[ ١ ]
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
اما بعد الْحَمد الله الَّذِي وفقنا لهدايته ووهب لنا التَّمَسُّك بِشَرِيعَتِهِ وَالصَّلَاة على نبيه مُحَمَّد الَّذِي اخْتَارَهُ لرسالته وفضله بنبوءته ﷺ وَالدُّعَاء لمن الدُّنْيَا مهناة بمصادفة سُلْطَانه والفضائل مستفيدة من تيامن احسانه والدهر مفتخر بِحُصُول عنانه فِي يَدَيْهِ ومثوله فِي جملَة العبيد لَدَيْهِ سيدنَا ومولانا الامام المستظهر بِاللَّه امير الْمُؤمنِينَ لَا زَالَ سُلْطَانه باذخ الْمَكَان راسخ الاركان وايامه رفيعة الْعِمَاد منيعة الْبِلَاد ليؤرخ من مناقبها مَالا تتَعَلَّق النُّجُوم باذياله وتقصر عين الزَّمَان عَن شِمَاله
فان علم التَّارِيخ رغب فِي الِاطِّلَاع عَلَيْهِ سادة الامم والقبائل واهل المحامد والفضائل الائمة من ولد الْعَبَّاس رضوَان الله عَلَيْهِم وهى الاسرة الطاهرة والدوحة الزاهرة هداة الاعلام وشموس الاسلام وَكَانُوا اكثر الْخلق رِوَايَة لمن تقدمهم واثار من كَانَ قبلهم فَمَا كَانَ فِي ذَلِك من استقامة فى الاحوال كَانَ بِالنعَم مذكرا وَمَا شاهدوا فِيهِ من الاختلال كَانَ منبها ومنذرا
وَقد روى ان رجلا سَالَ سعيد بن الْمسيب رَحْمَة الله عَلَيْهِ فَقَالَ رايت رَسُول الله - ﷺ - فِي مَنَامِي (٣ / ٤) فَقَالَ لَهُ يَا هَذَا ان الله بعث نبيه - ﷺ - بشيرا وَنَذِيرا فَمن كَانَ على خير بشره وامره بِالزِّيَادَةِ وَمن كَانَ شَرّ حذره وامره بِالتَّوْبَةِ
والاطلاع فِي اخبار النَّاس مرْآة النَّاظر تصدق عَن المحاسن والمقابح ويهذب ذَوي البصائر والقرائح وَبهَا يذكر الله تَعَالَى من عباده مَا يرَاهُ اهلا لذكره ومستوجبا لكريم ثَوَابه واجره
هُنَا الْمَنْصُور ﵁ وَهُوَ باذل الائمة وكافل الامة قَالَ لاصحابه الْمُلُوك اربعة مُعَاوِيَة وَكَفاهُ زياده (١) وعبد الملك وَكَفاهُ حجاجا وَهِشَام وَكَفاهُ موَالِيه وانا وَلَا كَافِي لي واجماله لذَلِك استنهاض مِنْهُ لَهُم على معرفَة اخبارهم
وَهَذَا الْمهْدي ﵀ عَلَيْهِ لما حج فِي سنة سِتِّينَ وَمِائَة جعل ينظر الى بِنَاء
[ ١ ]
الوليدبن عبد الملك وَاخْبَرْ اصحابه بسيرته فِي بنائِهِ وان النَّاس لهجوا فِي ايامه بِالْبِنَاءِ وَشرح لَهُم امور بني امية حَتَّى اخبرهم باحتجاج الْوَلِيد بن يزِيد على هِشَام حِين انكر عَلَيْهِ الاسراف فِي ثمن عمَامَته فَقَالَ لَهُ انت ابتعت جَارِيَة باضعاف ذَلِك لاخس اطرافك فَمَا تنكر من ابتياعي هَذِه لاكرم اطرافي
وَاخْبَرْ عَن عمر بن عبد العزيز ﵀ قَالَ لَو كنت فِي قتلة الْحُسَيْن بن عَليّ ﵉ ثمَّ امرت بِدُخُول الْجنَّة لم افْعَل حَيَاء ان تقع عَيْني فِي عين مُحَمَّد - ﷺ -
وَهَذَا الْهَادِي (١) رضوَان الله عَلَيْهِ اخبر عَن السندي بن شاهك قَالَ كنت مَعَه بجرجان فَسمع بَين بساتينها صَوت رجل يتَغَنَّى فامر باحضاره فَقلت لَهُ مَا اشبه قصَّة هَذَا الجائي بِقصَّة صَاحب سُلَيْمَان بن عبد الملك فَقَالَ وَمَا ذَاك فَقلت خرج سُلَيْمَان فِي منزه لَهُ مَعَ حرمه فَسمع صَوت رجل يتَغَنَّى فَدَعَا صَاحب شرطته وَقَالَ عَليّ بِصَاحِب الصَّوْت فاتى بِهِ فَقَالَ لَهُ مَا حملك على الْغناء وانت على الْقرب منى وبجانب حرمي اما علمت ان الْفرس يصهل فتستفاي (٢) لَهُ الرماك (٣) وان الْحمار ليعشر فتودق لَهُ الاتن وان اليبس (٤) ليهب فتزعج لَهُ الْغنم وان الرجل يُغني فتغتلم (٥) الْمَرْأَة يَا غُلَام جبه فجبه
فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَام الْمقبل رَجَعَ سُلَيْمَان الى ذَلِك الْمنزل فَذكر الرجل وَمَا صنع بِهِ فَقَالَ لصَاحب شرطته عَليّ بِالرجلِ الَّذِي جببته ان كَانَ حَيا فاتاه بِهِ فَقَالَ لَهُ اما بِعْت فوفيناك واما وهبت فكافيناك فَمَا دَعَاهُ الرجل الا باسمه وَقَالَ يَا سُلَيْمَان قطعت نسلي وَذَهَبت بِمَاء وَجْهي وحرمتني لذتي ثمَّ تَقول اما بِعْت واما وهبت لَا وَالله حَتَّى اقف بَين يَدي الله ﷿ (٦) فَقَالَ الْهَادِي لصَاحب الشرطة لَا تعرض للرجل
وَكَانَ الرشيد رضوَان الله عَلَيْهِ فِي بعض اسفاره وَقد نزل الثَّلج فاذاه فَقَالَ لَهُ بعض اصحابه الى مَتى سهرك يَا امير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ اسْكُتْ للرعية الْمَنَام وعلينا الْقيام وَلَا بُد لِلرَّاعِي من حراسة الاغنام
وَقد روى قطن بن وهب عَن ابيه ان عمر بن الْخطاب امير الْمُؤمنِينَ ﵁ انه (٧) اجتاز فِي بعض اسفاره على صَاحب غنم فَقَالَ يَا ذَا الرجل ان كل
[ ٢ ]
رَاع مسؤول عَن رَعيته واني رايت فِي الْمَكَان الْفُلَانِيّ عشبا امثل من موضعك ثمَّ اثنى عل عمر ﵁ وَذكر سيرته يَقُول الشَّاعِر فِيهِ غضِبت لغضبتك القواطع والقنا لما نهضت لنصرة الاسلام
نَامُوا فِي كنف لعدلك وَاسع وسهرت تحرس غَفلَة النّوم
وَلَو تتبعت امثال هَذَا لاطلت وَلم ار اجْمَعْ لهَذَا الْعلم من كتاب مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ فرايت ان اضيف إِلَيْهِ مجموعا عولت فِيهِ على مَا نقلته من تصانيف المؤرخين وتاليف الْمُحَقِّقين كالصولي والتنوخي والخطيب ابي بكر احْمَد بن ثَابت الْمُحدث وابي اسحاق الصابي واولاده وَابْن سِنَان وَغير هؤلاؤ واضفت الى ذَلِك مَا حفظته من شعر الشُّعَرَاء وحكايات الْعلمَاء وَتشهد بِالْحَال واختصرته بجهدي ولخصته بِحَسب طاقتي واقتصرت فِيهِ على الامور الْمَشْهُورَة والاحوال السائرة الماثورة وختمته ببيعة سيدنَا ومولانا الامام المستظهر بِاللَّه امير الْمُؤمنِينَ الَّذِي قضى حق الله فِي بريته وارتسم امْرَهْ فِي رَعيته فَمن نظر فِي فضائله داوى فكره العليل وشحذ طبعه الكليل وَمَا من اُحْدُ اوتي ذخيرة تَحْصِيل وبصيرة راي اصيل يبدع فِي تدوين مناقبه وَلَا يغرب فِي اثبات فضائله وَمن قصر فِي جمعهَا فَلهُ فِي انعام المتامل لذَلِك مجَال يَحْرُسهُ عَن الم التقريع وثقته بفصح النَّاظر تغني عَن التبذل والمعاذير
فالرغبة الى الله تَعَالَى فِي ان يمد ظلال ايامه الَّتِى بهَا اعتدل المائل وارتدع الْجَاهِل وامن السابل وَقصر المتطاول وان يَجْعَل لَهُ من سيدنَا ومولانا عُمْدَة الدّين عضدا ينوء بقوتها ويدا يَسْطُوا ببسطتها وان يبلغهُ مِنْهُ قاصية الايثار وبنيله مِنْهُ غَايَة الِاخْتِيَار وتبديد اعدائه تَحت الذلة وَالصغَار والخيبة والخسار لَا يعتصمون بعصمة الا اباح الله حوزتها وَلَا يعتضدون بفرقة الا شتت الله كلمتها
وَمن نظر فِي عَزمَات سيدنَا ومولانا الامام المستظهر بِاللَّه امير الْمُؤمنِينَ رضوَان الله عَلَيْهِ وعَلى ابائه الطاهرين وابنائه الاكرمين علم انها تاتي بِمَا لم يقرع الاسماع من قبلهَا وَلَا عثر فِي السّير بِمِثْلِهَا وَتحقّق انها ابعد مجدا وان كَانَت اقْربْ عهدا وارفع عمادا وان كَانَت احدث ميلادا فحفظ الله على الدُّنْيَا سياسته على اهلها حسن رافته حَتَّى تضع لَهُ الدُّنْيَا خدودها ضارعة وتستجب لامره سامعة طَائِعَة انه ولي ذَلِك والقادر عَلَيْهِ بمنه ولطفه
وَلما ختم ابْن جرير تَارِيخه (١) سنة اثْنَيْنِ وثلاثمائة وَهِي السّنة السَّابِعَة من خلَافَة المقتدر بِاللَّه ﵁ واشار الى الامور اشارة خُفْيَة رايت ان ابتدي بخلافته وَوقت بيعَته وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
[ ٣ ]