سنة ثَمَان وَخمسين وثلاثمائة
فِي الْمحرم مَاتَ ابو احْمَد الْفضل بن عبد الرحمان بن جَعْفَر الشِّيرَازِيّ وَمن شعره اهلا وسهلا بالجبيب الَّذِي يصفيني الود وأصفيه
محَاسِن النَّاس الَّتِي فرقت فيهم غَدَتْ مَجْمُوعَة فِيهِ قد وضح الْبَدْر باشراقه والغصن غضا بتثنيه
افديه احميه وَقلت لَهُ من عَبده افديه احميه
وَفِي هَذِه السّنة اتى الهجريون عين التَّمْر (١) فتحصن مِنْهُم صنبة الْعَيْنِيّ بشفاثا فَاسْتَاقُوا الْمَوَاشِي وَانْصَرفُوا
أَتَى ملك الرّوم طرابلس فاحرق ربضها وَأخذ من بلدان السَّاحِل مائَة الف شَاب وشابة وعزم على قصد بَيت الْمُقَدّس فهاب القرامطة وَقد كَانُوا تنزلوا الشَّام وأوقعوا بِابْن عبد الله بن طغج
وَفِي جمادي الاخرة مَاتَ الامير ابو جَعْفَر بن الراضي بِاللَّه وَكَانَ نازلا بالرصافة
وَفِيه كثر بِبَغْدَاد موت الْفجأَة
وَبلغ الْكر زِيَادَة على تسعين دِينَار
وَلم تزد دجلة والفرات والنهروان فِي هَذِه السّنة
وَفِي هَذِه السّنة خطب لعضد الدولة بسجستان واستخلف على كرمان ابْنه شيرزيل (٢٥٥١٣٠) وَوجد الاكراد فِي جبل جُلُود الوقيعة بسيل كثيف عزارج (٢) مَعْقُود فِيهِ مَال وصياغات ودراهم فِي كل دِرْهَم مِنْهَا خَمْسَة دَرَاهِم وَفِي اُحْدُ وجهيه صُورَة بقرة وعَلى الْوَجْه الاخر صُورَة انسان وَعَلِيهِ كِتَابَة رُومِية
وَكَانَ ابو تغلب قد سلم الى اخيه حمدَان الرحبة ثمَّ اساء الى وكلائه فَكتب اليه
[ ٢٠١ ]
حمدَان يحلف بِطَلَاق (١) ابْنة سعيد بن حمدَان وَبِكُل يَمِين انه ان احوجه اسْتَعَانَ عَلَيْهِ بالديلم فان انتصف والا اسْتَعَانَ بالقرامطة فان بلغ غَرضا والا اسْتَعَانَ يملك الرّوم فَكَانَ جَوَاب ذَلِك من ابي تغلب ان قبض ضيَاعه وطرد وكلاءه وانفذ اخاه ابا البركات فَانْتزع الرحبة من يَد حمدَان
فَدخل حمدَان بَغْدَاد فِي شهر رَمَضَان وتلقاه عز الدولة وسبكتكين فِي ميدان الاشنان وانزله فِي دَار ابْن رزق الْكَاتِب النَّصْرَانِي وَحمل اليه مائَة وَخمسين الف دِرْهَم وَثَلَاث مائَة ثوب اصنافا من ديباج وعتابي ودبيقي وَثَلَاثِينَ رَأْسا بغالا وخيالا وجمالا وَسبع مراكب ذَهَبا (٢) وَكَاتب اخاه يسفر فِي الصُّلْح بَينهم فتم ذَلِك وَلما وَخرج شيعَة عز الدولة وَحمل اليه اكثر مِمَّا حمله اولا عِنْد قدومه
وَحكي انه يَوْم دُخُوله صدم سبكتين الْعَجم اُحْدُ القواد فَقتله ورضح فرسه صاعدا فاعتل فَلَمَّا وصل وافاه القَاضِي ابو بكر بن قريعة مُسلما فَقَالَ حَاجِبه ان الامير نَائِم فَعَاد فَلَقِيَهُ انسان فَقَالَ من ايْنَ جَاءَ القَاضِي (٢٥٦١٣١) فَقَالَ اتانا حمدَان وافدا ولأخيه مباعدا فَقتل قائدا ورضح صاعدا وظل رَاقِدًا
وَقَالَ ابْن نَبَاته فِي حمدَان قصيدة مِنْهَا اليك صَحِبنَا الْيَوْم ترْعد شمسه وحيرة ليل اسود النَّجْم فَاحم
ودهرا سمت حيتانه فِي سمائه وانجمه فِي بحره المتلاطم
الى ص ٤ دة ان يستخف عتابنا وَمَا الظُّلم فِيهِ غير شكوى الْمَظَالِم
تكون بهَا انفاسنا وحديثنا مدائح حمدَان المليك القماقم
فَتى لم ترق مَاء الشبيبة شعره على الخد حَتَّى رام شم المراوم
اخو الْحَرْب يثني جيدها وَهُوَ صارم وَيسلم مِنْهَا والقنا غير سَالم
فَتى لايرى ان الهموم مصائب وان سرُور الْعَيْش ضَرْبَة لَازم
يؤمل فِي امواله كل آمل وَيرْحَم من اسيافه كل رَاحِم
اذا السَّيْف لم يسْتَنْزل الْهَام لمعه فَمَا هُوَ من آرائه والعزائم
ليهنيك جد يفلق الصخر جده ويهتك صدر الجحفل المتلاطم
وانك لَا تلقى الندى غير باسم اليه وَلَا صرف الردى غير حَازِم
وَسَار حمدَان عَن بَغْدَاد وَخلف حرمه واولاده وشيعة عز الدولة فَلَمَّا وصل الى الرحبة عَاد الْخلف بَينه وَبَين اخيه وانفذ ابو تغلب اخاه ابا البركات فَانْتزع
[ ٢٠٢ ]
الرحبة من يَد حمدَان وَسَار حمدَان عَنْهَا فِي الْبر الى تدمر فنفذ زَاده ولحقه عَطش شَدِيد فعاود الرحبة ودخلها من ثلم عرفهَا وَقد ترك ابو البرات اصحابه فِيهَا وأصعد الى الرقة فاستولى حمدَان على ذخائره (٢٥٧١٣١) وامواله واصحابه
فَبلغ ذَلِك ابا البركات فانحدر فَتَلقاهُ حمدَان وعدته قَليلَة وَقَالَ لاصحابه لَا بُد من الصَّبْر فقاتل فنصر وَقتل ابا البركات وانفذه الى اخيه ابي تغلب فِي تَابُوت فَكفن بسل توبه وَاعْتذر بِأَنَّهُ دفع عَن نَفسه بقتْله فَقَالَ ابو تغلب وَالله لألحقنه بِهِ وَلَو ذهب ملكي
وَقبض ابو تغلب على اخيه ابي الفوارس مُحَمَّد صَاحب نَصِيبين وَعرف انه وَافق حمدَان على الفتك بِهِ
وَلما عرف هبة الله بن نَاصِر الدولة مَا جرى على ابي الفوارس ثار بِهِ المرار وَأنكر فعل ابي تغلب
وَكتب الْحُسَيْن بن نَاصِر الدولة الى اخيه ابي تغلب وَهُوَ صَاحب الحديثة يَقُول ان الله قد وفْق الامير فِي افعاله وَنحن وان كُنَّا اخوة فَنحْن عبيد وَلَو امرني بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ لفَعَلت فَقَالَ ابو تغلب هَذَا كتاب من يُرِيد ان يسلم
وَانْحَدَرَ حمدَان واخوه ابو طَاهِر ابراهيم الى بَغْدَاد
وَكَانَ عز الدولة بواسط فانحدر اليه فتلقاهما وَانْزِلْ حمدَان دَار ابي قُرَّة وَانْزِلْ ابا طَاهِر ابراهيم فِي دَار ابي الْعَبَّاس بن عُرْوَة وَحمل اليهما هَدَايَا كَثِيرَة واصعدا مَعَه الى بَغْدَاد
وَفِي شهر رَمَضَان قدم الْوَزير ابو الْفضل الْعَبَّاس بن الْحسن من الاهواز وتلقاه عز الدولة وأصعد إِلَى بَغْدَاد
وَفِيه مَاتَ ابو الْحُسَيْن الكوكبي الْعلوِي الَّذِي كَانَ يتقلد نقابة الطالبيين
وَفِي ذِي الْقعدَة انحدر ابو اسحاق بن معز الدولة الى دَار (٢٥٨١٣٢) السُّلْطَان وَوصل الى الْمُطِيع لله
وَعقد لعضد الدولة على كرمان وانفذ اليه الْخلْع واللواء والطوق والسوارين
وَفِيه نقل عز الدولة اباه معز الدولة الى تربة بنيت لَهُ بمقابر قُرَيْش بعد ان كَفنه وطيبه وَمَشى بَين يَدي تابوته الْوَزير ابو الْفضل والرئيس ابو الْفرج والامراء من الديلم والاتراك
وَملك الرّوم انطاكية (١) يَوْم النَّحْر
[ ٢٠٣ ]
سنة تسع وَخمسين وثلاثمائة
فِيهَا فتح الرّوم مناز كردم (١) من اعمال ارمينية بِالسَّيْفِ
وَفِي شهر ربيع الاول صرف القَاضِي ابو بكر بن سيار عَن الْقَضَاء فِي حَرِيم دَار الْخلَافَة وتولاه ابو مُحَمَّد بن مَعْرُوف
وَفِي هَذِه السّنة اقام ابو الْمَعَالِي بن سيف الدولة الْخطْبَة فِي اعماله واعمال فرعونة (٢) للْخَارِج بالمغرب (٣)
وَفِي آخرهَا قبض على الْوَزير ابْن ابي الْفضل الشِّيرَازِيّ وَتَوَلَّى الوزارة مَكَانَهُ ابو الْفرج مُحَمَّد بن الْعَبَّاس بن فسا نحس وَقَالَ ابْن الْحجَّاج يمدحه يَا وزيرا بنوه طلعت انجم العدى
صحن خدي لارض نعلك يَا سَيِّدي الفدا
بك قَامَت سوق النوالي وَقد اصبحت سدى
وَسَمعنَا فِيهَا الندا على الْجُود والندى
فَأَما ابو الْفضل الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن الشِّيرَازِيّ فمولده بشيراز سنة ثَلَاث وثلاثمائة
وَورد مَعَ معز الدولة بَغْدَاد وناب عَن المهلبي وصاهرة على بنته زِينَة من تجني (٤) وَكَانَ ذَلِك (٢٥٩١٣٢) سَبَب تقدمه ثمَّ فَسَاد مَا بَينهمَا وَكَانَ وَاسع الْمُرُوءَة والصدر وداره على الصراة ودجلة وَهِي الَّتِي كَانَت بستانا لنقيب النُّقَبَاء الْكَامِل وانتقلت الى الفضلوني وَأنْفق عَلَيْهَا ابو الْفضل زَائِدا على مائَة الف دِينَار ثمَّ احترقت فَأمر عضد الدولة ببسطها بستانا
وَعمل دَعْوَة لمعز الدولة وَجعل فِي وسط السماط قصوار ٠٥) من السكر فِيهَا مخانيث وأغاني (٦) يغنون ويرقصون وَلَا يشاهدون وَقطع دجلة من فَوق الجسر الى دَار الْخلَافَة بالقلوس (٧) الْغِلَاظ وَطرح الْورْد فِيهَا حَتَّى ملأها وغطى دجلة
وَلم ينزل بَغْدَاد قيان الا احضره وَذَلِكَ فِي سنة ارْبَعْ وَخمسين وثلاثمائة
[ ٢٠٤ ]
فَلَمَّا كَانَ فِي سنة خمس وَخمسين قَالَ لَهُ معز الدولة يَا ابا الْفضل تِلْكَ الدعْوَة فريدة بِلَا اخت فَقَالَ بل هِيَ فِي كل سنة
وَعمل دَعْوَة انفق فِيهَا الفي الف دِرْهَم ووهب فِيهَا جواري وغلمانا واتراكا وضياعات واستعد بعد عَملهَا عِنْد الشوائين الف جمل (١) مشوي
وَحمل الى ابي الْفضل اصحابه مَا امكنهم من الْهَدَايَا
وَكَانَ لِابْنِ الْحجَّاج كميت فَأَرَادَ ان يَقُودهُ ثمَّ خَافَ ان يقبله فَكتب اليه وَصَاحب لي امس شاورته كَيفَ ترى لي الْيَوْم ان افعلا
فَقَالَ قد هَذَا الْكُمَيْت الَّذِي قد جمع الْحسن وَقد اكملا
فَقلت لَا وَالله لَا قدته اخاف يَا احمق ان يقبلا
وَأما ابو الْفرج مُحَمَّد بن الْعَبَّاس بن فسا نحس فمولده بشيراز (٢٦٠١٣٣) سنة ثَلَاث وثلاثمائة وَورد مَعَ معز الدولة فِي ذِي الْحجَّة سنة ثَمَان وثلاثمائة
وابوه من اصحاب النعم الوافرة بِفَارِس صادره عماد الدولة على سِتّمائَة الف دِينَار وَقَالَ اني كسبت مَعَه خمسين الف (٢) الف دِرْهَم وَجَاء مَعَ معز الدولة الى بَغْدَاد وولاه الزِّمَام على المهلبي وَتُوفِّي سنة اثْنَتَيْنِ واربعين وثلاثمائة وتكفل المهلبي بامر ابْنه حَتَّى رد اليه الدِّيوَان
سنة سِتِّينَ وثلاثمائة
فِي صفر لحقت الْمُطِيع لله سكنة استرخى فِيهَا جَانِبه الايمن وَثقل لِسَانه
وَفِيه توفّي ابو الْفضل مُحَمَّد بن الْحُسَيْن ابْن العميد (٣) كَاتب ركن الدولة فاستكتب مَكَانَهُ ابا الْفَتْح ووالده ابو عبد الله العميد (٤) كَانَ يكْتب لمزداويج بن زيار ولآخيه وشمكير
ورتب ركن الدولة ابا الْفضل بن العميد مَعَ عضد الدولة فهذبه وأدبه ثمَّ تغير عَلَيْهِ فَحلف ان لايقيم بِفَارِس وَمضى الى ركن الدولة وَمَات بِالريِّ وَقدم عَلَيْهِ المتنبي وَهُوَ بارجان فمدحه بقصيدتة الَّتِي اولها (٥)
باد هَوَاك صبرت ام لم تصبرا وبكاك ان لم تجر (٦) دمعك اَوْ جرى
[ ٢٠٥ ]
وَمِنْهَا فدعاك حسدك الرئيس وامسكوا ودعاك خالقك الرئيس الاكبرا
(٢٦١١٣٣) خلفت صفاتك فِي الْعُيُون كَلَامه كالخط يمْلَأ مسمعي من ابصرا