وزارة عَليّ بن عِيسَى الثَّانِيَة
فِي صفر وصل عَليّ بن عِيسَى الى بَغْدَاد وانفذ اليه المقتدر فِي ليلته فرشا وثيابا بِعشْرين (١) الف دِينَار وخلع عَلَيْهِ وَسَار من الْغَد بَين يَدَيْهِ كَافَّة القواد الى دَار (٢) بِبَاب الْبُسْتَان (٣) فَاعْتقد الْعَفو عَن من اساء اليه
واشتغل بِالْعَمَلِ لَيْلًا وَنَهَارًا فاستقامت الامور
وَكَانَ الى عبد الله البريدي الضّيَاع الْخَاصَّة ضمانا (٤)
واقطاع الوزارة (٥) الى ابي يُوسُف اخيه الْخراج برا هُرْمُز (٦)
واحضر عَليّ بن عِيسَى الخصيبي وناظره مناظرة جميلَة (٧) واخذ خطه باربعين الف دِينَار
وَمَات ابراهيم المسمعي بالنوبندجان (٨) فقلد عَليّ بن عِيسَى مَكَانَهُ ياقوتا وقلد ابا طَاهِر مُحَمَّد بن عبد الصمد كرمان
وقلد اعملا الاهواز ابا الْحسن احْمَد بن مُحَمَّد بن مانبداذ (٩) فَقَالَ ابو عبد الله البريدي تقلد هولاء هَذِه الاعمال وتقصر باخي ابي يُوسُف على بن مهرمز وَبِي على ضيَاع الوزراء وَكَانَ قد كتب لَهُ بذلك منشورا خُذ يَا بني هَذَا الْكتاب فَمثل عَلَيْهِ فِي الْكتاب فان لطلبي (١) صَوتا تسمعه بعد ايام
وانفذ ابو عبد الله البريدي اخاه ابا الْحُسَيْن الى الحضرة لما بلغه اضْطِرَاب امْر عَليّ بن عِيسَى وَقَالَ لَهُ اضمن اعمال الاهواز اذا ولي الوزارة من يترفق فان عليا عفيف
[ ٥٠ ]
فَلَمَّا ولي ابْن مقلة الوزارة اعطاه عشْرين الف دِينَار حَتَّى ولاه الاهواز ثمَّ صرفه بَابي مُحَمَّد الْحُسَيْن بن احْمَد المادراني (١) فَبَان من تخلفه (٢) مَا صَار بِهِ حَدِيثا
واخذ عَلَيْهِ البريدي الطرقان فَكَانَ كل كتاب يَكْتُبهُ يُؤْخَذ فَمَا قري لَهُ كتاب مُنْذُ دخل الاهواز الى ان خرج عَنْهَا فَصَرفهُ ابو عَليّ بَابي عبد الله البريدي واعترف باحترازه بَطل (٣) المادراني
وَكَانَ اقطاع الوزراء مائَة وَسبعين الف دِينَار بعد نفقاتهم فَلم ياخذ ذَلِك عَليّ بن عِيسَى وَقَالَ ضيعتي تكفيني
وَدخل الرّوم شميشاط وَضرب ملكهم فِي الْجَامِع النواقيس
وَوَقعت وَحْشَة بَين المقتدر بِاللَّه ومونس سَببهَا انه حكى لَهُ ان المقتدر تقدم الى خَواص خدمه بِحَفر زبية تغطي بالقصب فاذا اجتازه مونس وَقع فِيهَا فَهَلَك فَامْتنعَ من المضى الى دَار السُّلْطَان وَركب اليه القواد فيهم عبد الله بن حمدَان وخواته وَقَالَ لَهُ عبد الله (٤) ابْن حمدَان نُقَاتِل بَين يَديك ايها الاستاذ حَتَّى تنْبت لحيتك فكاتبه المقتدر بِاللَّه على يَدي نسيم الشرابي على بطلَان ذَلِك فجَاء وَقبل الارض وَحلف لَهُ المقتدر على صفاء نِيَّته وامره بِالْخرُوجِ الى الرّوم فَخرج وشيعه الامير ابو الْعَبَّاس (٥) وَعلي بن عِيسَى وَنصر الْحَاجِب وَهَارُون بن غَرِيب
وَفِي هَذِه السّنة كَانَ ظُهُور الديلم لما خرج ابْن ابي الساج عَن الرّيّ غلب عَلَيْهَا ليلى بن النُّعْمَان ثمَّ مَا كَانَ بن كَاكِيّ وَدخل هَذَا الرجل (٦) فِي طَاعَة صَاحب خُرَاسَان
وَغلب بعده اسفار بن شيرويه وَكَانَ مزداويج (٧) اُحْدُ قواده فَلَمَّا ظلم اسفار اهل قزوين خرج رِجَالهمْ وَنِسَاؤُهُمْ مستغيثين الى مصلى داعين الله عَلَيْهِ فَخرج عَلَيْهِ مزداويج فَهَزَمَهُ فالجأه مزداويج حِين راى اثار حوافر الْفرس فَدخل عَلَيْهِ فاحتز راسه وَعَاد الى قزوين وَوَعدهمْ الْجَمِيل واظهر الْخَوْف من دُعَائِهِمْ
ثمَّ ان مرداويج (٨) تغلب على الرّيّ واصبهان واساء السِّيرَة باصبهان
[ ٥١ ]
حَاجِبه وعظمت وهيبته وَجلسَ على سَرِير ذهب وَكَانَ ينقص (١) الاتراك وَكَانَ يَقُول (٢) انا سُلَيْمَان وَهَؤُلَاء الشَّيَاطِين وَكَانَ اذا سَار انْفَرد عَنهُ عسكره خوفًا مِنْهُ فاشتق (٣) الْعَسْكَر شيخ على دَابَّة وَقَالَ زَاد امْر هَذَا الْكَافِر وَالْيَوْم تكفونه (٤) وياخذه الله اليه قبل ان تصرم النَّهَار فدهشوا واتبعوه فَلم يجدوه
وَعَاد مزداويج الى دَاره فَنزع ثِيَابه وَدخل الْحمام واطال فهجم عَلَيْهِ الاتراك فَقَاتلهُمْ بكرنيب فضَّة فحزوا راسه بعد ان شَقوا بَطْنه وظنوا انهم قَتَلُوهُ فَلَمَّا دخلُوا عَلَيْهِ ثَانِيًا راوه قد رد حَشْو بَطْنه وامسكها بِيَدِهِ وَكسر جامه الْحمام وهم بِالْخرُوجِ
وَقبض ابْن ابي الساج على كَاتبه ابي عبد الله بن خلف البرقاني (٥) لما عرف سعايته بِهِ وَسلمهُ الى كَاتبه حسن بن هَارُون (٦) وَقَيده واخذ خطه بست مائَة الف دِينَار
وَكَاتب المقتدر ابْن ابي الساج لِحَرْب القرمطي لما عرف خُرُوجه من هجر لثلاث بَقينَ من شهر رَمَضَان واطلق لَهُ من بَيت مَال الْخَاصَّة فِيمَا ينْصَرف الى علوفه بَين وَاسِط والكوفة فَحمل ذَلِك اليه سَلامَة الطولوني وامر عَليّ بن عِيسَى عُمَّال الْكُوفَة باعداد الْميرَة لِابْنِ ابي الساج
وَسَار ابْن ابي الساج من وَاسِط طَالبا الْكُوفَة لليلة بقيت من شهر رَمَضَان
واطلق ابو طَاهِر القرمطي اسارى الْحَاج وَوصل الْكُوفَة فاخذ مَا اعد ليوسف وَهُوَ مائَة كرّ دَقِيقًا والف كرّ شَعِيرًا
ووافى يُوسُف الْكُوفَة بعد وُصُول ابي طَاهِر اليها بِيَوْم وَكَانَ قد (٧) تقَارب عَسْكَر ابْن ابي الساج وعسكر أبي طَاهِر فِي يَوْم ضباب واحس (٨) بِهِ ابو طَاهِر وكف عَنهُ فَالْتَقوا يَوْم السبت لتسْع خلون من شَوَّال على بَاب الْكُوفَة فاحتقر ابْن ابي الساج عَسْكَر ابي طَاهِر وازرى عَلَيْهِم وَتقدم يكْتب كتاب الْفَتْح قبل اللِّقَاء تهاونا بامره
والتفت ابو طَاهِر الى رَفِيق لَهُ وَقد سمع صَوت البوقات والدبادب وَكَانَت عَظِيمَة جدا فَقَالَ مَا هَذَا الزجل (٩) فَقَالَ لَهُ صاحيه فشل فَقَالَ اجل
[ ٥٢ ]
وعبي ابْن ابي الساج رِجَاله وَكَانَ الْقِتَال من ضحى النَّهَار الى غرُوب الشَّمْس فَثَبت يُوسُف ثباتا حسنا وجرح من اصحاب ابي طَاهِر بالنشاب خلق وَكَانَ ابو طَاهِر فِي عمارية مَعَ مِائَتي فَارس من اصحابه فَنزل حِينَئِذٍ وَركب فَسَار وَحمل بِنَفسِهِ وَحمل بِنَفسِهِ وَحمل يُوسُف بِنَفسِهِ واشتبكت الْحَرْب فاسر يُوسُف بن ابي الساج بعد ان ضرب على جنبه ضَرْبَة وَقد اجْتهد بِهِ اصحابه فِي الِانْصِرَاف فابى وَقتل من اصحابه خلق وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ
وَحمل يُوسُف بن عَسْكَر ابي طَاهِر فَضرب لَهُ خيمة وفرشت ووكل بِهِ واستدعى بطبيب يعرف بِابْن السبعي (١) ليعالجه فَقَالَ قد جمد الدَّم على وَجهه واريد مَاء حارا قَالَ فَلم اجد عِنْدهم مَا اسخن فِيهِ المَاء فَغسله بِالْمَاءِ الْبَارِد وعالجه قَالَ الطَّبِيب وسألني يُوسُف عَن اسْمِي واهلي فاخبرته فَوَجَدته بهم عَارِفًا ايام تقلده الْكُوفَة فعجبت من فهمه وَقلة اكتراثه بِمَا هُوَ فِيهِ
وَلما وصل الْخَبَر بَغْدَاد دخل النَّاس كابة عَظِيمَة وعولوا على على الانحدار الى وَاسِط
ثمَّ ورد الْخَبَر بَان ابا طَاهِر رَحل يَوْم الثُّلَاثَاء لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة خلت من شَوَّال قَاصِدا عين التَّمْر فاستأجر عَليّ بن عِيسَى خَمْسمِائَة سميرية وَجعل فِيهَا الف رجل وانفذ بالطيارات والشذات (٢) وحولها الى الْفُرَات واقعد فِيهَا الحجرية لمنع القرمطي من عبور الْفُرَات وَتقدم الى القواد بِالْمَسِيرِ الى الانبار لحفظها
فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة راى اهل الانبار خيل ابي طَاهِر مقبلة فِي الْجَانِب الغربي فَقطعُوا الجسر وَعبر ابو طَاهِر فِي مائَة رجل ونشبت الْحَرْب بَينه وَبَين اصحاب السُّلْطَان وَعقد الجسر وحالف (٣) سَواد الَّذين فِي السفن الى الجسر فاحرقوه فبقى ابو طَاهِر فِي الْجَانِب الشَّرْقِي وَعَسْكَره وسواده فِي الغربي وحالت السفن بَينهمَا
وَورد الْخَبَر الى بَغْدَاد بقتل ابي طَاهِر القواد فَخرج نصر الْحَاجِب وَمَعَهُ الحجرية والرجالة من بَغْدَاد من القواد وَبَين يَدَيْهِ علم (٤) الْخلَافَة وَمَعَهُ ابو الهيجاء عبد الله (٥) بن حمدَان واخوته
فَاجْتمع مَعَ نصر مَا يزِيد على الاربعين الف رجل فَنزل على قنطرة النَّهر الْمَعْرُوف
[ ٥٣ ]
بزبارا بِنَاحِيَة عقرقوف على فرسخين وَلحق بِهِ مُوسَى واشار ابو الهيجاء على نصر الْحَاجِب وعَلى مونس بِقطع نهر (١) زبارا والح عَلَيْهِ فِي ذَلِك فَلَمَّا رَاه متثاقلا عَن قبُول رايه قَالَ لَهُ ايها الاستاذ اقطعها واقطع لحيتي مَعهَا فقطعها حِينَئِذٍ
وَصَارَ ابو طَاهِر وَمن مَعَه من اصحابه فِي الْجَانِب الشرقى من الْفُرَات قَاصِدين نهر زبارا فَلَمَّا صَار على فَرسَخ وَاحِد من عَسْكَر السُّلْطَان اخر يَوْم الِاثْنَيْنِ لعشر خلون من ذِي الْقعدَة بَات مَوْضِعه
وباكر الْمسير الى القنطرة فَوَجَدَهَا مَقْطُوعَة وَتقدم اُحْدُ رِجَاله وَكَانَ (٢) اسود يُقَال لَهُ صبح فَمَا زَالَ النشاب ياخذه حَتَّى صَار كالقنفد وَهُوَ مقدم فراى القنظرة مَقْطُوعَة فَرجع
وَلما علم (٣) اصحاب ابي طَاهِر ان النَّهر لَا يحيض (٤) عَادوا الْقَهْقَرِي من غير ان يولوا ظهْرهمْ وعادوا الى الانبار وَلم يَجْسُر اُحْدُ على اتباعهم
وَكَانَ الراي فِيمَا اشار بِهِ ابو الهيجاء من قطع القنطرة ولولاها لعبر القرمطي غير مستهول لجمع اصحاب السُّلْطَان
وطمع مونس المظفر فِي سوَاده وتخليص ابْن ابي سَاج من اقياده فانفذ بليق (٥) حَاجِبه وَجَمَاعَة من القواد وَسِتَّة الاف من غلْمَان يُوسُف فَبلغ ذَلِك ابا طَاهِر فَانْفَرد من اصحابه مَاشِيا وَعبر فِي زورق صياد وَدفع اليه الف دِينَار فَاجْتمع مَعَ قومه فَلم يثبت لَهُ بليق وبصر ابو طَاهِر (٦) بِابْن ابي الساج وَقد خرج من الْخَيْمَة لما ناداه غلمانه فَقَالَ لَهُ القرمطي طعمت فِي تخليصهم لَك وامر بِهِ فَضربت عُنُقه واعناق من كَانَ مَعَه من الاسرى
واحتال ابو طَاهِر فِي عبور اصحابه من الْجَانِب الشَّرْقِي الى الْجَانِب الغربي وَكَانَ مَعَ ابي طَاهِر سَبْعمِائة فَارس وثمان مائَة راجل
وَتقدم عَليّ بن عِيسَى الى نازوك بالطوف بِبَغْدَاد لَيْلًا وَنَهَارًا لِكَثْرَة العيارين واباح دم من ظهر مِنْهُم وَنقل النَّاس امتعتهم الى مَنَازِلهمْ خوفًا مِنْهُم واكترى وُجُوه النَّاس السفن
[ ٥٤ ]
وَقصد القرمطي هيتا وَبهَا هَارُون بن غَرِيب وَسَعِيد بن حمدَان فَقَاتلا من علا سورها بالمنجنيقات بعد ان قتلوا من اصحابه عدَّة فسكنت نفوس من بِبَغْدَاد
وَتصدق المقتدر (١) بِمِائَة الف دِرْهَم
وبادر عَليّ بن عِيسَى الى المقتدر بِاللَّه وَقَالَ لَهُ انما جمع الْخُلَفَاء الاموال ليقمعوا بهَا الاعداء وَلم تلْحق الْمُسلمين مضرَّة كهذه من هَذَا الْكَافِر الَّذِي اوقع بالحاج سنة اثْنَتَيْ وَعشرَة وثلاثمائة وَلم يبْق فِي بَيت مَال الْخَاصَّة شىء فَاتق الله يَا امير الْمُؤمنِينَ وخاطب السيدة حَتَّى تطلق مَا عِنْدهَا من مَال اذخرته (٢) لشديدة فَهَذِهِ امها (٣) وان لم يكن هُنَاكَ شىء فَالْحق خُرَاسَان
فَدخل الى السيدة فاعطته خمس مائَة الف دِينَار وَكَانَ فِي بَيت مَال الْخَاصَّة مثلهَا
وَاخْبَرْ عَليّ بن عِيسَى بِحَال رجل شيرازي يُكَاتب القرمطي واتباعه فاحضره فاقر انه من اصحابه لم يتبعهُ الا لحق رَآهُ مَعَه وَقَالَ لَهُ لسنا كالرافضة الحمقا الَّذين يدعونَ اماما منتظرا وامامنا فلَان بن فلَان بن اسماعيل بن جَعْفَر فامر بِهِ فحبس بعد الضَّرْب فَامْتنعَ فِي حَبسه من الطَّعَام وَالشرَاب فَمَاتَ بعد ثَلَاثَة ايام
وَكتب القرمطي الى مونس كتابا فِي اخره قُولُوا لمونسكم باراح كن انسا واستتبع الراح سرنايا (٤) ومزمارا
وَقد تثلت عَن شوق تقاذف بِي بَيْتا من الشّعْر للماضين قد سارا
نزوركم لَا نواخذكم بجفوتكم ان الْكَرِيم اذا لم يستزر زارا
وَلَا نَكُون كانتم فِي تخلفكم من عالج الشوق لم يستبعد الدَّار
وَله اشعار كَثِيرَة تركناها لشياعتها