لَو نطقت بَغْدَاد قَالَت نعم سُبْحَانَ من فرج مَا حل بِي
اعاش نحتي (١) بعد مَا مَاتَ ام فِي لَيْلَة الْقدر دَعَا لي النَّبِي
يَا عدَّة الدولة كم دَعْوَة مجابة فِيك وَلم تحجب
وَلما بلغ الاتراك اسْتِيلَاء ابي تغلب على دُورهمْ وَأَخذه مَا وجد فِيهَا من انقاض وَغَيرهَا اصعدوا مَعَهم الطائع فَلَمَّا قاربوها اصْعَدْ ابو تغلب عَنْهَا فاصعدوا وَرَاءه الانبار وانحدروا وَقد بعد ودخلوا بَغْدَاد
وَانْحَدَرَ الضائع إِلَى دَاره
وجدد الفتكين (٢٧٧١٤١) التوثقة على حمدَان بن نَاصِر الدولة ثمَّ اطلقه وخلع عَلَيْهِ
وانفذ ركن الدولة جَيش الرّيّ مَعَ ابي الْفَتْح بن العميد وَسَارُوا الى عضد الدولة وَأمر بالنفوذ لمعارضة عز الدولة فَالْتَقوا بارجان وَسَارُوا وَكَانَ اكثر خوفهم ان يتلقاهم الاتراك بباذبين (٢) وهم تعبون فكفوا ذَلِك باصعاد الاتراك
وَلما وصل عضد الدولة اجْتمع بِهِ بختيار وأصعدوا عَن وَاسِط وَسَار عضد الدولة فِي شَرْقي دجلة وَعز الدولة فِي غربيها
فأحضر الطائع الاشراف والقضاة وَأخذ على الاتراك الايمان بِالطَّاعَةِ والمناصحة فِي الثَّبَات والمكافحة وَركب الى بَاب الشماسية وَاسْتقر النَّاس لقِتَال عضد الدولة وَاجْتمعَ من الْعَامَّة اليه الجم الْغَفِير
وَكَانَ عز الدولة مَعَ ايثاره لنصرة ابْن عَمه يخَاف من مَجِيئه ومشاهدة نعْمَته
وَلما قاربوا بَغْدَاد انحدر الْمُطِيع والفتكين وعبروا ديالي وعسكروا مَا بَينه وَبَين الْمَدَائِن والتقوا بعضد الدولة فَكَانَت للاتراك اولا ثمَّ انْهَزمُوا فغرق مِنْهُم خلق كثير وَاسْتَأْمَنَ اخرون وَدخل بَغْدَاد فِي النّصْف من جمادي الاولى ونزلوا عِنْد بَاب الشماسية ثمَّ رحلوا عِنْد اسفار الصُّبْح وَقد اخذوا عيالاتهم واسبابهم وتبعهم الْخلق الْكثير من اهل بَغْدَاد
وانفذ عضد الدولة ونادى بِبَغْدَاد بالتسكين لاهلها وَالْعَفو عَن جنابها (٣) وَنزل بِبَاب الشماسية عِنْد دُخُوله
[ ٢١٨ ]
فَلَمَّا وصل خبرهم من تكريت بتشتتهم (٢٧٨١٤٣) نزل عضد الدولة فِي دَار سبكتكين وَنزل عز الدولة دَاره وَهِي دَار المتقي لله
وَقَالَ ابْن الْحجَّاج يستعطف عضد الدولة لاهل بَغْدَاد يَا ايها الْملك الرؤوف الْمُنعم ارْحَمْ فمثلك من يرق وَيرْحَم
مولَايَ وصفك كَانَ يعظم عندنَا فالان انت اجل مِنْهُ وَأعظم
بَغْدَاد كَانَت جنَّة مسكونة فِيمَا مضى فالان فَهِيَ جَهَنَّم
وراسل عضد الدولة الطائع لله بِأبي مُحَمَّد بن مَعْرُوف حَتَّى استعاده وَدخل الى بَغْدَاد فِي حديدي جلس على سطحه وَخرج عضد الدولة فِي طيارة فَتَلقاهُ قَرِيبا من قطيعة ام جَعْفَر وَصعد الحديدي وَقبل الْبسَاط وَيَد الطائع لله وَطرح لَهُ كرْسِي بَين يَدَيْهِ فَجَلَسَ عَلَيْهِ وَكَانَ عضد الدولة عَلَيْهِ قبَاء اسود وَسيف ومنطقة وَأَحْدَقَتْ الطيارات والزبازب بالحديدي
وانحدروا كَذَلِك الى دَار الْخلَافَة وَكَانَ عضد الدولة تقدم بعمارتها وتطريتها وانفاذ الْفرش والالات اليها
وَحمل الى الطائع مَالا وثيابا وطيبا وخطب لَهُ يَوْم الْجُمُعَة عَاشر رَجَب بعد ان قطعت الْخطْبَة لَهُ من عَاشر جمادي الاولى وَلم يخْطب الى هَذِه الْغَايَة لَاحَدَّ
وَكتب الصابي عَن عضد الدولة (١) لما ورد امير الْمُؤمنِينَ البردان (٢) انْعمْ الاذن لنا فِي تلقية على المَاء فامتثلناه وتقبلناه وتلقانا من عوائد كرمه ونفحات شِيمَة والمخابل الواعدة بجميل (٢٧٩١٤٢) رايه وعواطف انجابه وارعائه مَا كتفنا (٣) يَمِينه وشايعنا عزه الى ان وصلنا الى حَضرته البهية شرفها الله فِي الحديدية الَّتِي اسْتَقَلت مِنْهُ بسليل النُّبُوَّة وعقيد الْخلَافَة وَسيد الانام والمستنزل بِوَجْهِهِ در الْغَمَام فتكفأت علينا فِي ظلال نوره ونشره وغمرتنا حميات بفضله وفضيلة (٤) وأوسعنا من جميل لقيَاهُ وكريم بجواه مَا وسم بالعز اقال النعم وتضمن الشّرف فِي النَّفس والعقب وتكفل من الْفَوْز فِي الدّين وَالدُّنْيَا بغايات الامل
وَكَانَت لنا فِي الْوُصُول اليه والمثول بَين يَدَيْهِ فِي مواقع الحاظة وتوارد أَلْفَاظه مَرَاتِب لم يبلغهَا اُحْدُ فِيمَا سلف وَلم تَجِد الايام بِمِثْلِهَا لمن تقدم
[ ٢١٩ ]
وسرنا فِي خدمته على الْهَيْئَة الَّتِي القي شرفها علينا وحض (١) جمَالهَا مدى الدَّهْر لنا الى ان سَار الى سدة دَار الْخَلِيفَة والسعود تشايعه والميامن تواطئه وطالع الامال يستشرف لَهُ وثغر الاسلام يتبسم اليه فعزم علينا بالانقلاب عَنهُ على ضروب من التشريف لَا مورد بعْدهَا فِي جلال وَلَا موقف وَرَاءَهَا لمَذْهَب فِي جمال واجتلت الاعين عين محَاسِن ذَلِك المنظر وتهادت الالسن من مَنَاقِب ذَلِك المشهد مَا بهت النَّاظر وَعَاد شَمل الاسلام مجموعا ورواق الْعِزّ ممدودا وَصَلَاح الدهماء مأهولا
ومدح عضد الدولة ابو نصر بن نَبَاته بقصيدة يذكر فِيهَا الْفَتْح مِنْهَا (٢٨٠١٤٣)
فَمَا ذاب شطر الْيَوْم حَتَّى تصافحت اسنة ارماح العدى وخدودها
واقدم وثابا على الهول خيله اذا كملت لَا تقشعر جلودها
يُعِيد الى جر الطعان صدورها ولايدرك الغايات الا معيدها
رميت جباه التّرْك يَوْم لقيتهم بشهباء من سر النزال قيودها
وكل فَتى تَحت الْعَجَاجَة وكدة اذا الْخَيل جالت ميتَة (٢) يستجيدها
تداركت اطناب الْخلَافَة بَعْدَمَا وَهَا سمكها العالي وَمَال عمودها
فأعفيت من تدبيرها متكلفا يحل بِهِ يَوْم الْحفاظ عقودها
وسربلت ايوان الْمَدَائِن بِحجَّة اناف بِهِ والحاسدون شهودها
هُوَ الْملك الْمَخْلُوق من خطراته طريف الْمَعَالِي كلهَا وتليدها
مُلُوك بني ساسان تزْعم انه لَهُ حفظت اسرارها وعهودها
فتاها ومولاها ووارث مجدها وسيدها ان كَانَ رب يسودها
قَبيلَة بهْرَام واسرة بهمن يُمِيت وَيحيى وعدها ووعيدها
على زمن الضَّحَّاك كَانَت عِصَابَة ولوعا بهامات الْمُلُوك حديدها
اذا سترت غب الحروب جراحها اتتها العوالي وَالسُّيُوف تعودها
وَلم اك ادري ان اخوتها القنا وان الظبي آباؤها وجدودها
تفارق فِي رحب الثَّنَاء نفوسها وَقد علمت ان الثَّنَاء خلودها
فَلَا تجْعَلُوا الاقدار مثل سيوفها فقد تسبق الاقدار فِيمَن يكيدها
اقول وَقد سلت عَشِيَّة جازر ولاذت بهَا اغعمادها تستعيدها
اتلك رِقَاب زايلتها رؤوسها لقا اَوْ سيوف زايلتها غمودها
(٢٨١١٤٣) وَفِي شهر رَمَضَان اعيد ابو تَمام الزيني الى النقابة على العباسيين
[ ٢٢٠ ]
واصرف ابو مُحَمَّد عبد الْملك عَنْهَا وامر على الصَّلَاة فِي الْجَوَامِع وأعيد ابْن مَعْرُوف الى قَضَاء الْقُضَاة وَصرف ابْن ام شَيبَان
وأعيد ابو احْمَد الموسوي الى نقابة الطالبيين
وَمَات ابو الْعَبَّاس احْمَد بن خاقَان المفلحي عَن تسعين سنة وحجب اربعة خلفاء وتقلد المعونة بالحضرة دفعات
وزادت الاسعار وعدمت الاقوات وَبيع الْكر من الدَّقِيق بِمِائَة وَخَمْسَة وَسبعين دِينَارا وَكَانَت الدَّرَاهِم اربعة عشر بِدِينَار وَبيع كل ثَلَاثَة ارطال بدرهم (١)
وَوَافَقَ عضد الدولة الديلم حَتَّى شغبوا على عز الدولة فَأَرَادَ استصلاحهم فَقَالَ لعضد الدولة تقلد الامر وانفذ حِينَئِذٍ الى دَاره فختم على خزائنها وَتَوَلَّى لَهُ ابْن بَقِيَّة ذَلِك
وَقبض على ابي اسحاق وابي طَاهِر اخوي عز الدولة
وقرى على الْقُضَاة وَالشُّهُود والاسراف والاماثل بالجامع كتابا يتَضَمَّن استعفاء عز الدولة من النّظر ورد الامر الى عضد الدولة ووعدوا بافاضة الْعدْل واحسان الرّعية
وَاخْتَارَ ابْن بَقِيَّة (٢) ان يضمن واسطا وتكريت وعكبرا واوانا (٣) فاجيب الى ذَلِك وخلع عَلَيْهِ واقطع خَمْسمِائَة الف دِرْهَم فِي كل سنة وَانْحَدَرَ الى وَاسِط
وَقد كَانَ عضد الدولة قد عَاهَدَ عمرَان بن شاهين وأعفى ابا تغلب من حمل مَال وَكَانَ بَينهمَا مَوَدَّة قديمَة ومكاتبة
وَلما حصل (٢٨٢١٤٤) ابْن بَقِيَّة بواسط خلع الطَّاعَة وعول على انه مَتى قصد التجأ الى نهر الْفضل وأعمال عمرَان فكاتبه عضد الدولة بتسكينة وبذل الامان فِي كِتَابَة فَأَجَابَهُ انني افلت افلات الْمَجْرُوح المكلوم وتخلصت تخلص المصلوب الْمَظْلُوم وَقد حصلت اهلي بَين قوم سيوفهم حداد وَجعلت دون كل وَاحِد مِنْهُم اناسا على الْبُغَاة غِلَاظ شَدَّاد وَقد وجدته اعطى قبلي امانا لقوم قولا واسقطه فعلا فَلم يَفِ بِشَيْء مِنْهُ بل صدق فِي الْجَمِيع عَنهُ فليت شعري أَي الامانات يعطيني أأمان بني شيرزيل وَقد عاهدهم الصَّيْمَرِيّ لَهُ واستعان بهم على سَائِر عساكره بعد وَفَاة عماد الدولة وَحلف لَهُم ايمانا نقض جَمِيعهَا وأبطل سائرها واباد غضراهم وَقلع من فَارس اصولهم ام بني شكرسنان وَقد كَانُوا المهدين لَهُ الدولة والمصلحين لَهُ الْجُمْلَة ام الملوصين وَقد اوردهم بساطة وَأظْهر بتقريبهم سروره واغتباطه فَلَمَّا حصلهم ببلاده وأراضيه قضى فيهم بالغدر اقبح قواضيه
[ ٢٢١ ]
وَحكى لي ابو الزيان صَاحبه متبجحا انه مابقي مِنْهُم صَاحبه بِأَرْض فَارس الا سِتَّة نفر وَمَا بَقِي من اماناته فَهُوَ اكبرها وأجلها وَهُوَ وُرُوده تَحت الركاب لنصرة ابْن عَمه عَليّ زَعمه
فَلَمَّا ورد على تِلْكَ الصُّورَة وَقع التشكك فِيهِ قبل ان يحكم اموره وَأَعْطَاهُ من الايمان والعهود مَا استدعى التائبين بِفِعْلِهِ (٢٨٣١٤٤) واستجلب السّكُون الى مَا اضمره من اغتياله وختله وَعز الدولة ينْسب الى مَا يَأْتِيهِ الى الْجَمِيل ولايستريب بِهِ فِي كثير وَلَا قَلِيل
فَلَمَّا سكن اليه وَاعْتمد فِي التَّوَسُّط بَينه وَبَين اوليائه عَلَيْهِ انتهز فرصته واستلب غرته وَاسْتولى على الامور كَأَنَّهُ مَالِكهَا وأنشب مخالبه فِيهَا فَكَأَنَّهُ لم يزل مدبرها وَجعل ارش مسيرَة لمعاونته انتهاك مَحَارمه وتشتيت اصحابه وَحرمه وتناسى افعال معز الدولة لَهُ ولوالده مُنْذُ ثَلَاثِينَ سنة وبذله عَنْهُمَا عَظِيم الاموال ونفيس الاحوال فِي دفع اصحاب خُرَاسَان كل دفْعَة وَكسر عَسَاكِر وشمكير وَالله تَعَالَى يهْلك الظَّالِمين وَيَأْخُذ الباغين
ورآى انه مَتى عاجلني ظهر تمويهة وثار بِهِ سَائِر الاولياء وانكشف تَدْبيره فَأسر أَمْرِي فِي نَفسه وَلم يتَمَكَّن من اظهاره فِي وقته فأطمعته كل الاطماع فِي ارْتِفَاع مَا ضمنته من الاموال واعتمدت فِي اموره على من اعطاني الْمقدرَة عَلَيْهَا ولجأت الى كرمة فِي ماعود مِنْهَا حَتَّى قفزت من بَين يَدَيْهِ قفزة يالهفة عَلَيْهَا لَو ادركها وأسفه على مَا تمّ لي فِيهَا وَكنت بحول الله فِي تدبيري كَمَا قَالَ ثَابت الْخُزَاعِيّ اذا الْمَرْء لم يحتل وَقد جد جده اضاع وقاسى امْرَهْ وَهُوَ مُدبر
وَلَكِن اخو الحزم الَّذِي لَيْسَ نازلا بِهِ الْخطب الا وَهُوَ للقصد مبصر