فِي يَوْم السبت ثَالِث (١) الْمحرم خرج مونس الى بَاب الشماسية وَخرج الْجَيْش مَعَه وَعبر اليه نازوك فِي اصحابه وَخرج اليه ابو الهيجاء وَسَائِر القواد ثمَّ انتقلوا الى الْمصلى
وشحن المقتدر دَاره بهَارُون بن غَرِيب وَاحْمَدْ بن كيغلغ والحجرية والرجالة المصافية فَمَا كَانَ اخر النَّهَار حَتَّى مضوا الى مونس
وارسل مونس المقتدر بَان الْجَيْش عَاتب بِمَا يصير الى الخدم وَالْحرم ودخولهم فِي الرَّأْي وهم مطالبون باخراجهم عَن الدَّار فاجابه المقتدر برقعه طَوِيلَة فِيهَا امتعنى الله بك وَلَا اخلاني مِنْك وَلَا اراني سوءا فِيك تاملت الْحَال الَّتِى خرج اولياؤنا وصنائعنا وشيعتنا اليها وتمسكوا بهَا واقاموا عَلَيْهَا فوجدتهم لم يُرِيدُوا الا صِيَانة نَفسِي وَوَلَدي واعزاز امري وملكي بَارك الله عَلَيْهِم واحسن اليهم واعانني على صَالح مَا انويه لَهُم
واما انت يَا ابا الْحسن المظفر لَا خلونا مِنْك فشيخي وكبيري وَمن لَا ازول وَلَا احول عَن الْميل اليه والتوفر عَلَيْهِ والتحقق بِهِ اعْترض مَا بَيْننَا هَذَا الْحَادِث لَو لم يعْتَرض وانتقض هَذَا الامر الَّذِي لحقنا اَوْ لم ينْتَقض وارجو ان لَا تشك فِي ذَلِك ان صدفت نَفسك (٢) وحاسبتها وازلت الظنون السَّبَبِيَّة عَنْهَا ادام الله حراستها
وَمَا وَالَّذِي ذكره اصحابنا من امْر الْحرم والخدم قَول اذا تبينوه حق تبينه وتصفحوه حق تصفحه علمُوا انه قَول جَاف وَالْبَغي فِيهِ على غير مستتر وَلَا خَافَ ولأيثاري موافقتهم واتباعي مصلحتهم (٣) اجبتهم الى المتيسر (٤) فِي امْر هَذِه الطَّبَقَة واتقدم بِقَبض اقطاعاتهم وحظر (٥) تسويغاتهم واخرج من تجوز اخراجه من دَاري وَلَا اطلق اللباقين الدُّخُول فِي تدبيري ورايي واوعز بمكاتبة الْعمَّال فِي اسْتِيفَاء حق بَيت المَال من ضياعهم الصَّحِيحَة الْملك دون مَا يُقَال انه قد (٦) لابسه الريب وَالشَّكّ وَانْظُر لنَفْسي فِي امْر الْخَاصَّة والعامة وابلغ فِي انصافها والاحسان اليها الْغَايَة
واما انتم فمعظم نعمكم منى وَمَا كنت لاعود عَلَيْكُم فِي شىء سمحت بِهِ ورايته فِي وقته واراه الان زهيدا فِي جنب استحقاقكم وانا بتثميره اولى وبتوفيره احرى
[ ٥٨ ]
ونازوك فلست ادري لاي شىء عتب وَلَا لاي حَال استوحش واضطرب فَمَا غيرت لَهُ حَاله وَلَا حزت لَهُ مَالا
وعبد الله بن حمدَان فَالَّذِي احفظه صرفه عَن الدينور وتهيى اعادته اليها ان كَانَ رَاغِبًا فِيهَا وَمَا عِنْدِي لَهُ ولنازوك والعصاة كلهَا الا التجاوز والاتقاء
وَبعد هَذَا وَقَبله فلي فِي اعناقكم بيعَة وَقد وكدتموها على انفسكم دفْعَة بعد اخرى وَمن بايعني فانما بَايع الله سُبْحَانَهُ وَمن نكث فانما نكث عهد الله ولي عنْدكُمْ ايضا نعم واياد وعندكم صنائع وعوارف امل ان تعترفوا بهَا وتلتزموها وتشكروها فان راجعتم الى مَنَازِلكُمْ واستوطنتموها وكنتم بِمَنْزِلَة من لم يبرح من مَوْضِعه وَلم يات بِمَا يعود بتشعث مَحَله وموقعه وان انتم الا مكاشفة وَمُخَالفَة فقد وليتكُمْ مَا توليتم واغمدت سَيفي عَنْكُم ولجات فِي نصرتي ومعونتي الى الله سُبْحَانَهُ وَلم اسْلَمْ الْحق الَّذِي جعله الله تَعَالَى لي واقتديت بعثمان بن عَفَّان ﵁ حِين لم يخرج من دَاره وَلم يسلم حَقه لما خذله عَامَّة ثقافته وانصاره وَالله تَعَالَى بَصِير بالعباد والظالمين بالمرصاد (١)
وَلما وقف مونس ونازوك وابو الهيجاء على الرقعة طالبوه باخراج هَارُون فاخرجه من يَوْمه الاى الثغور الاشامية والجزرية
وَعَاد مونس والجيش الى بَغْدَاد فِي يَوْم عَاشُورَاء وزحفوا الى دَار السُّلْطَان فهرب المظفر بن ياقوت والخدم والحجاب وَابْن مقلة
فَاخْرُج المقتدر والدته وخالته وَحرمه لَيْلًا الى دَار مونس فَدخل حِينَئِذٍ من قطربل الى بَغْدَاد مستترا
واصعد نازوك بغلامه مونس الى دَار ابْن طَاهِر فَفتح لَهُ كافور الْمُوكل بهَا وَسلم اليه مُحَمَّد بن المعتضد بِاللَّه واحرق فِي طَرِيقه دَار هَارُون
وبويع مُحَمَّد بالخلافة بَايعه مونس والقواد ولقب القاهر بِاللَّه
وقلد ابا عَليّ بن مقلة وزارة القاهر واخرد مونس عَليّ بن عِيسَى بن عيس من دَار السُّلْطَان فاطلقه إِلَى منزلَة
وقلد نازوك الحجبة والشرطة
واضاف الى اعمال ابي الهيجاء اعمالا كَثِيرَة
وَمضى بني بن نَفِيس بعد ان وَقع النهب فِي دَار السُّلْطَان الى تربة السيدة بالرصافة فَوجدَ لَهَا هُنَاكَ سِتّمائَة الف دِينَار
[ ٥٩ ]
واشهد المقتدر على نَفسه بِالْخلْعِ الْقُضَاة واخذ القَاضِي ابو عمر (١) الْكتاب فَلم يطلع عَلَيْهِ احدا فَكَانَ هَذَا من اقوى ذرائعه عِنْد المقتدر لما عَاد الى الْخلَافَة
وَسكن النهب عِنْد ولَايَة القاهر وَجلسَ ابْن مقلة بَين يَدَيْهِ وَكتب بخلافته الى الافاق
وَتقدم الى نازوك بقلع خيم الرجالة وَالْمَنْع للحجرية من دُخُول الدَّار فاضطربوا
فَلَمَّا كَانَ يَوْم الِاثْنَيْنِ سَابِع عشر الْمحرم بكر النَّاس الى دَار الْخلَافَة لانه يَوْم الْمركب (٢) وَحضر الْخلق والعسكر باسره وطالبوا بالرزق والبيعة وَلم ينحدر مونس المظفر يَوْمئِذٍ
وهجمت الرحالة تُرِيدُ الصحن التسعيني وَكَانَ نازوك نهى اصحابه عَن معارضتهم اشفاقا من الْفِتْنَة فقاربوا القاهر بِالسِّلَاحِ وَكَانَ جَالِسا فِي الرواق بَين يَدَيْهِ ابْن مقلة ونازوك وابو الهيجاء فانفذ بنازوك ليردهم وَهُوَ مخمور قد شرب ليلته فقصدوه بِالسِّلَاحِ فهرب مِنْهُم فطمعوا فِيهِ وانْتهى بِهِ الْهَرَب الى بَاب كَانَ قد سَده خوفًا من الدُّخُول مِنْهُ فَكَانَ منيته عِنْده فَقَتَلُوهُ وصاحوا مقتدر يامنصور
فهرب كل من فِي الدَّار وصلبوا نازوك عجيبا الْخَادِم على خشب الستارة وبادر الخدم الى ابواب الدَّار فغلقوها لانهم خدم المقتدر وصنائعه
وبادر ابو الهيجاء الْخُرُوج فصاح القاهر بِهِ تسلمني يَا ابا الهيجاء فاخذته الحمية فَقَالَ لَا وَالله لَا اسلمك وَعَاد ابو الهيجاء وَيَده فِي القاهر الى دَار السَّلَام وَقصد الروشن فَوجدَ الرجالة منتظرين فَنزل ابو الهيجاء مَعَه وَقَالَ لَهُ وتربه حمدَان لَا فارقتك يَا مولَايَ اَوْ اقْتُل دُونك
وَمضى ابو اليهجاء الى الفردوس وَنزل سوَاده ومنطقته واعطى ذَلِك غُلَامه واخذ جُبَّة صوف مصرية عَلَيْهِ وَركب دَابَّة غُلَامه وَمضى الى بَاب النوبى فَوجدَ الْجَيْش وَرَاءه وَهُوَ مغلق فَعَاد الى الْقَاهِرَة وَقَالَ هَذَا امْر من السَّمَاء قد حمل راس نازوك الى هُنَاكَ
ودخلا من حَيْثُ خرجا واتيا دَار الأترجة وتاخر عَنْهُمَا فائق وَجه الْقَصعَة واشار على الخدم بقتل ابي الهيجاء وَذكرهمْ عداوته الى المقتدر فاتوه بقسي ودبابيس فَجرد سَيْفه وَنزع جبته وَحمل عَلَيْهِم فاجفلوا مِنْهُ ورموه ضَرُورَة ورماه اُحْدُ الحجرية بنشابة
[ ٦٠ ]
وَهُوَ يُنَادي يال تغلب الْقَتْل (١) بَين الْحِيطَان ايْنَ الْكُمَيْت بن (٢) الدهما فَرَمَاهُ خمار جونة (٣) بسهمين احدهما نظم فَخذيهِ والاخر مَا بترقوته فَانْتزع السِّهَام وَمضى الى بَيت فَسقط فِيهِ قبل ان يصل اليه
فبادره اسود فَضرب يَده فقطعها واخذ سَيْفه وغشية (٨١٤٣) اسود اخر فحز راسه
وَامْتنع المقتدر وَهُوَ بدار ابْن طَاهِر من الْمُضِيّ الى دَار السُّلْطَان وَخَافَ ان تكون حِيلَة عَلَيْهِ فَحَمَلُوهُ على رقابهم الى الطيار
فَلَمَّا حصل فِي دَار الْخلَافَة (٤) سَالَ عَن ابي الهيجاء فَقيل لَهُ هُوَ فِي الاترجة فَكتب لَهُ امانا بِخَطِّهِ وَقَالَ لبَعض الخدم وَيلك بَادر بِهِ لانتم عَلَيْهِ امْرَهْ
فَلَمَّا حصل الْخَادِم فِي الطَّرِيق تَلقاهُ خَادِم اخر براسه فَعَاد الى المقتدر فَعَزاهُ عَنهُ فظهرت كابته وَقَالَ وَيلك من قَتله فغمزه مُفْلِح الاسود فَقَالَ لاادري فكرر انا الله وانا اليه رَاجِعُون وَظهر من حزنه عَلَيْهِ امْر عَظِيم
وَكَانَ ابو الهيجاء فِي الشجَاعَة بِمَنْزِلَة كَبِيرَة حكت عَنهُ احدا حظاياه انه كَانَ يواقعها فِي سفر فجَاء السَّبع الى بَاب مضربه فَجرد سَيْفه وَحمل عَلَيْهِ واتاها براسه وَعَاد الى الْحَال الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا لم فقتر شَهْوَته وَلم تكل الته
واتى المقتدر بالقاهر واستدناه وَقبل جَبينه والقاهر يَقُول نَفسِي نَفسِي يَا امير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ لَهُ لَا ذَنْب لَك لانك اكرهت ووحق رَسُول الله ﷺ لاجرى عَلَيْك سوء مني ابدا فاطمان
وَشهر بِبَغْدَاد راس نازوك وابي الهيجاء وَنُودِيَ عَلَيْهِمَا هَذَا جَزَاء من كفر نعْمَة مَوْلَاهُ وَعَاد ابم مقلة الى الوزارة وَكتب باعادة الْخلَافَة الى المقتدر
وَحكي ان بدر بن الهيم القَاضِي ركب لتهنئة رُجُوع الْخلَافَة الى المقتدر بِاللَّه وَقَالَ لِابْنِ مقلة بَين ركبتي هَذِه وركبة ركبتها مائَة سنة لانني ركبت للتعزية بوفاة المامون سنة سبع عشرَة (٨٢٤٤) وَمِائَتَيْنِ (٨٣٢) مَعَ ابي وَقد ركبت الْيَوْم للتهنئة بِعُود المقتدر سنة سبع عشرَة وثلاثمائة (٩٢٩) وَتُوفِّي بدر بعد ايام وَسنة مائَة واثنتا عشرَة سنة
[ ٦١ ]
وجددت الْبيعَة على النَّاس فاطلق للفرسان زِيَادَة ثَلَاثَة دَنَانِير فِي الشَّهْر وللرجال زِيَادَة دِينَار ونفذت الاموال فِي عطياتهم حَتَّى بِيعَتْ الالات وَالْكِسْوَة
واشهد المقتدر بِاللَّه على نَفسه بتوكيل عَليّ بن الْعَبَّاس النوبختي فِي بيع الضّيَاع وَحضر عَليّ بن عِيسَى فَقَامَ اليه ابْن مقلة وَشَاهد البيع فَانْتهى الى بيع ضيَاع جِبْرِيل وَالِد بختيشوع وَقد بِيعَتْ بِثمن نزر فَقَالَ لَا اله الا الله حَدثنِي شَيخنَا ابو الْقسم عِيسَى ابْن دَاوُد يَعْنِي اباه ان المتَوَكل ﵀ لما غضب على بختيشوع انفذ لاحصاء مَا فِي دَاره فَوجدَ فِي خزانَة كسوته وعقة فِيهَا ثمن ضيَاعه مبلغ ذَلِك بضعَة عشرَة الاف الف دِرْهَم
وخلع المقتدر على ابْن مقلة وكناه وقلد ابا عمر قَضَاء الْقُضَاة وَكتب عَهده
واوقع فِي هَذِه السّنة القرمطي الحجيج فِي الْمَسْجِد الْحَرَام وَقتل امير مَكَّة (٢) وَقلع الْحجر الاسود وسلبت الْبَيْت واصعد رجلا من اصحابه ليقلع الْمِيزَاب فتردى فَهَلَك وَطرح الْقَتْلَى بزمزم والقى من بَقِي فِي الْمَسْجِد واخذ الاموال وَحمل الْحجر الى بَلَده (٣)
قَالَ المقتدر قَالَ لي عقيل بن عِصَام الْعقيلِيّ بقرية الروذه من الدجيل حَدثنِي ابي انه راى ابا طَاهِر وَبَين يَدَيْهِ خَمْسُونَ يضْربُونَ الرّقاب فَقتل من الحجيج نَحْو عشرَة الاف (٨٣٤٤) وَهُوَ يَقُول لوكان هَذَا الْبَيْت بيتالربنا لصب علينا النَّار من فَوْقنَا صبا
وانا تركنَا بَين زَمْزَم والصفا جنائزلاتبغي سوى كسبها رَبًّا (٤)
لَعنه الله واتباعه لعنا وبيلا
واتى اهل مَكَّة على من عِنْدهم من الْحجَّاج فَقَتَلُوهُمْ وسلبوهم وقلد ابْنا وائق شرطة بَغْدَاد مَكَان نازوك
وَورد ياقوت من فَارس فَخلع المقتدر عَلَيْهِ وعَلى ابْنه المظفر وَولي مَكَانَهُ نجح الطولوني بقارس وكرمان
[ ٦٢ ]
وعزل ياقوت وَجعل الاشراف بهَا لِابْنِ ابي مُسلم (١) وَانْحَدَرَ بعد ذَلِك مونس الى المقتدر فَخلع عَلَيْهِ ونادمه وساله فِي ام مُوسَى الهاشمية وَفِي ام دستنبوية فاجيب ووصلت سَبْعَة الاف دِينَار ورتب على بن عِيسَى فِي الْمَظَالِم وَجعلت الدَّوَاوِين اليه وفيهَا فتح هَارُون بن غَرِيب شهرزور وطالبهم بخراج عشْرين سنة عصوا فِيهَا وصالحوه على سَبْعَة وَثَلَاثِينَ الف دِينَار ومائتي الف دِرْهَم وفيهَا رتب الحجرية على ابْن مقلة وضربه بالدبابيس فافلت مِنْهُم وفيهَا ملك اصحاب مَا كَانَ الديلمي قاسان
سنة ثَمَانِي عشرَة وثلاثمائة (٢) زَاد امْر الرِّجَال (٣) وَكثر تسحبهم وادلالهم بانهم كانوالسبب فِي عود المقتدر الى دَاره وطالب الفرسان بِالْمَالِ فاحتج عَلَيْهِم السُّلْطَان بانه يصرف الى الرجل (٣) فِي كل شهر مائَة وَثَلَاثِينَ الف (٨٤٤٥) دِينَار
وَركبت الفرسان مَعَ مُحَمَّد بن ياقوت فطردوهم واوقع بالسودان بِبَاب عمار وَحرق دُورهمْ فهربت الرِّجَال الى وَاسِط وَرَئِيسهمْ نصر السَّاجِي فغلبوا عَلَيْهَا فانحدر مونس فاوقع بهم فَلم ترْتَفع لَهُم راية بعد ذَلِك
وَكَانَ بَين مُحَمَّد بن ياقوت ومونس تبَاعد فَلَمَّا يَله مونس ابْن مقلة عَادَاهُ بالانضمام اليه وَقبض على الْوَزير سُلَيْمَان بن الْحسن حِين عرفت اضافته وَكَثُرت المطالبات لَهُ فَكَانَت مُدَّة وزارته سنة وشهرين (٤)
وزارة ابي الْقسم عبد الله بن مُحَمَّد الكلوذاني (٥)
كَانَت فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ سَابِع رَجَب واقرضه ابْن قرَابَة مِائَتي الف دِينَار بربج دِرْهَم فِي كل دِينَار
وَملك مزداويج (٦) الْجَبَل باسره الى حلوان وَانْهَزَمَ هَارُون بن غَرِيب الى دير العاقول
[ ٦٣ ]
وَاسْتَأْمَنَ يشكرى الدليمي الى هَارُون وَهُوَ من اصحاب اسفار وَانْهَزَمَ بانزامه وصادر شكرا (١) اهل نهاوند فِي اسبوع على ثَلَاثَة آلَاف الف دِرْهَم وانبث (٢) الاخبار وصادر اهل الكرج وَملك اصبهان وَكَانَ بهَا احْمَد بن كيغلغ فَخرج هَارِبا فِي ثَلَاثِينَ نفسا
فَكَانَ لاحمد من الِاتِّفَاق العجيب ان لشكري تبعة الى قَرْيَة فعاون اهلها احْمَد وتقارب احْمَد ولشكري فَضَربهُ احْمَد ضربه قدمت مغفرتة وخوذته وَنزلت فِي راسه فَقتلته وَانْهَزَمَ اصحابه وَسن احْمَد يَوْمئِذٍ سَبْعُونَ (٨٥٤٥) سنة
وَركب الكلوذاني فِي طيارة فرجمه قوم من الْجند طلبُوا ارزاقهم فَجعل ذَلِك سَببا لاغلاق بَابه وَولي بعده الْحُسَيْن بن الْقسم الْكَرْخِي
وزارة الْكَرْخِي
كَانَ بِبَغْدَاد رجل يعرف بالدانيالي يظْهر كتبا عتقا وينسبها الى دانيال النَّبِي ﵇ ويودع تِلْكَ الْكتب اسماء قوم (٣) وحلاهم فَاسْتَوَى جاهه وَقَامَت سوقه بَين اهل الدولة وَعند القَاضِي ابي عمر وَابْنه (٤)
وَذكر المفلح (٥) الاسود انه من ولد جَعْفَر ابْن ابي طَالب فنفق بذلك عَلَيْهِ واخذ مِنْهُ مَالا كثيرا واشار عَلَيْهِ ابْن زنجا باثبات صفة الْحُسَيْن بن الْقسم وَذكر الجدري الَّذِي فِي وَجهه والعلامات (٦) الَّتِي فِي شفته الْعليا فَكتب ذَلِك وانه ان وزر للثامن (٧) عشر من ولد الْعَبَّاس واستقامت (٨) اموره فَعمل دفترا وَذكر ذَلِك فِي تضاعيفه وعتقته فِي التِّبْن وَجعله تَحت خفَّة ومشي عَلَيْهِ حَتَّى اصفر وَعتق
قَالَ ابْن زنجي فلولا معرفتي من عمله لَهُ لم اشك فِي انه قديم وَحمله الى مُفْلِح فعرضه على المقتدر فَقَالَ لَهُ اتعرف (٩) هَذِه الصّفة لمن قَالَ لَا اعرفها الا للحسين بن الْقسم قَالَ فاستدعه وشاوره
قَالَ ابْن زنجي ثمَّ ان الدانيالي طالبني بالمكافأة فَقلت حَتَّى يتم الامر
[ ٦٤ ]
فَلَمَّا ولي الْحُسَيْن الوزارة ولاه الْحِسْبَة واجرى لَهُ مِائَتي دِينَار فِي الشَّهْر
وسعى لَهُ بليق (١) فِي الوزارة وتقلدها يَوْم الْجُمُعَة لليلتين بَقِيَتَا من شهر رَمَضَان فتشاغل (٨٦٤٦) عَن الْجُلُوس بالتهنئة لجمع الاموال الَّتِي يحْتَاج اليها فِي نَفَقَة الْعِيد وَصَارَ اليه عَليّ بن عِيسَى وهنأه
وَكَانَت دمنه تَعْنِي بامر الْحُسَيْن فَكَانَت توصل رقاعة وَكَانَت حظية عِنْد المقتدر فَكَانَ يخدمها ويخدم ابْنهَا الامير ابا احْمَد اسحاق فِي كل يؤم بِمِائَة دِينَار
واختص بِهِ بَنو البريدي وابو بكر بن قرَابَة واقرضه اموالا بِرِبْح دِرْهَم فِي الدِّينَار
واختص بِهِ جَعْفَر بن وَرْقَاء فقلد ابا عبد الله مُحَمَّد بن خلف النيرماني (٢) اعمال الْحَرْب وَالْخَرَاج والضياع يحلوان وَغَيرهَا من مَاء الْكُوفَة وَلبس القباء وَالسيف والمنطقة وَتسَمى بالامارة
وَسَأَلَ فِي اخراج عَليّ بن عِيسَى الى مصر فدافع عَنهُ مونس وَقَالَ انه شيخ نرْجِع (٣) الى رايه حَتَّى احدرة الى الصافية وبتدأ مونس فِي الإستحاش
وَبلغ الْحُسَيْن ان مونسا عَليّ كبسه لَيْلًا فَكَانَ ينْتَقل فِي كل لَيْلَة الى مَكَان خوفًا مِنْهُ وراسل مونس المقتدر فِي صرف الْحُسَيْن عَن الوزارة فاجابه
وسعلى الْحُسَيْن بمونس وَقَالَ المقتدر انه قد عزم على ان يخرج الامير ابا الْعَبَّاس الى الشَّام ويقرر لَهُ الْخلَافَة
وَكتب الْحُسَيْن الى هَارُون بن غَرِيب وَهُوَ بدير العاقول يَأْمُرهُ بالمبادرة (٤) فاستوحش مونس واظهر الْغَضَب وَسَار فِي اصحابه الى الْموصل
وَجَاء بشرى (٥) خَادِم شَفِيع برسالة الى المقتدر فشتمه الْحُسَيْن وَشتم صَاحبه وضربه بالمقارع واخذ خطة بثلاثمائة الف دِينَار
وَوَقع الْحُسَيْن بِقَبض املاك مونس وضياع اسبابه وافرد لَهُ ديوانا سَمَّاهُ ديوَان الْمُخَالفين (٨٧٤٦) وزاذ مَحل الْحُسَيْن من المقتدر فَكَانَ ينفذ لَهُ الطَّعَام من بَين يَدَيْهِ ولقبه عميد الدولة وامر بِذكر لقبه على الدَّنَانِير
[ ٦٥ ]
وقلد ابا يُوسُف مُحَمَّد بن يَعْقُوب البريدي (١) الْبَصْرَة وَالْقِيَام بنفقتها فَتقدم الى الْكتاب باخراج خراج الْبَصْرَة فاخرجوه من صَلَاة الْفجْر الى عتمة يَوْمه فَاحْضُرْ البريدي وَوَافَقَهُ على ذَلِك واخذ خطة بِالْقيامِ بِمَال الاولياء بِالْبَصْرَةِ وان ترَتّب لحفظ السُّور زِيَادَة على من عَلَيْهِ الف رجل وان يحمل بعد النَّفَقَات سبعين الف دِينَار وَحمل الْخط الى الْوَزير متبجحا بِهِ فَلم يَقع من الْوَزير بموقع وَظن انه وبخه بذلك
وَعرف المقتدر فَوَقع موقعه عِنْده وَغلط على الْحُسَيْن فخافه الْفضل بن جَعْفَر فاستتر مِنْهُ عِنْد ابْن قرَابَة فقلد الْحُسَيْن الدِّيوَان ابا الْقَاسِم الكلوذاني
وجد ابو الْفَتْح فِي طلب الوزارة
وصودر ابْن مقلة عِنْد بعد مونس عَن مِائَتي الف دِينَار
واراد الْحُسَيْن مصادرة عَليّ بن عِيسَى وَهُوَ بالصافية مُقيم فَمنع مِنْهُ هَارُون بن غَرِيب وَكَانَ بدير العاقول
وَوصل هَارُون الى دَار السُّلْطَان فلقي المقتدر وَسَأَلَهُ فِي ابْن مقلة فحط عَنهُ خمسين الف دِينَار فَانْصَرف الى دَاره فقصده الْوَزير وابنا رايق وَمُحَمّد بن ياقوت ومفلح وشفيع ٢
واخذ ابْن مقلة فِي استماحه النَّاس ففضل لَهُ عَن الَّذِي صودر عَلَيْهِ عشرُون الف دِينَار فَابْتَاعَ بهَا ضيَاعًا وَقفهَا على الطالبين وَكَانَ ابتاعها باسم عبد الله بن عَليّ الْمقري (٢)
وَقبض المقتدر على ابي احْمَد بن المكتفي وَمُحَمّد بن المعتضد (٨٨٤٧) فاعتمد السيدة مُرَاعَاة مُحَمَّد وأهدت اليه الْجَوَارِي وراعته فِي نَفَقَته واعتقلا بدار السُّلْطَان
واشتدت الاضاقة بالحسين فَبَاعَ ضيَاعًا بخمسائة الف دِينَار واستسلف من مَال سنة عشْرين وثلاثمائة (٩٣٢) قبل افتتحاحها فاخبر هَارُون (٣) حَالَة المقتدر فَكتب للخصيبي امانا فَظهر فخوطب بالوزارة فَذكر ان الْحُسَيْن استسلف من مَال سنة عشْرين قِطْعَة (٤) وافرة وانه لايغر السُّلْطَان من نَفسه فولاه ديوَان الازمة واجرى لَهُ ولكتابه الف دِينَار وَسَبْعمائة دِينَار فِي كل شهر واقر الْحُسَيْن على الوزارة وخلع عَلَيْهِ ليزول الارجاف عَنهُ
وَاجْتمعَ الْحُسَيْن والخصيبي فاخذ الْحُسَيْن يعانزة (٥) والخصبي مُمْسك فَلَمَّا بلغ
[ ٦٦ ]
ذَلِك المقتدر انحل امْر الْحُسَيْن عِنْده فَقبض عَلَيْهِ فَكَانَت وزارته سَبْعَة اشهر (١)
وزارة ابي الْفَتْح الْفضل بن جَعْفَر
خلع عَلَيْهِ لليلتين بَقِيَتَا من شهر ربيع الاخر
وصادر الْحُسَيْن فِي نوب اخذ مِنْهُ فِي احدها اربعين الف دِينَار ثمَّ ابعده الى الْبَصْرَة واقام لَهُ فِي كل شهر خَمْسَة آلَاف دِرْهَم
وانفذ مزداويج رَسُولا يسْأَل ان يقاطع عَن الاعمال فاجيب وتكفل هَارُون بن غَرِيب بامره وَكتب لَهُ الْعَهْد وانفذ اليه اللِّوَاء وَالْخلْع وَمَشى الْوَزير ابو الْفَتْح الامور بِمِائَة الف دِينَار الزمت للبريدي وَنفى ابْن مقلة الى شيراز
وَمَات ابو عمر القَاضِي فأغرى ابو بكر بن قرَابَة بورثته وَقَالَ للمقتدر هَا هُنَا من (٨٩٤٧) يُعْطي مائَة الف دِينَار لقَضَاء الْقُضَاة
فأنفذ المقتدر بكاتب الى ابي الْحُسَيْن مَعَه وعرفه الْحَال فَأتوهُ وَهُوَ فِي العزاء فأمسكوه فَقَالَ ابْن قرَابَة مَا لهَذَا حَضَرنَا قُم مَعنا حَتَّى نخلوا فَنَهَضَ وَاسْتوْفى عَلَيْهِ ابْن قرَابَة الْخطاب فَقَالَ ابْن (٢) الْحُسَيْن ان نعمنا من امير الْمُؤمنِينَ واسأله ان يمهلنا يَوْمه
فَلَمَّا كَانَ بالْعَشي وَكَانَ شهر رَمَضَان مضى الى دَار ابْن قرَابَة فَدخل والمائدة بَين يَدَيْهِ وَعِنْده البريديون فَأكل قَاصِدا لاستكفاء شَره وَقَالَ قد جئْتُك مستسلما اليك وتدبرني بِمَا ترى
وَقرب مِنْهُ البريديون وَقَالُوا متوجعين لَهُ عندنَا ثَلَاثَة الاف دِينَار نعينك بهَا واستصوبوا قَصده لِابْنِ قرَابَة فَقَالَ لَهُ ابْن قرَابَة امْضِ مصاحبا وَتعطف عَلَيْهِ المقتدر بِاللَّه وعاونه (٣) البريديون واخوانه فقلده قَضَاء الْقُضَاة
وَوصف المقتدر لِابْنِ قرَابَة ماهو فِيهِ من الاضاقة فَقَالَ لَهُ لم لَا يعاونك ابْن خَالك هَارُون بن غَرِيب وَعِنْده آزاج (٤) مَمْلُوءَة دَنَانِير فَقَالَ هَارُون لَو كنت املك شَيْئا لما بخلت بِهِ عَن امير الْمُؤمنِينَ لَان سلامتي معقودة بسلامته وَلَكِن مَعَ ابْن قرَابَة من المَال مالايحتاج اليه وانا استخرج لَك مِنْهُ خمس مائَة الف دِينَار فَقَالَ اذْهَبْ فتسلمه فَقبض عَلَيْهِ وَجرى عَلَيْهِ من الْمَكْرُوه مَا اشفى بِهِ عَن التّلف حَتَّى قتل المقتدر بِاللَّه فخلص
[ ٦٧ ]
وَحكى ابْن سِنَان ان ابْن قرَابَة كَانَ صديقا لابيه فَدخل عَلَيْهِ بعد مَا صودر فَقَالَ لَهُ خلطت حَتَّى صودرت وَقد حصل لي الان مَا يرْتَفع مِنْهُ عشرُون الف دِينَار فِي السّنة خَالِصَة لي لي من الاملاك مَا لَيْسَ لأحد مثله وَمن الالات والفرش والمخروط والصيني والجوهر مَا لَيْسَ لَاحَدَّ وَكَذَلِكَ من الرَّقِيق والخدم والغلمان والكراع وَمَعِي ثَلَاثمِائَة الف دِينَار صَامت لَا احْتَاجَ اليها وبيني وَبَين ابْن مقلة مَوَدَّة وَهُوَ مقدم من فَارس وزيرا فَهَل ترى لي ترك التَّخْلِيط وَلُزُوم رب النِّعْمَة واصلاحها
فَقَالَ لَهُ ابْن (١) سِنَان (٢) مَا رَأَيْت أعجب من امرك انما يسْأَل عَن الامر الْخَفي واما عَن الْوَاضِح الْجَلِيّ فكلا وَبعد اعقبك فَائِدَة واثمرك صلاحا فلازمه والا فَكف عَنهُ وايضا فان الانسان يكد ليحصل لَهُ بعض مَا حصل لَك وَقد اتاك هَذَا وادعا فاشكر الله وتمتع بنعمتك الَّتِى انْعمْ الله سُبْحَانَهُ بهَا عَلَيْك فَقَالَ صدقت وَنَصَحْت وَلَكِن لي نفس مشومة لَا تصبر وسأعود مَا كنت فِيهِ
فَلَمَّا خرج ابْن سِنَان من عِنْده قَالَ لَا يَمُوت ابْن قرَابَة الا فَقِيرا اَوْ مقتولا
وَلما ورد مونس وَكَانَ هَارُون بن غَرِيب قد وكل بِهِ غلْمَان وَقَيده وامرهم باخراجه الى وَاسِط فَقتل المقتدر بِاللَّه ﵀ فِي ذَلِك الْيَوْم فهرب الموكلون بِهِ وَبَقِي مَعَه خادمان وَكَانَ ابْن قرَابَة اشتراهما لهارون فتعطفا عَلَيْهِ وصارا بِهِ الى الفرضة (٣) وادخلاه مَسْجِدا بهَا واحضرا حدادا فَكسر قيوده وَمَشى الى منزله بسويقة غَالب ووهبا لَهُ خَمْسمِائَة دِينَار
ثمَّ اداه التَّخْلِيط الى ان قبض عَلَيْهِ القاهر فازال نعْمَته وَقبض املاكه وهدمت دَاره واراد قَتله فَزَالَ امْر القاهر فَعَاد الى تخليطه وَمضى الى البريدي (٤) لما خالفوا السُّلْطَان
وَمضى الى معز الدولة من نهر ديالي وصودر حَتَّى لم يبْق لَهُ بَقِيَّة واضطر الى ان خدم نَاصِر الدولة فِي كل شهر بِمِائَة دِينَار وَكَانَ ينْفق امثالها وَمَات بالموصل
وَفِي ذِي الْحجَّة من هَذِه السّنة عقد المقتدر لابي الْعَلَاء سعيد بن حمدَان على الْموصل وديار ربيعَة
وَفِي هَذِه السّنة توفّي ابو الْقسم الْبَلْخِي الْمُتَكَلّم (٥) صَاحب المقالات وَالتَّفْسِير ببلخ
[ ٦٨ ]
وفيسنة عشْرين وثلاثمائة كَاتب الْحُسَيْن بن الْقسم دَاوُد وَسَعِيد ابْني حمدَان وَالْحسن (١) بن عبد الله بن حمدَان بمحاربة مونس فَامْتنعَ دَاوُد من لِقَاء مونس لانه لم يزل محسنا اليه فَمَا زَالَ بِهِ اهله حَتَّى لقِيه وَقَالَ هَذِه تغسل مَا فعله الْحُسَيْن بن حمدَان وابو الهيجاء فَكَانَ يَقُول وَالله اني اخاف ان يجي سهم نجار فَيَقَع فِي حلقي فَيَقْتُلنِي فَكَانَ حَاله كَذَلِك قتل وَحده بِسَهْم
وَكَانَ بَنو حمدَان فِي ثَلَاثِينَ الْفَا ومونس فِي ثَمَانمِائَة رجل فَانْهَزَمُوا وتعجب مونس من محاربة دَاوُد لَهُ وَكَانَ يَقُول يَا قوم فِي حجري ختن ولي عَلَيْهِ من الْحُقُوق مَا لَيْسَ لابيه
وَملك مونس اموال بنى حمدَان وَاسْتولى على الْموصل وَكثر خُرُوج النَّاس اليه
وَلما اقام بهَا تِسْعَة اشهر حمله من خرج اليه على الانحدار الى الحضرة وَبلغ الْجند بهَا انحداره فشغبوا وطالبوا بارزاقهم فاطلق لَهُم المقتدر ذَلِك واخرج مضرب الدَّم الى بَاب الشماسية
وتراجعت طلائع المقتدر وَبهَا سعيد بن حمدَان وَمُحَمّد بن ياقوت ومونس الورقاني (٢)
واجتهد المقتدر بهَارُون ان يخرج للحرب
وَجَاء مُحَمَّد بن ياقوت والوزير الْفضل بن جَعْفَر الى المقتدر ومعهما ابْن رائق ومفلح وَقَالُوا ان الرِّجَال لَا تقَاتل الا بِالْمَالِ وسالوه فِي مِائَتي الف دِينَار من جِهَته وجهة والدته فَقَالَ لَيْسَ الى ذَلِك وَجه وَتقدم باصلاح الشذآت والطيارات لينحدر (٣) هُوَ وَحرمه الى وَاسِط فَقَالَ لَهُ مُحَمَّد بن ياقوت اتَّقِ الله يَا امير الْمُؤمنِينَ وَلَا تسلم بَغْدَاد بِغَيْر حَرْب وان رجال مونس ان رأوك احجموا عَن الْقِتَال فَقَالَ لَهُ انت وَالله رَسُول ابليس
وَركب المقتدر وَمَعَهُ هَارُون بن غَرِيب وَمُحَمّد بن ياقوت وَسَائِر القواد وَعَلِيهِ الْبردَة وَبِيَدِهِ الْقَضِيب وَبَين يَدَيْهِ ابْنه الامير ابو عَليّ والانصار حافون بِهِ مَعَهم الْمَصَاحِف منشورة والقراء يقراون الْقُرْآن وَكثر الدُّعَاء لَهُ واصعد الى الشماسية ووقف على مَوضِع عَال
واشتبكت الْحَرْب ومونس بالراشدية لم يحضرها وَثَبت هَارُون وَمُحَمّد (٤) وَصَارَ
[ ٦٩ ]
ابو الْعَلَاء سعيد بن حمدَان برسالتهما الى المقتدر يسألانه الْحُضُور ليشاهده اصحاب مونس فيستأمنون فَلم يجبهُ
وَتَتَابَعَتْ رسلهما حَتَّى كَانَ اخرهم مُحَمَّد بن احْمَد القراريطي كَاتب هَارُون وَهُوَ لَا يُجِيبهُمْ ووقف على ظهر دَابَّته ووراءه الْوَزير ابو الْفَتْح ومفلح وخواص غلمانه فَلَمَّا الحوا عَلَيْهِ وَقَالُوا ان الغلمان يؤثرون رُؤْيَة امير الْمُؤمنِينَ
فَمضى حِينَئِذٍ كَارِهًا الْمُضِيّ وَمَعَهُ مُفْلِح وتخلف عَنهُ الْوَزير فَلَمَّا قَارب دجلة انهزم اصحابه قبل وصولهم واستؤسر احْمَد بن كيغلغ وَجَمَاعَة القواد وَآخر من ثَبت مُحَمَّد بن ياقوت
وَلَقي المقتدر عَليّ بن بليق (٢) فترجل لَهُ وَقبل الارض بَين يَدَيْهِ ووافى البربر من اصحاب مونس فاحاطوا بالمقتدر وضربه رجل مِنْهُم ضَرْبَة فَسقط مِنْهَا وَقَالَ وَيحكم اني الْخَلِيفَة فَقَالُوا فلك نطلب واضجعوه وذبحه احدهم بِالسَّيْفِ وَطرح اُحْدُ اصحابه نَفسه عَلَيْهِ فذبح ايضا وَرفع (٣) راسه على خَشَبَة وسلب ثِيَابه حَتَّى مر بِهِ اكار فستره بحشيش وحفر لَهُ وَدَفنه وَعفى اثره (٤)
وَنزل عَليّ بن بليق (٣) وابوه فِي الْمضَارب وانفذ الى دَار السُّلْطَان من يحفظها
وَانْحَدَرَ مونس الى الشماسية فَبَاتَ بهَا
وَمضى عبد الواحد بن المقتدر ومفلح وَهَارُون وَمُحَمّد (٥) وابناء رائق على ظهر خيولهم الى الميدان
وَكَانَ مَا فعله مونس من ضرب وَجه المقتدر بِالسَّيْفِ سَببا لجرأة الاعداء على الْخُلَفَاء
وَكَانَت مُدَّة وزارة ابي الْفَتْح لأمير الْمُؤمنِينَ المقتدر بِاللَّه ﵀ خَمْسَة اشهر وَعشْرين يَوْمًا
وَلما حمل رَأس المقتدر الى مونس بَكَى وَقَالَ وَالله لَنَقْتُلَنَّ كلنا وَالصَّوَاب ان نرتب مَكَانَهُ ابْنه ابا الْعَبَّاس فتسخو نفس جدته السيدة باخراج المَال
فَثنى رَأْيهمْ ابو يَعْقُوب اسحاق بن يَعْقُوب (٦) النوبختي (٧) وَقَالَ الصَّوَاب ان توَلّوا القاهر مُحَمَّد بن المعتضد بِاللَّه مِقْدَارًا استقامة امْرَهْ مَعَه فَكَانَ الامر على خلاف مَا حسب
[ ٧٠ ]