فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْم السَّابِع من ذَلِك الْيَوْم دفن ﵀
وانفذ الي عَليّ بن عِيسَى الْوَزير بِمَال فِي بعض نكباته وَكتب اليه وتركي مواساتي اخلاي فِي الَّذِي تنَال يَدي ظلم لَهُ وعقوق
واني لاستحي من الله ان ارى بِعَين اتساع وَالصديق مضيق
وَتُوفِّي فِي هَذَا الشَّهْر ابو بكر بن الانباري (٢) معلم اولاد الراضي بِاللَّه وَمن جملَة تصانيفه كتاب الزَّاهِر (٣٩ وَكَانَ يحفظ مائَة وَعشْرين تَفْسِير لِلْقُرْآنِ وَلم يمل بشاقط (٤) من دفتر وَقَالَ اني احفظ ثَلَاثَة عشر صندوقا كتبا
وَفِي شهر رَمَضَان مَاتَ ابو بشر بن يُونُس القناني (٥) النَّصْرَانِي وَهُوَ الَّذِي فسر كتاب الْمنطق
وَفِيه خرج بِحكم (٦) (١٤٧٧٦) الى الْجَبَل فَلَمَّا بلغ قرميسين بلغه ان البريدي قد طمع فِي بَغْدَاد وَكَانَ طمعه لاجل دفائن فِي دَاره فَعَاد بجكم (٦) حِينَئِذٍ وَقد استأمن اليه خلق من الديلم وَكَانَ قد امد البريدي قبل ذَلِك بِخمْس مائَة رجل وانفذ مَعَهم ابا زَكَرِيَّا السُّوسِي
[ ١١٥ ]
فَلَمَّا عرف البريدي رُجُوعه الى بَغْدَاد ابلس وانفذ الى السُّوسِي فَاسْتَحْضرهُ فَظن انه يُرِيد الْقَبْض عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ احب ان تصعد الى بجكم (١) فتزيل الوحشة من صَدره وَهَذِه اذني فَخذهَا وبعني فَانِي لَا اعْدِلْ عَن رايك وَقد رتبت لَك طيارا وَخمسين غُلَاما لخدمتك
قَالَ فَقبلت الارض بَين يَدَيْهِ وسرت فَمَا عاودت ذهني الا نعم الصُّلْح (٢)
وَنَدم البريدي على انفاذه بِي وَسقط عَلَيْهِ طَائِر يعرفهُ تعويل بجكم على قَصده وتضمن اغراؤه بِي فَكَانَ ذَلِك من كفياة الله تَعَالَى لي
ووصلت دير العاقول وَبهَا احْمَد بن نصر القشوري
وَلَقِيت بجكم بالزعفرانيه وَاجْتَهَدت بِهِ فِي صلح البريدي فَأبى وانحدرت مَعَه. وَقبض على ابْن شيرزاد لِأَنَّهُ اشار عَلَيْهِ بمصارهرة البريدي وأزال اسْم البريدي عَن الوزارة فَكَانَت وزارته سنة واربعة اشهر واربعة عشر يَوْمًا وأوقع اسْمهَا على ابي الْقسم سُلَيْمَان بن الْحسن
وزارة ابي الْقسم سُلَيْمَان بن الْحسن
وخلع عَلَيْهِ
وَانْحَدَرَ بجكم بعد ان ضبط الطَّرِيق مِمَّن ينشر خَبره فَوَقع عَليّ حديدية طائرة فَأَخذه واذابه كتاب كاتبة (١٤٨٧٧) يعرف اخاه انحداره وَسَائِر اسراره فأحضر الْكَاتِب وَأَوْقفهُ فَلم يجْحَد فَرمى بِهِ الزوينيات (٣) حَتَّى قتل وَرمى بِهِ فِي (٤) المَاء وَانْحَدَرَ فَوجدَ البريدي قد انحدر عَنْهَا
وَفِي ذِي الْحجَّة ورد بَان رائق اوقع بَابي (٥٩ نصر بن طغج اخي الاخشيد فَانْهَزَمَ اصحاب ابي نصر بعد ان قتل وكفنه (٦) ابْن رائق وانفذه فِي تَابُوت الى اخيه واستأسر قواده وانفذ مَعَ التابوت ابْنه ابا مُزَاحم (٧) بن رائق وَكتب مَعَه يعزيه وَيعْتَذر
[ ١١٦ ]
وَيَقُول مَا اردت قَتله وَقد انفذت ابْني لتقيده بِهِ فَتلقى الاخشيد فعله بالجميل وخلع على ابْنه ورده الى ابيه واصطلحا على ان يفرج ابْن رائق للاخشيد عَن الرمله وَيكون بَاقِي الشَّام (١) لِابْنِ رائق وَيحمل اليه الاخشيد فِي كل سنة مائَة واربعين الف دِينَار
وَكَانَ بدر بن عمار الاسدي الطبرستاني يتقلد حَرْب طبرية لِابْنِ رائق وهوالذي مدحه المتنبي بقصائد عدَّة (٢) وَعَاد ابو نصر مُحَمَّد بن ينَال الترجمان من الْجَبَل مُنْهَزِمًا من الديلم فانفذ بِحكم من وَاسِط بِمن ضربه فِي منزله بالمقارع وَقَيده ثمَّ رَضِي عَنهُ
وَانْحَدَرَ ابو عبد الله الْكُوفِي إِلَى وسط واستقرت لَهُ كِتَابَة بجكم فَكَانَت كِتَابَة ابْن شيرذاد تِسْعَة عشر شهرا وَثَلَاثَة عشر يَوْمًا
والتقى ركن الدولة بو شمكير وَانْهَزَمَ الْفَرِيقَانِ ركن الدولة الى اصفهان و(٤) وشمكير الى الرّيّ
وفيهَا مَاتَ جستان
وفيهَا توفّي ابو عبد الله القمي الْوَزير لركن الدولة وتقلد مَكَانَهُ ابو (١٤٩٧٧) الْفضل ابْن العميد (٥)
سنة تسع (٦) وَعشْرين وثلاثمائة
فِيهَا صادر بجكم ابْن شيرزاد وَقَالَ اردت ان اعْلَم ايسارة فَقلت ان عِنْدِي مائَة الف دِينَار اريد ايداعك اياها فَمَا ارتاع وحملتها اليه وطلبتها بعد مُدَّة فَكَانَ يحملهَا تفاريق فَقلت مَا السَّبَب فِي هَذَا فَقَالَ انني لَا آمن غير اختي وَلَا تقوى على حمل المَال دفْعَة وَاحِدَة فَقبض على اخته وَبلغ بِالْقَبْضِ عَلَيْهَا مَا اراده من مَاله
وَفِي لَيْلَة النّصْف من شهر ربيع الاول مَا الراضي بِاللَّه (٧) وَقد انكسف الْقَمَر جُمُعَة وَكَانَ مَوته بعلة الاسْتِسْقَاء (٨) وَكَانَ الراض ﵀ سَمحا شَاعِرًا سخيا اديبا (٩) وَمن شعره يرثي اباه المقتدر ﵀
[ ١١٧ ]
.. بنفسي ثرى ضاجعت فِي تربة البلا لقد ضم مِنْك الْغَيْث وَاللَّيْث والبدرا
فلوا ان حَيا كَانَ قبرا لمَيت لصيرت احشائي لاعظمه قبرا
وَلَو ان عمري كَانَ طوع مشيئتي وساعدني الْمِقْدَار قاسمته العمرا (٢)
وَحكي الْخَطِيب فِي تَارِيخه (٣) قَالَ كتب الراضي الى اخيه المتقي وَقد جرى بَينهمَا شَيْء فِي الْكتب انا معترف لَك بالعبودية (٤) وَالْمولى يعْفُو وَقد قَالَ الشَّاعِر با ذَا الَّذِي يغْضب من غير شئ اعتب فعتباك حبيب الي
انت على انك لي ظَالِم اعز خلف الله كل (٥) عَليّ
[ ١١٨ ]
(١٥٠٧٨)
خلَافَة المقي لله
وَهُوَ ابو اسحاق ابراهيم بن المقتدر بِاللَّه امهِ رُومِية وَكَانَت خِلَافَته ثَلَاث سِنِين وَاحِد عشر شهرا (٢)
ورد كتاب كتاب بجكم (٣) لما بلغه موت الراضي بِاللَّه ﵀ عَلَيْهِ على ابي عبد الله الْكُوفِي يَأْمُرهُ ان يجمع كل (٤) من كَانَ يتقلد الوزارة بالحضرة واصحاب الدَّوَاوِين والقضاة والفهاء والعلويين والعباسيين ووجوه الْبَلَد ويحضرهم الى ابي الْقسم سُلَيْمَان بن الْحسن وينصبون للخلافة من يحمدوه
فَلَمَّا اجْتَمعُوا قَالَ مُحَمَّد بن الْحسن بن عبد الْعَزِيز الْهَاشِمِي يكون الْخطاب سرا فَخَلا الْكُوفِي فِي بَيت وَجعل الرجل وَالرجلَانِ يدخلَانِ اليه فَيَقُول لَهما قد وصف لنا ابراهيم بن المقتدر بِاللَّه فيظنان ان ذَلِك عَن امْر ورد من بجكم فِي مَعْنَاهُ فَيَقُولَانِ هُوَ لذَلِك اهل فَاحْضُرْ الى دَار بجكم وَعقد لَهُ الامر ولقب المتقي لله
وَحمل الى بجكم من دَار الْخلَافَة قبل تقلد المتقي فرشاه وآلات اخْتَارَهَا (٥) وانفذ المتقي لله عِنْد بيعَته مَعَ ابي الْعَبَّاس الاصفهاني (٦) خلعا ولواء الى بجكم وخلع على سَلامَة الطولوني وقلده حَجَبته وَأقر ابا الْقسم سُلَيْمَان بن الْحسن على الوزارة
وَورد الْخَبَر بِدُخُول ابْن عَليّ بن (١٥١٧٨) مُحْتَاج (٧) فِي جَيش خُرَاسَان الى الرّيّ وَقَتله مَا كَانَ الديلمي صَاحب جرجان وحاصر بهَا حَتَّى تَركهَا وَمضى الى سَارِيَة فاستولى ابو عَليّ على جرجان
وتعاضد ابو عَليّ وركن الدولة على محاربة وشمكير حِين اعتضد بِمَا كَانَ والتقى
[ ١١٩ ]
الْفَرِيقَانِ واظهر مَا كَانَ شجاعة شَدِيدَة فَأَتَاهُ سهم عَابِر فنفذ فِي خوذته وطلع من قَفاهُ فَسقط مَيتا
وافلت وشمكير بعد ان اسر اكثر اصحابه
وَحمل ابْن مُحْتَاج من رُؤُوس الْقَتْلَى سِتَّة الاف راس الى خُرَاسَان فيهم رَأس ماكان وَجلسَ ابو عَليّ بن مُحْتَاج للعزاء (١) واظهر الْحزن عَلَيْهِ
وَقَالَ الْحسن بن الفيروزان (٢) ابْن عَم مَا كَانَ ان وشمكير اسلمه وَكَانَ الْحسن شجاعا وَقصد ابْن مُحْتَاج فَقتله (٣) وَقصد وشمكير فَكَانَ بَينهمَا حَرْب على بَاب سَارِيَة (٤) ايام
ثمَّ ورد على ابي عَليّ وفاه صَاحبه نصر ابْن احْمَد (٥) فَصَالح وشمكير واخذ ابْنه (٦) رهينة وَانْحَدَرَ مَعَه الْحسن بن الفيروزان (٧) وحقد عَلَيْهِ كَيفَ لم يستخلفه على حَرْب وشمكير وانتهز غرته (٨) حِين قاربا خُرَاسَان فَوَثَبَ عَلَيْهِ فَأَفلَت مِنْهُ وَقتل صَاحبه وانتهب سوَاده واستاد ابْن (٩) وشمكير وَعَاد الى جرجان فملكها فَصَالحه الْحسن ورد عَلَيْهِ ابْنه
ثمَّ ان ركن الدولة قصد الرّيّ وَحَارب وشمكير فَهَزَمَهُ وَاسْتَأْمَنَ اليه اكثر رِجَاله وَصَارَ بعد انهزامه الى خُرَاسَان وَتزَوج ركن الدولة بنت الْحسن وَهِي وَالِدَة فَخر الدولة
وَفِي هَذِه السّنة فرغ من بِنَاء (١٥٢٧٩) مَسْجِد براثا (١٠) وَجمع فِيهِ
وفيهَا ابْتَدَأَ الغلاء بِبَغْدَاد وَبلغ الْكر من الدَّقِيق مائَة وَسِتِّينَ دِينَار (١١) وَكثر الْمَوْت حَتَّى كَانَ يدْفن الْجَمَاعَة من غير غسل وَلَا صَلَاة وَظهر من قوم فيهم دين وَصدقَة على الاحياء وتكفين الْمَوْتَى وَظهر من آخَرين فجور ومنكرات وَكَانَ عَليّ بن عِيسَى والبقري (١٢) يكفنان النَّاس على ابواب دورهما
[ ١٢٠ ]
وَسَقَطت الْقبَّة الخضراء الَّتِي هِيَ هِيَ قبَّة الْمَنْصُور الْمَعْرُوفَة بقبة الشُّعَرَاء (١)
ونكب الْكُوفِي هَارُون الْيَهُودِيّ جهبذ بن شيرزاد وَبَقِي عَلَيْهِ من مصادرته سِتُّونَ الف دِينَار فاخذت دَاره وَكَانَت قَدِيما لابراهيم بن احْمَد المادراني راكبة دجلة والصراة وفيهَا بُسْتَان ابي الْفضل الشِّيرَازِيّ وَدَار المرتضي وَحمل هَذَا الْيَهُودِيّ الى بجكم (٢) بواسط فَضرب بَين يَدَيْهِ بالدبابيس حَتَّى مَاتَ
واظهر بجكم الْعدْل بواسط وَبنى دَار ضِيَافَة وَعمل البيمارستان بِبَغْدَاد (٣) وَخرجت الشتوة جَمِيعهَا بِغَيْر مطر
وانبثق نهر الدفيل (٤) ونهر بوا (٥) فَلم يتلاقيا حَتَّى خرجت (٦) بادوريا بضع عشرَة سنة
وانفذ البريدي جَيْشًا الى المذار (٧) فانفذ بجكم بتوزون فَهَزَمَهُمْ بعد ان كسروه وَجلسَ فِي رَجَب الْمَعْرُوف بِغُلَام القَاضِي بِجَامِع الرصافة وقص على مَذَاهِب اهل الْعدْل وَاجْتمعَ اليه النَّاس
ونصبت القباب بِبَاب الطاق والرصافة لزوار الحائر (٨) على ساكنه السّلم
وَتُوفِّي البربهاري (٩) مستترا وَدفن فِي تربة نصر القشوري
وَانْحَدَرَ بجكم حِين بلغه (١٣٥٧٩) كسر توزون اولا وَلم يبلغهُ كَسره لاصحاب البريدي وتمم (١٠) وَقد عرف الْغناء عَن حُضُوره فَلَمَّا بلغ نهر جور شَره الى اموال اكراد هُنَاكَ وقصدهم متهاونا بهم فِي عدد يسير من غلمانه فِي قَمِيص فهرب الاكراد من بَين يَدَيْهِ واستدار احدهم من وَرَائه من غير ان يعرفهُ فطعنه بِالرُّمْحِ فِي خاصرته
[ ١٢١ ]
فَقتله (١) وَذَلِكَ بَين الطّيب (٢) والمذار يَوْم الاربعاء لتسْع بَقينَ من رَجَب ٣ وَكَانَ البريديون قد عمِلُوا على الْهَرَب فومافاهم من عسكره (٣) الف وَخَمْسمِائة ديلمي فقبلوهم
وَعَاد تكينك بالاتراك الى بَغْدَاد فنزلوا النجمي واظهروا طَاعَة المتقي ز
وصادر احْمَد (٤) بَين مَيْمُون قَدِيما يدبر الامور والكوفي من قبله (٥)
فَكَانَت امارة بجكم (٦) سنتَيْن وَثَمَانِية اشهر وَتِسْعَة ايام وَكِتَابَة الْكُوفِي لَهُ خَمْسَة اشهر وَثَمَانِية عشر يَوْمًا
وَكَانَ بجكم يدْفن امواله وَحده فتتبع اُحْدُ غلمانه اثره وَاسْتدلَّ على مَوضِع المَال وَدلّ المتقي على ذَلِك فاستخرج مَالا عظميا وَدفع التُّرَاب الى الحفارين فَلم يقنعوا فَأمر بِغسْلِهِ فاخرجوا من التُّرَاب سِتَّة وَثَلَاثِينَ الف دِرْهَم
قَالَ ثَابت بن سِنَان قَالَ بجكم قلت الصَّوَاب ان ادفن فِي الصَّحرَاء فربنا حيل بيني وَبَين دَاري وَكَانَ النَّاس يشنعون انني اقْتُل من يدْفن معي وَمَا كنت افْعَل ذَلِك بل كنت اخذ المَال فِي الصناديق واترك مَعهَا الرِّجَال الَّذين اثق بهم واحملهم فِيهَا مقفلا عَلَيْهِم (١٥٤٨٠) على البغال واقود بنفسي القطار وَافْتَحْ عَن الرِّجَال وَلَا يَدْرُونَ ايْنَ هم من الارض واذا دفنُوا أعدتهم على هَذِه الصّفة
و(٧) قدم الترجمان من وَاسِط فأقره المتقي لله على الشرطة بِبَغْدَاد
و٢ اصْعَدْ البريديون الى وَاسِط فِي سَبْعَة الاف رجل فانفذ اليهم المتقي الى وَاسِط ثَمَانِيَة وَخمسين الف دِينَار وامرهم بالْمقَام بواسطه فَلم تقنعهم
وَفرق المتقي فِي الاتراك ارْبَعْ مائَة الف دِينَار
واصعد البريدي من وَاسِط الى بَغْدَاد (٨) فَلَمَّا قرب اضْطَرَبَتْ الاتراك
[ ١٢٢ ]
البجكمية (١) وَسَار بَعضهم الى الْموصل واستامن بَعضهم اليه
واستتر الْكُوفِي وانتقل كثير من ارباب النعم واشار بعض اصحاب عَليّ بن عِيسَى عَلَيْهِ بالاصعاد الى الْموصل فاستاجر سفنا ليصعد فِيهَا رحْلَة بِمِائَتي دِينَار ثمَّ استدعى صَاحبه فَقَالَ ايهرب مَخْلُوق الى مَخْلُوق اصرف الدَّنَانِير فِي الصَّدَقَة
وَانْحَدَرَ البريدي حِين قرب فَتَلقاهُ واكرمه وَمنعه ان يخرج من طيارة وانتقل (٢) اليهم وشكر بره
وَدخل البريدي بَغْدَاد وَمَعَهُ اخوه ابو الْحُسَيْن فابنه ابو الْقسم وابو جَعْفَر بن شيرزاد لليلتين خلتا من شهر رَمَضَان وانزلوا الشفيعي (٣) وَكَانَ مَعَه من الزبازب والطيارات والحديديات والشذآت مَالا يُحْصى
وتلقاه الْوَزير ابو الْحُسَيْن ابْن مَيْمُون وَالْكتاب والعمال والقضاة وانفذ المتقي يعرفهُ انسه بِقُرْبِهِ وَحمل اليه الطَّعَام والهدايا عدَّة لَيَال
وَكَانَ ابْن مَيْمُون (١٥٥٨٠) والبريدي يُخَاطب كل وَاحِد مِنْهُمَا صَاحبه بالوزارة ثمَّ انْفَرد بهَا البريدي خَاصَّة
فَكَانَت وزارة ابْن مَيْمُون شهرا وَثَلَاثَة ايام ثمَّ قبض عَلَيْهِ واحدره الى الْبَصْرَة فَمَاتَ بهَا ٣ فاستكتب المتقي لله على خَاص امْرَهْ ابا الْعَبَّاس احْمَد بن عبد الله الاصبهاني وَلم يلتق البريدي بالمتقي وَمضى اليه الامير ابو مَنْصُور بن المتقي لله بالنجمي ليسلم عَلَيْهِ فَلبس البريدي ثِيَاب سوَادَة وتلقاه فِي احسن زِيّ ونثر عَلَيْهِ الدَّنَانِير ٣ وارسل المتقي على يَد القَاضِي احْمَد بن عبد الله بن اسحاق الْخرقِيّ وابي الْعَبَّاس الاصبهاني يُطَالِبهُ بِحمْل المَال فَقَالَ للْقَاضِي انصحه (٤) وعرفه خبر المعتز والمهتدي بِاللَّه ان خليته (٥) مَعَ الاولياء ليطلبن نَفسه فَلَا يجدهَا
فَكَانَ الْجَواب ان حمل اليه خَمْسمِائَة الف دِينَار فوهب للخرقي مِنْهَا خَمْسَة الاف دِينَار بعد مائَة وَخمسين الف دِينَار ٠٦) ٣ وَكَانَ البريدي يامر عسكره بالتشغيب على الْخَلِيفَة فَرَجَعت المكيدة عَلَيْهِ حَتَّى شغبوا
[ ١٢٣ ]
وَاجْتمعَ الديلم فرأسوا على انفسهم كورنكج (١) بن الفاراضي الديلمي بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ وقصدوا البريدي وَهُوَ بالنجمي وعاونهم الْعَامَّة فَقطع البريدي الجسر وَوَقعت الْحَرْب فِي المَاء وَثَبت (٢) الْعَامَّة باسباب البريدي فِي الْجَانِب الغربي فهرب ابْنه واخوه فِي المَاء الى وَاسِط ونهبت دَاره ودور قواده وَحمل بعض مَا حمل اليه المتقي من المَال
واستتر ابْن شيرزاد فنهبت دَاره (١٥٦٨١) ودور قواده
وَظهر سَلامَة الطولوني وَبدر الخرشني ز وهرب البريدي من بَغْدَاد
امارة كورنكج (١)
وحصلت الامارة لكورنكج ثَانِي شَوَّال وَلَقي المتقي فِي ثالثه فقلده امير (٣) الامراء وَعقد لَهُ اللِّوَاء وخلع عَلَيْهِ
ودبر الامر عَليّ بن عِيسَى واخوه عبد الرحمان بن عِيسَى (٤) من غير تَسْمِيَة بوزارة (٥)
وغرق الامير ابو شُجَاع كورنكج تكينك (٦) خَامِس شَوَّال
وَاجْتمعت الْعَامَّة يَوْم الْجُمُعَة وتظلموا من نزُول الديلم فِي دُورهمْ وَكسرهَا الْمِنْبَر وَمنعُوا من اقامة الصَّلَاة وَقتل بَينهم وَبَين الديلم جمَاعَة
فَلَمَّا كَانَ بعد تِسْعَة ايام من نظر عَليّ بن عِيسَى اتوزر المتقي ابا اسحاق مُحَمَّد ابْن احْمَد الاسكافي الْمَعْرُوف بالقراريطي
واخرج الامير كورنكج اصبهان الديلمي الى وَاسِط ليحارب البريدي
وَظهر ابْن سنجلا وقريبه (٧) عَليّ بن يَعْقُوب من استتارهما فَقبض القراريطي عَلَيْهِمَا حِين صَارا اليه وصادرهما بعد مَكْرُوه شَدِيد على مائَة وَخمسين الف دِينَار
وَبلغ ابْن رائق (٨) قتل بجكم (٩) فَسَار من الشَّام
[ ١٢٤ ]
وَلم يقبل ابو مُحَمَّد بن حمدَان من صَار اليه من اصحاب بجكم (١) مثل توزون صيغون (٢) ونفذوا الى ابْن رائق فَكتب اليه المتقي يستدعيه الى الحضرة فَسَار من دمشق وَعَاد اصبهان الى بَغْدَاد وَحمل ابو مُحَمَّد بن حمدَان الى ابْن رائق مائَة الف دِينَار
وَقبض كورنكج (٣) على (١٥٧٨١) القراريطي فَكَانَت مُدَّة وزارته ثَلَاثَة واربعين يَوْمًا
وقلد الوزارة ابا جغفر مُحَمَّد بن الْقسم الْكَرْخِي وخلع المتقي عَلَيْهِ وحطب بَنو البريدي بِوَاسِطَة وَالْبَصْرَة لِابْنِ رائق ٣ فَلَمَّا قرب ابْن رائق من بَغْدَاد خرج اليه كرونكج وانْتهى الى عكبرا واتصلت الْحَرْب بَينهمَا ثمَّ دخل ابْن (٤) مقَاتل وَمَعَهُ قِطْعَة من الْجَيْش وَبعده ابْن رائق وَعبر من النجمي الى دَار السُّلْطَان وسال المتقي الرّكُوب مَعَه فَركب مَعَه الى الشماسية وانحدرا فِي المَاء وَدخل المتقي دَار الْخلَافَة وَعبر ابْن رائق الى النجمي
وَوصل كورنكج واصحابه الى بَغْدَاد متهاربين (٥) بِابْن رائق وَجعلُوا يَقُولُونَ ايْنَ نزلت الْقَافِلَة الشامية
واتى كورنج دَار السُّلْطَان فدافع عَنْهَا لولو وَبدر الخرشني وَعمل ابْن رائق على الرُّجُوع الى الشَّام وانفذ سوَاده
وَاتفقَ حُصُول ابْن رائق فِي سميريات بدجلة ليعبر فصادفهم كورنكج فراشقوا بالزوينات والنشاب وَصَاحب الْعَامَّة فهرب كورنكج وَرَمَاهُمْ الْعَامَّة بالستر والاجر فَانْهَزَمَ اصحابه واستتر هُوَ
وَظهر الْكُوفِي الى الْخدمَة ابْن رائق وَقتل ابْن رائق اربعمائة ديلمي صبرا اعطاهم الامان وَلم يسلم مِنْهُم غير رجل وَاحِد (٦) وَقع بَين القتلي وَرمي بِهِ مَعَهم الى دجله وعاش مُدَّة طَوِيلَة وَقتل جمَاعَة من قوادهم وَانْهَزَمَ بَعضهم فَبَاتُوا بخان (٧) بجسر النهروان فَسقط عَلَيْهِم فهلكوا
[ ١٢٥ ]
وخلع المتقي على ابْن رائق لاربع (١) بَقينَ من ذِي الْحجَّة وطوقه وسوره وَعقد لَهُ اللِّوَاء وقلده امْرَهْ الامراء (١٥٨٨٢) والزم الْكَرْخِي (٢) بَيته فَكَانَ وزارته ثَلَاثَة وَخمسين يَوْمًا
واطلق القراريطي الى منزله
وزادت الْفُرَات فِي السَّادِس وَالْعِشْرين من ايار زِيَادَة غرقت هيت وَسقط سورها وغرقت محَال بَغْدَاد وهجمت القنطرتين بالصراة وَسَقَطت الدّور الَّتِي عَلَيْهَا
وَفِي هَذِه السّنة (٣) قلد القَاضِي ابو الْحُسَيْن احْمَد بن عبيد الله الْخرقِيّ الْقَضَاء بِمصْر والحرمين وخلع عَلَيْهِ
سنة ثَلَاثِينَ وثلاثمائة انحدر ابْن رائق فِي عَاشر الْمحرم الى ة وَاسِط حِين اخر عَنهُ البريدي مَا ضمنه فهرب عِنْد قربه مِنْهَا البريدي الى الْبَصْرَة وانفذ اليه مائَة وَسبعين الف دِينَار وَضمن حمل سِتّمائَة الف دِينَار فِي السّنة ٣ فاصعد ابْن رائق الى بَغْدَاد وانفذ صَاحب خُرَاسَان الى الملقي الله هَديا من غلْمَان اتراك وَطيب وخيل على يَدي ابي الْعَبَّاس بن شَقِيق (٤) وانفذ مَعَه براس مَا كَانَ فعهر بِبَغْدَاد فِي دجلة وشغب توزن والاتراك على ابْن رائق وَسَارُوا الى البريدي فقوي بهم ولقوه بواسط وكوتب البريدي من الحضرة بالوزارة واستخلف لَهُ ابْن شيرزاد (٥) ثمَّ عول على الاصعاد الى الحضرة فَركب المتقي وَابْنه وَابْن رائق بَين ايديهم الْمَصَاحِف المنشورة واستفروا (٦) الْعَامَّة وَلعن بَنو البريدي على المنابرة
واصعد ابو الْحُسَيْن (٧) البريدي الى بَغْدَاد فِي جَيش اخيه فاستامن اليه قرامطة ابْن رائق
[ ١٢٦ ]
وَعمل ابْن رائق على التحصن بدار السُّلْطَان (١) ونصبت العرادات (٢) على سورها واستنهض الْعَامَّة فَكَانَ ذَلِك سَببا للفتن واحرقوا نهر طابق (١٥٩٨٢) وكبسوا الْمنَازل لَيْلًا وَنَهَارًا
واشتبكت الْحَرْب بَين ابي الْحُسَيْن البريدي وَابْن رائق فِي المَاء واشتدت الْحَرْب فِي حادي عشر من جمادي الاخرة وَملك الديلم من اصحاب البريدي دَار السُّلْطَان فَخرج وَابْنه هاربين ومضوا الى (٣) بَاب الشماسية فلحق بهم ابْن رائق واصعدوا الى الْموصل فِيهَا
وَقيد كورنكج (٤) وَحده الى اخيه فَكَانَ اخر الْعَهْد بِهِ
وَكَانَ القاهر مَحْبُوسًا فَتَركه (٥) الموكلون بِهِ (٦) فَخرج فَرُئِيَ وَهُوَ يتَصَدَّق بسوق الثُّلَاثَاء فَبلغ ذَلِك البريدي فانفذ بِمن اقامه واجرى لَهُ ني كل يَوْم خَمْسَة دَرَاهِم
وَنزل البريدي دَار مونس وقلد توزون الشرطة فَلَمَّا وَليهَا سكنت الْفِتْنَة واخذا ابو الْحُسَيْن حرم توزن وعيالات القواد رهينة وانفذهم الى اخيه وغلت الاسعار
وظلم البريدي النَّاس وافتتح الْخراج فِي اذار وافتتح الْجِزْيَة (٧) واخذ الاقوياء بالضعفاء وَقرر على الحنلة وَسَائِر المكيلات من كل كرّ سبعين درهما وَقبض على خَمْسمِائَة كرّ وَردت للتجار من الْكُوفَة وَادّعى انها لِلْحسنِ بن هَارُون فقلد النَّاحِيَة وهرب خجخج الى المتقي لله
وتخالف توزون ونوشتكين (٨) والاتراك على كبس ابي الْحُسَيْن البريدي فعذر نوشتكين (٩) بتوزون
ونمى الْخَبَر الى ابي الْحُسَيْن فتحرز واحضر الديلم فاستظهر بهم
[ ١٢٧ ]
وَقصد توزون دَار ابي الْحُسَيْن وغلقت الابواب دونه وانكشف لتوزون غدر نوشتكين بِهِ (١) فلعنه وَانْصَرف ضحوة نَهَار يَوْم الاثلاثاء وَمضى مَعَه قِطْعَة وافره من الاتراك الى الْموصل
وَقَالَت الْعَامَّة البريدي (١٦٠٨٣) فقوي ابْن حمدَان بتوزون وبالاتراك وَعمل على الانحدار مَعَ المتقي لله الى بَغْدَاد وَبلغ ذَلِك البريدي فَكتب الى اخيه يستمده فامده بِجَمَاعَة من الديلم والقواد
واخرج ابو الْحُسَيْن مضربه الى بَاب الشماسية واظهر انه يحارب ابْن حمدَان وَذَلِكَ بعد ان قتل ابْن حمدَان ابْن رائق وَكَانَ سَبَب قَتله ان ابْن حمدَان كَانَ بشرقي الْموصل وَابْن رائق والمتقي بغربيها فَمَا زَالَت المراسلات بَينهم حَتَّى توثق بَعضهم من بعض وَحَتَّى انس بهم (٣)
فَعبر الامير ابو مَنْصُور بن المتقي لله مَعَه ابْن رائق (٤) يَوْم الِاثْنَيْنِ لتسْع بَقينَ من رَجَب الى ابْن حمدَان فَلَقِيَهُمْ اجمل لِقَاء ونثر على الامير الدَّنَانِير
فَلَمَّا اراد الِانْصِرَاف ركب الامير ابو مَنْصُور وَقدم فرس ابْن رائق ليركب من دَاخل المضرب فامسكه ابو مُحَمَّد بن حمدَان وَقَالَ تقيم عِنْدِي الْيَوْم لنتحدث فان بَيْننَا مَا نتجاراه فَقَالَ لَهُ ابْن رائق امْضِي فِي خدمَة الامير واعود فالح عَلَيْهِ ابْن حمدَان الحاجا استراب بِهِ ابْن رائق نجذب كمة من يَده حَتَّى تخرق وَكَانَت رجله فِي الركاب فشب بِهِ الْفرس فَوَقع وَقَامَ ليركب فصاح ابو مُحَمَّد لِغِلْمَانِهِ وَيْلكُمْ لَا يفوتكم فَقَتَلُوهُ
وانفذ للمتقي لله ان ابْن رائق اراد ان يغتاله فَرد عَلَيْهِ المتقي انه الموثوق بِهِ
وَعبر الى المتقي فَخلع عَلَيْهِ وَعقد لَهُ لِوَاء ولقبه نَاصِر الدولة وَجعله امير الامراء وكناه وَذَلِكَ مستهل شعْبَان وخلع على اخيه على وعَلى ابي عبد الله الْحُسَيْن بن سعيد بن حمدَان وَكتب الى القراريطي بتقليد (١٦١٨٣) الوزارة ٣ وَلما قَارب المتقي بَغْدَاد وهرب ابو الْحُسَيْن البريدي عَنْهَا الى وَاسِط وَدخل المتقي وناصر الدولة واخوه الشفيعي (٥) وَلَقي القراريطي المتقي لله وناصر الدولة
[ ١٢٨ ]
وتقلد ابو الْوَفَاء بتوزون الشرطة وخلع المتقي على القراريطي خلع الوزارة لَيْلَتَيْنِ خلتا من ذِي الْقعدَة وخلع بعد ذَلِك (١) على نَاصِر الدولة واخيه وطوقهما وسورهما
واتاهم الْخَبَر ان البريدي على قصد بَغْدَاد فَعبر حِينَئِذٍ المتقي وناصر الدولة الى الْجَانِب الغربي وَسَار ابو الْحسن عَليّ بن عبد الله بن حمدَان فِي الْجَيْش إِلَى الْكَيْل ولقيهم البريدي بهَا وَمَعَهُ ابْن شيرزاد وَابْن قرَابَة فِي الديلم وجيش عَظِيم فَكَانَت الْوَقْعَة مستهل ذِي الْحجَّة يَوْم الاربعاء وَيَوْم الْخَمِيس وَيَوْم الْجُمُعَة وَمَعَ ابْن حمدَان توزون وخجخ والاتراك فَانْهَزَمَ على واصحابه الى الْمَدَائِن وفردهم نَاصِر الدولة الى الْكَيْل فَانْهَزَمَ حِينَئِذٍ البريدي واستؤسر من اصحابه يانس وَجَمَاعَة (٢) من قواد البريدي وَعَاد الى وَاسِط واستامن الى ابْن حمدَان مُحَمَّد بن ينَال الترجمان وَجَمَاعَة من قواد البريدي وَعَاد مُنْهَزِمًا مفلولا وَانْحَدَرَ سيف الدولة الى وَاسِط فَوجدَ البريديين قد انحدروا مِنْهَا فاقام بهَا
وَدخل نَاصِر الدولة يَوْم الْجُمُعَة لثاني عشر لَيْلَة بقيت من ذِي الْحجَّة بَغْدَاد وَبَين يَدَيْهِ يانس غُلَام البريدي واصحابه مشهرين على روؤسهم البرانس وَسَار فِي الْجَانِب الدانب الغربي الى دَار عَمه ابي الْوَلِيد سُلَيْمَان بن حمدَان وَهِي بِالْقربِ من الجسر ولاجل هَذَا لقب (١٦٢٨٤) المتقي لله ابا الْحسن عَليّ بن حمدَان بِسيف الدولة وَكتب فِي ذَلِك ابْن ثَوَابه كتاب
وَالْأَجَل هَذَا يَقُول المتنبي فِي قصيدته فِي سيف الدولة انا مِنْك بَين مَكَارِم وفضائل (٣)
وَمن ارتياحك فِي غمام دَائِم