قد ذكرت ميل ابي عبد الله مُحَمَّد بن دَاوُد بن الْجراح صَاحب الدِّيوَان الى ابْن المعتز فَلَمَّا لم يجد عِنْد الْوَزير مَا يُريدهُ عدل الى الْحسن بن حمدَان فاشار عَلَيْهِ بالمعاضدة على فسخ (١) امْر المقتدر بِاللَّه وتمهيد حَال ابْن المعتز وبادر الْحُسَيْن (٢) بن حمدَان الى الْوَزير الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن وَقد ركب من دَاره بدرب عمار عِنْد الثريا الى بستانه الْمَعْرُوف ببستان الْورْد عِنْد مقسم المَاء فاعترضه بِالسَّيْفِ فَقتله وَقتل مَعَه فاتكا المعتضدي وَكَانَ المقتدر بِاللَّه قد ركب لمشاهدة اجراء الْخَيل فَسمع الضجة فبادر الى الدَّار وَكَانَ الْحُسَيْن قد قصد للفتك بِهِ واغلقت الابواب دونه فَانْصَرف الى المخرم وَجلسَ فِي دَار سُلَيْمَان بن وهب وَعبر اليه ابْن المعتز وَكَانَ نزل بداره على الصراة وَحضر ارباب الدولة من الْكتاب والقواد ولاقضاة فَبَايعُوهُ ولقبوه المرتضى بِاللَّه
واستخفى ابْن الْفُرَات واستوزر ابْن المعتز ابْن الْجراح وَمضى ابْن حمدَان الى دَار الْخلَافَة فقابله (٣) الخدم والغلمان على سورها ودفعوه
وَكَانَ مَعَ المقتدر بِاللَّه غَرِيب الْحَال (٤) ومونس الْخَادِم الَّذِي لقبه بالمظفر ومونس الخازن
وَلما جن اللَّيْل مضى ابْن حمدَان باهله وَمَاله واصعد الى الْموصل واصعد غَرِيب الْخَال ومونس المظفر فِي الزبازب الى المخرم فهرب النَّاس من عِنْد ابْن المعتز وَخرج وَحده واستجار بِابْن الْجَصَّاص
واستتر عَليّ بن عِيسَى وَابْن الْجراح عِنْد بقلى فاخرجهما الْعَامَّة وسبوهما وسلموهما إِلَى خَادِم اجتاز بهم فحملهما على بغل
وَقتل مونس المظفر جَمِيع من بَايع ابْن المعتز غير عَليّ بن عِيسَى وَابْن عبدون والقاضى مُحَمَّد بن خلف بن وَكِيع
وانفذ المقتدر بِاللَّه مونسا الخازن لطلب ابْن الْفُرَات وَكَانَ قد استتر عِنْد جِيرَانه فَكَتَمُوهُ امْرَهْ فَحلف لَهُم ان السُّلْطَان يُرِيد ان يستوزره فاظهروه وَحمله الى الْخَلِيفَة فولاه وزارته
[ ٥ ]
ونم خَادِم (١) لِابْنِ الْجَصَّاص بِخَبَر ابْن المعتز الى صافي الحرمي فكبس عَلَيْهِ واخذه واخذ ابْن الْجَصَّاص مَعَه فصودر على اموال جمة وسال ابْن الْفُرَات فِيهِ
واستنقذ ابْن الْفُرَات عَليّ بن عِيسَى وَمُحَمّد بن وَكِيع القاضى وَابْن عبدون وَنفى ابْن عبدون الى الاهواز وَنفى عليا بن عِيسَى الى وَاسِط فَلَمَّا حصلا بالموضوعين قرر سوسن مَعَ المقتدر بِاللَّه احضار ابْن عبدون وتوليته الوزارة
فَلَمَّا حصل بواسط بلغ ذَلِك ابْن الْفُرَات فاغرى المقتدر سوسن حَتَّى قَتله وانفد الى عبدون من صادره واعتقله وَكتب عَليّ بن عِيسَى الى ابْن الْفُرَات يساله (٢) ابعاده الى مَكَّة ليزول (٣) عَنهُ التهم فَفعل وَسَار اليها على طَرِيق الْبَصْرَة
وَظهر موت ابْن المعتز (٤) فَسلم الى اهله مَيتا (٥)
وَكَانَ ابْن الْجراح مستترا وعزم ابْن الْفُرَات على التَّوَصُّل الى الصفح عَنهُ واتاه رجل برقعته فامره بالاستتار حَتَّى يدبر طَرِيق الْعَفو عَن جرمه الْعَظِيم واعلمه ان صافي الحرمي يعاديه فَلم يصبر ابْن الْجراح فتتبعت امْرَأَة نَصْرَانِيَّة كَانَت تحمل رقاعة فاخذ وَحمل الى مونس فَقتله
واتى ابْن الْفُرَات رجل فاخبره انه يعرف مَكَانَهُ فَقَالَ ان كَانَ هَذَا صَحِيحا فلك الف دِينَار والا عوقبت لكذبك الف سَوط فرضى وامر ابْن الْفُرَات حاجبا لَهُ بمراسلته ليبعد عَن الْمَكَان الَّذِي هُوَ فِيهِ مستتر
فَلَمَّا علم انه قد تَركه وَمضى الى غَيره انفذ بالساعي بِهِ مَعَ صَاحب الشرطة فَلم يجدوه فامر ابْن الْفُرَات بِضَرْب السَّاعِي مِائَتي سَوط واشهاره والنداء على نَفسه وَهَذَا جَزَاء من يسْعَى بِالْبَاطِلِ ثمَّ امْر لَهُ بِمِائَتي دِينَار ونفاه الى الْبَصْرَة سرا وَقَالَ لَو لم افْعَل هَذَا بِهِ سعى لي الى الْخَلِيفَة بانني توانيت فِي امْرَهْ
واما ابو عمر القاضى فَسَأَلَ فِيهِ ابوه يُوسُف بن يَعْقُوب القاضى فاحترم لكبر سنه وادى عَنهُ مائَة الف دِينَار على ان يلازم منزله
وانفذ الْخَلِيفَة بالقسم بن سيماء وابي الهيجاء (٦) بن حمدَان لمحاربة اخيه الْحُسَيْن
[ ٦ ]
ابْن حمدَان فهزمهما ودبر ابْن الْفُرَات حَتَّى كتب لَهُ امانا وولاه قُم
وَفِي هَذِه السّنة قلد يُوسُف ابْن ابي الساج اعمال اذربيجان وارمينية على ان يحمل بعد اعطاء الْجند والنفقات مائَة وَعشْرين الف دِينَار فِي السّنة
وَقدم بارس غُلَام اسماعيل بن احْمَد صَاحب خُرَاسَان فِي اربعة الاف تركيا مفارقا لصَاحبه فقلد ديار (١) ربيعَة
وَكَانَ للوزير الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن ابْن كنيته ابو جَعْفَر واسْمه مُحَمَّد فَمضى بعد قتل ابيه الى بخارا واقام عِنْد الْمُلُوك السامانية وَمن شعره لَئِن اصبحت مَنْبُوذًا باطراف خُرَاسَان
ومجفوا نبت عَن لَذَّة التغميض اجفاني (٢)
ومحمولا على الصعبة من اعراض سُلْطَان
ومخصوصا بحرمان من الاعيان اعياني
ومكلوما باظفار ومكدوما باسنان
وملقى بَين اخفاف واظلاف توطاني
وَمَا دنى الى حق (٣)
هُوَ عني عطفه ثَانِي
سوى اني ارى فِي الْفضل فَردا لَيْسَ لي ثَانِي
كَانَ الْمجد اذ اكشفه عني كَانَ غطاني
ساسترفد صبري انه من خير اعواني
واستنجد عزمي انه والحزم سيان
وانضو الْهم من قلبِي وان أنضيت حثماني
وانجو انتجاي ان قَضَاء الله نجاني
الى ارضى الَّتِي ارضى وترضينى وترضاني
فان سلمنى الله وبالصنع تولاني
واوطاني اوطاني واعطاني اعطاني
واخلى ذرعي الدَّهْر وخلاني وخلاني
فَانِي لَا اجد الْعود مَا عَاد الجديدان
[ ٧ ]
.. الى الغربة حَتَّى تغرب الشَّمْس مَعَ (١) بشرفان
فان غَدَتْ لَهَا يَوْمًا فسجاني فسجاني
وللموت الْوَحْي الاحمر القاني القاني