السميرية (٥) فاذا بَابي بكر الادمي ينزل الى الشط من دَار ابي عبد الله الموساي (٦) الْعلوِي الَّتِى بِقرب قرضة جَعْفَر على دجلة فَصَعدت اليه وَسَأَلته عَن خَبره فَأَخْبرنِي بسلامته فَقلت ايْنَ بت البارحة فَقَالَ فِي هَذِه الدَّار فَقلت قَرَأت النّوبَة الْفُلَانِيَّة قَالَ نعم قبل (٧) نصف اللَّيْل فَعلمت انه الْوَقْت الَّذِي سَمِعت فِيهِ صَوته بكلواذى فعجبت من ذَلِك عجبا شَدِيدا بَان فِي لَهُ (٨) فَقَالَ مَالك فَأَخْبَرته قَالَ فاحكها للنَّاس عني فَأَنا احكيها دَائِما
وَقَالَ ابو جَعْفَر عبد الله بن اسماعيل (٩) الامام رَأَيْت ابا بكر الادمي فِي النّوم بعد مديدة من وَفَاته فَقلت مَا فعل الله بك فَقَالَ اوقفني بَين يَدَيْهِ وقاسيت شَدِيدا وامورا صعبة قلت لَهُ فَتلك اللَّيَالِي والمواقف وَالْقُرْآن فَقَالَ مَا كَانَ شىء اضر عَليّ مِنْهَا لانها كَانَت للدنيا قلت لَهُ فالى اي شىء انْتهى امرك قَالَ قَالَ لي الله تَعَالَى آلَيْت على نَفسِي ان لَا اعذب ابناء اليمانين (١٠)
وَكَانَ ابو بكر محبوبا إِلَى النَّاس فَقَالَ كسبت بِالْقُرْآنِ ثَلَاثمِائَة الف دِينَار وَحكي قَالَ لما ولد ابْني (١١) ابو عبد الله قَالَ جِئْت الى مونس المظفر وحدثته
[ ١٧٥ ]
الحَدِيث فوهب لي دَنَانِير كَثِيرَة فَلَمَّا كَانَ بعد مُدَّة سَأَلَني فَقَالَ يَا ابا بكر أيش خبر الصَّبِي الْمَوْلُود فَقلت قد احْتَاجَ الى الْقَمِيص ايها الاستاذ وَهُوَ عُرْيَان فاستدعى الخازن وَقَالَ احضر مَا عنْدك من الْخرق فجَاء بِأَكْثَرَ من عشْرين كارة (١) من الْقصب والديبقي والديباج والعتابى فَقَالَ للخازن اعطه من كل شىء الرّبع فَأَعْطَانِي مَا حمله جمَاعَة من الحمالين وَبعث الْبَاقِي عَن كسْوَة ابْني وَأَهلي بِتِسْعَة الاف دِرْهَم
وقبر ابي بكر عِنْد قبر عمر الزَّاهِد فِي الصّفة الَّتِى تقَابل قبر مَعْرُوف الْكَرْخِي (٢) ﵀
وَفِي هَذِه السّنة كثر موت الْفجأَة بالطاعون فَجَلَسَ اُحْدُ الْقُضَاة بسواده فِي الْجَامِع ليحكم فَمَاتَ
وافتض رجل بكرا فَمَاتَ على صدرها
وَكَانَ كافور الاخشيدي قد ولى شبيب بن جرير الْعقلِيّ (٣) عمان والبلقاء فعلت منزلتهة واشتدت شوكته وغزا الْعَرَب وتتجمعت عَلَيْهِ فعصى على كافور واخذ دمشق وَسَار اليها فِي عشرَة الاف فَخر عَن فرسه مَيتا فَفِي ذَلِك يَقُول المتنبي يمدح كافورا عَدوك مَذْمُوم بِكُل لِسَان وَلَو كَانَ من اعدائك القمران (٤)
قَالَ ابْن جني هَذَا مدح وَيحْتَمل ان يكون هجاء بَان يَجعله مستخلفا سَاقِطا والساقط لَا يعاديه الا مثله وَخرج عَن ذَلِك يَقُول وَللَّه سر فِي علاك وانما كَلَام العدى ضرب من الهذيان
يَقُول فِيهَا برغم شبيب فَارق السَّيْف كَفه وَكَانَا على العلات يصطحبان
اتته المنايا فِي طَرِيق خقية على كل سمع حوله وعيان
وَلَو سلكت طَرِيق السِّلَاح لردها بطول يَمِين واتساع جنان
تقصده الْمِقْدَار بَين صحابه على ثِقَة من دره وامان
وَهل ينفع الْجَيْش الْكثير التفافه على غير مَنْصُور وَغير معَان
وَفِي هَذِه السّنة خلع الْمُطِيع لله على بختيار وقلده امرة الامراء ولقبه عز الدولة
وَعقد لابي عَليّ بن الياس على كرمان وَتزَوج عز الدولة بنته فِي رَجَب
[ ١٧٦ ]
وَفِي رَجَب مَاتَت سريرة الرائقية (١) اشْتَرَاهَا ابْن رائق من ابْنة ابْن حمدون بِثَلَاثَة عشر الف دِينَار وَكَانَت مولدة سمراء حَسَنَة الْغناء
وَلما قتل ابْن رائق تزَوجهَا أَبُو عبد الله الْحُسَيْن بن حمدَان
وَحكى التنوخي ان المهلبي دَعَاهَا وَأظْهر من التجمل مَا اعياه فِي مجالسه وسماطه وتبخر بِمَا زَاد على الْحَد فَقَالَت لَهُ جَارِيَته تجني اننى اراك هود اتزانك حَتَّى ونيت بك فَقَالَ لَهَا وَيحك ان هَذِه قد نشات فِي نعْمَة تستصغر فِيهَا نعم ملكنا فَمَا اريد ان تزري علينا اذا خرجت
وَفِي شعْبَان مَاتَ ابو عَليّ عبد الرحمان بن عِيسَى بن دَاوُد بن الْجراح وَزِير الراضي بِاللَّه
وَحكى ابو مُحَمَّد جَعْفَر بن وَرْقَاء قَالَ دخلت على ابي جَعْفَر الْكَرْخِي بعد تَقْلِيده للوزارة صارفا عَنْهَا لابي عَليّ بن عبد الرحمان بن عِيسَى وَقد كَانَ الراضي بِاللَّه حلف على ان لاينقع من عبد الرحمان بَاقِل من مائَة الف دِينَار وراعاه الْكَرْخِي لحقوق اخيه وانكشف لَهُ ان جَمِيع مَا يملكهُ عشرَة الاف دِينَار فَعدل الى ان قسط تقسيطا على النَّاس بدا فِيهِ بِنَفسِهِ وَالْتزم ثَلَاثمِائَة الف دِرْهَم
قَالَ ابو مُحَمَّد فَدخلت على الْوَزير فَسلم الى الدرج وخاطبني فِي الْتِزَام شىء فَقلت يدعني الْوَزير ادبر الامر فَقطعت الخطوط وكتبت صمن لمولانا امير الْمُؤمنِينَ اطال الله بَقَاءَهُ جَعْفَر بن وَرْقَاء ان يصحح لَهُ لمن يامره بتصحيح ذَلِك عِنْده عَن عبد الرحمان بن عِيسَى مائَة الف دِينَار واخذه اي وَقت امْرَهْ بتصحيحها وَقلت للوزير انفذها مَعَ رَسُول عَاقل ينظر مَا يجْرِي فَعَاد الْخَادِم الَّذِي انفذه وَقَالَ استدعاني الْخَلِيفَة حِين عرض عَلَيْهِ الْحَاجِب الْخط فَدخلت وَهُوَ جَالس على كرْسِي كالمغتاظ وَفِي يَده الرقعة مخرقة فَقَالَ من عِنْد مَوْلَاك فَقلت وَلم اجسر على كذبه جَعْفَر بن وَرْقَاء فَقَالَ لَهُ يَا اعرابي اردت ان ترى النَّاس ان نَفسك تتسع لَا تغرم غمر لَا حُرْمَة لَهُ وَهُوَ خادمي مَا ضَاقَتْ نَفسِي عَن تَركه عَلَيْهِ فتظهر بذلك انك اكرم مني وَالله لَا كَانَ هَذَا قل لمولاك اطلق عبد الرحمان وَترد خطّ هَذَا الاعرابي الجلف واني اكفر عَن يَمِيني وَرمى بالرقعة مخرقة
قَالَ فَقلت للكرخي كَيفَ رأى الْوَزير رَأْيِي وَالله مَا اعتمدت الا ان يَقع فِي نَفسه مثل هَذَا فيفعل مَا فعله لعلمي بجودة عقله وكرم نَفسه وَلَو جرى الامر بِخِلَاف ذَلِك لوزنت جَمِيع مَا املكه واستسمحت الْوَزير وَالنَّاس بعده حَتَّى اقوم بتصحيح المَال فاطلق ابو عَليّ الى منزله
[ ١٧٧ ]
وَفِي هَذِه السّنة ورد الْخَبَر بَان الرّوم خذلهم الله اسروا مُحَمَّد بن نَاصِر الدولة من نواحي حلب واسروا ابا الْهَيْثَم ابْن القَاضِي ابي حُصَيْن بن عبد الملك بن بدر (١) بن الْهَيْثَم وغلمانه من سَواد حران فَكتب ابو فراس الى ابيه ايا رَاكِبًا نَحْو الجزيرة جسرة عذافرة ان الحَدِيث شجون (٢)
تحمل إِلَى القَاضِي سلامي وَقل لَهُ إِلَّا ان قلبِي مذ حزنت حَزِين