مؤرخان قدر لكل منهما أن يشهد فتحا من الفتوحات العثمانية المدمرة، سقطت فى كل منهما إمبراطورية مؤثلة، وسحقت حضارة عظيمة هما خاتمة المؤرخين البيزنطيين، جورجيوس فرانتزا أو فرانتريس والمؤرخ المصرى محمد بن أحمد بن إياس.
شهد أولهما فتح الترك العثمانيين للقسطنطينية فى سنة ١٤٥٣ م وما ترتب عليه من اختتام الإمبراطورية الرومانية وسحق الحضارة البيزنطية، وشهد ثانيهما بعد ذلك بنحو سبعين عاما، فتح الترك العثمانيين لمصر فى سنة ١٥١٦ م وما ترتب عليه من سقوط إمبراطورية السلاطين المصرية الشامخة، وسحق الحضارة الإسلامية التى تأثلت بمصر مدى قرون.
[ ١٥ ]
شهد فرانتزا سائر حوادث الحصار التركى للقسطنطينية، وهو يومئذ وزير لقسطنطين باليولوجوس آخر القياصرة، وشهد دخول الجند الظافرين عاصمة القياصرة، التى أباحها لهم السلطان الفاتح محمد الثانى، ثلاثة أيام كاملة، ووعدهم بأن الغنائم كلها ستكون من نصيبهم وأنه يهبهم سائر الأسرى وكنوز المال والجمال، كما شهد ما ارتكبوه خلال ذلك، من أعمال السفك والاغتصاب والتدمير وشنيع الاعتداء على الأنفس والأموال والأعراض ودون ذلك كله فى مذكراته.
وسقط فرانتزا وأسرته أسرى فى أيدى الغزاة ولكنه تمكن بعدئذ من الفرار إلى المورة تاركا زوجته وأولاده رهن الإسار. ثم لجأ فى أواخر حياته إلى دير طار شنيوتس فى جزيرة كورفو، وهنالك كتب تاريخه الشهير عن آل باليولوج أخر الأسر الإمبراطورية البيزنطية من سنة ١٢٥٨ م إلى سنة ١٤٧٦ م وضمنه سائر فظائع الفتح العثمانى، فى صور تنفطر لها الأفئدة روعا وتأثرا. ثم توفى سنة ١٤٧٧ هـ وقد جاوز الخامسة والسبعين.
وما زالت رواية فرانتزا حتى يومنا أعظم وأوثق مصدر يرجع إليه عن حوادث الفتح العثمانى المروعة لعاصمة الدولة الشرقية.
وشهد مؤرخنا ابن إياس حوادث الفتح العثمانى لمصر، بعد أن اجتاحت الجيوش العثمانية الشام وفلسطين، وشهد القسم الأخير من المأساة عند دخولهم القاهرة، وما ارتكبوه فيها من فظائع السفك والتقتيل والتخريب، ودون لنا عنها فى تاريخه صورا لا تقل فى روعتها عما دونه لنا فرانتزا.
كان ابن إياس خاتمة هذه المدرسة المصرية التاريخية الزاهرة التى افتتحها المقريزى أعظم أساتذتها بخططه وآثاره الخالدة، والتى برز فيها أبو المحاسن بن تغرى بردى والسخاوى وبدر الدين العينى، ولكن ابن إياس مع اقتفائه لتقاليد هذه المدرسة الزاهرة، فى التوفر على كتابة تاريخ مصر، لم يوهب كثيرا من كفايتها الباهرة، سواء من حيث الطرافة أو الإفاضة أو البيان. ولو لم يقدر لابن إياس أن يشهد حوادث الفتح العثمانى، وأن يدونها بإسهاب وإفاضة، لما كان لأثره عن تاريخ مصر، كبير قيمة أو أهمية. ولكن رواية ابن إياس عن الفتح العثمانى، وهى ثمرة المتابعة والمشاهدة الشخصية تسبغ على أثره قيمة كبرى.
والحقيقة أن مجهود ابن إياس التاريخى، يتركز قبل كل شئ فى الفترة التى عاصرها، والتى يعنى عناية خاصة بالاحاطة بتدوين حوادثها، ولا سيما حوادث الأعوام
[ ١٦ ]
القلائل التى سبقت الفتح العثمانى، ثم حوادث الفتح ذاته، ثم الأعوام القلائل التى تلته، حتى وفاة المؤلف فى سنة ٩٣٠ هـ - ١٥٢٣ م. ففى هذا النطاق تبدو أهمية مجهود ابن إياس التاريخى، ولا سيما على ضوء ما ظفر به البحث الحديث من نصوص جديدة، مكملة لهذا القسم الأخير من تاريخ ابن إياس المسمى "بدائع الزهور فى وقائع الدهور" وكانت ساقطة فى النص المختصر الذى نشرته مطبعة بولاق من تاريخه. وتشمل هذه الفترة التى كانت ساقطة من تاريخ ابن إياس، حوادث خمس عشرة سنة من سنة ٩٠٦ هـ إلى آخر سنة ٩٢١ هـ (سنة ١٥٠٠ م - ١٥١٦ م) وهى مدة سلطنة السلطان الغورى آخر ملوك مصر المستقلة.
وفى هذا النص الجديد الذى ظهر من تاريخ ابن إياس والذى نشرته جمعية المستشرقين الألمانية فى مجلد ضخم، يتناول ابن إياس عصر السلطان الغورى، منذ بدايته باسهاب ويدون حوادثه شهرا فشهرا ويوما فيوما تقريبا، ويتحدث عن كل ما يتعلق بالسياسة والحرب، والبلاط والحكومة والأمن والقضاء والشئون المالية والاقتصادية، ويتتبع بالأخص علائق البلاط القاهرى بالبلاط العثمانى، ويبدو جليا من روايته، أن بلاط القاهرة كان يشعر بأن خطر الفتح التركى لمصر، غدا قريب الانقضاض ويصانع بلاط قسطنطينية ما استطاع إلى ذلك سبيلا.
وكان سلطان الترك سليم الأول من جانبه يخادع سلطان مصر ويهاديه ويراسله، على أن بلاط القاهرة لم يخدع ولم يطمئن، بل كان الغورى دائب الأهبة والاستعداد. ولكن الانحلال كان يسود شئون مصر يومئذ. وكانت الثورات الداخلية تفت فى نظمها وأهبتها، وكان الفساد يقضم أسس نظمها العامة سواء فى الإدارة أو القضاء أو تنظيم الدفاع عن البلاد.
أجل لقد كانت حكومة السلاطين بعد عصور طويلة من المجد والسلم والرخاء، قد شاخت يومئذ، وانحدرت إلى نوع من الفتور والدعة وذلك بالرغم مما كان يساورها من التوجس والخوف من خطر انسياب تلك القوة الإسلامية الجديدة الصاعدة الجارفة - قوة الدولة العثمانية، وكانت الدولة العثمانية منذ فتح قسطنطينية الذى كان مسرحا لتجارب سلاح المدفعية الجديد، تعنى بتزويد جيوشها بهذا السلاح المدمر بصورة تضمن لها التفوق على أية قوة خصيمة ولم يكن باستطاعة حكومة السلاطين أن تجاريها فى تلك الأهبة العسكرية العظيمة. ويتحدث ابن إياس عن مقدمات الفتح، ويقص علينا كيف أن أميرا مصريا من الأمراء المماليك، نقم على السلطان وفر إلى القسطنطينية، ونقل إلى سليم الأول
[ ١٧ ]
أخبار مصر وأحوالها وأطلعه على مبلغ قوتها وأسرار دفاعها، وحدثه عما يسودها من الاضطراب والضعف وقصور الأهبة والتسليح. ثم يقول: فعندئذ طمعت آمال ابن عثمان بأن يملك مصر، والله تعالى غالب أمره، وهو مما يدلى بأن المجتمع القاهرى كان يشعر بدنو النكبة وانقضاضها.
كانت حوادث الفتح العثمانى آخر ما دون قلم ابن إياس، فهو يصل فى روايته حتى خاتمة سنة ٩٢٨ هـ - ١٥٢٢ م بعد الفتح بنحو ستة أعوام. ونحن نعرف أن المؤرخ توفى بعد ذلك بنحو عامين فى سنة ٩٣٠ هـ، ورواية ابن إياس عن الفتح العثمانى هى كما قدمنا أهم وأنفس ما فى أثره، وإن كان بيانه لم يسبغ عليها كل ما يجب من دقة وقوة. فهو يترك لنا من هذه الحوادث الشهيرة الحاسمة فى تاريخ مصر وتاريخ الإسلام سجلا يوميا مسهبا، يستند إلى تحقيق المعاصرة والمشاهدة وهو لا يمهد فيه إلى الحوادث ولا يعنى بربطها، بل يدونها مرسلة كما وقعت، ويحصى آثارها إحصاء من رأى وسمع.
ويضيف الأستاذ محمد عبد الله عنان فى ندوته فى الجمعية التاريخية عن ابن إياس والعصر العثمانى فيقول:
وما كان لابن إياس أن يمهد أو يكثر التعليق، فى رواية انقلاب مفاجئ صعقت مصر لحوادثه السريعة المدهشة، وقضت من بعده حينا بين التصديق والتكذيب، والرجاء واليأس.
وكل ما هنالك أن ابن إياس يطلق العنان لشعوره وعواطفه، بالاستناد إلى الحوادث دائما.
فنراه يحمل على السفاكين والظلمة، فى عبارات شديدة، وأحيانا مؤثرة، ويغتبط بمصرعهم، ويعنى بالافاضة فى سرد فظائع الترك وجرائم الفاتح، ويشيد ببطولة طومان باى، أخر الزعماء المدافعين عن استقلال مصر ضد الغزاة، ويبكى مصرعه ومصرع أعوانه وجنده، ويرسل عبارات التأثر والسخط، أو الغضب أو الاشفاق كلما عن له ذلك. على أن قصور بيانه، كثيرا ما يعجزه عن أن يسبغ على هذه البوادر النفسية كل ما يجب من القوة والوضوح. وهذا القصور فى البيان، ينتقص كثيرا، من قيمة الرواية التى تركها لنا ابن إياس عن حوادث الفتح العثمانى وهذا بعكس ما نراه فى رواية فرانتزا، عنّ فظائع الترك فى قسطنطينية، من قوة البيان وروعة التصوير. والحقيقة أن ابن إياس كان بحاجة إلى بيان كبيان جيبون، ليستطيع إخراج الصور التى يقدمها إلينا، فى أثوابها الرائعة، وليصف لنا فظائع الغزاة فى القاهرة، وما جنوا على الأنفس والأموال والنظم، كما وصف جيبون بقلمه
[ ١٨ ]
الجبار، فظائعهم فى قسطنطينية، وما جنوا على الحضارة البيزنطية العظيمة. من صنوف الدمار والمحو. غير أن ابن إياس لم يكن مصورا بارعا للحوادث، ولم يكن بالأخص ناقدا قوى التعليل، يقرأ فى الحوادث غير نواحيها المادية، ولكن كثيرا من الافاضة وقليلا من التأمل، وطرفا من الملاحظة القوية، تعوض عن هذا النقص فى كثير من المواقف، وتقدم إلى النقدة مادة لا بأس بها.
وقد بينا أن مصر كانت ترجف لشبح هذا الفتح قبل وقوعه، وكيف أن المؤرخ كان يستشعر النكبة ولكن مصر لم تكن تتوقع أن يسحق استقلالها ومجدها التالد فى لمحة صاعقة. فكانت "مرج دابق" مفاجأة مروعة، ذهلت لها مصر وصعقت، ويبدو أثر هذا الروع واضحا فى أول صرخة تبدر من المؤرخ فى ذكر النكبة إذ يقول: "وفى يوم السبت السادس عشر من شعبان أشيع خبر هذه الكائنة العظيمة، التى طمت وعمت، وزلزلت لها الأقطار".
ولا غرو فقد خرج السلطان الغورى إلى شمال الشام قاصية الحدود المصرية يومئذ، بجيشه الزاهر ليرد عادية الغزاة عن مصر، فكانت مرج دابق قبرا له ولحريات مصر. يقول المؤرخ:
"وزال ملك الأشرف الغورى فى لمح البصر، فكأنه لم يكن، فسبحان من لا يزول ملكه".
ويفيض بعد ذلك فى تفاصيل الموقعة الهائلة التى نشبت بين الغزاة وبين الجيش المصرى فى "مرج دابق" فى الخامس والعشرين من شهر رجب سنة ٩٢٢ هـ (أغسطس سنة ١٥١٦ م) وما أوقعه الغزاة بمعسكر مصر من سفك ونهب، ويصف صدى النكبة فى القاهرة، وكيف كان نعى السلطان فى ذلك اليوم، ونعى الأمراء والأعيان الذين قتلوا. وصار فى كل حارة وزقاق وشارع من القاهرة صراخ وبكاء .. ورجت القاهرة، وضجت الناس، واضطربت الأحوال، وكثر القيل والقال. ثم يقف المؤرخ قليلا ليصف الغورى وخلاله، ويعدد مآثره ومثالبه، ويختتم ابن إياس حديثه عن الغورى، وعن عصره وأعماله، بإيراد زجل طويل مؤثر لصديقه بدر الدين الزيتونى وهو من أشهر أدباء هذا العصر، وفيه يصف النكبة، ويرثى الغورى فى مقاطيع مبكية نقتبس منها ما يأتى:
غربت شمس دولة الغورى … وابن عثمان نجمو طلع ساير
وبهذا رب السما قد حكم … والفلك دار ولم يزل داير
والعجائب فى قتلة الغورى … راح برجلو لقتلتو خاطر
[ ١٩ ]
وحسبنا كل الحساب إلا … ما جرى لو ما مر بالخاطر
دمعة العين منى على الغورى … من دماها تجرى لحزنى عين
كان عليه ترقب زمان ملكو … والسعادة حتى أصابوا عين
ذى العساكر شبهتها روضة … فيها أغصان فرسان عليها زهور
واللبوس من الحديد تحكى … ورد أحمر بين الرياض منثور
والأمارة تحكى شجر مثمر … فى رياض نشروا غدا عاطر
والمدافع ترمى سفرجل كبار … ول رمان يحكى من الفحول فاخر
كم اسلى قلبى على الغورى … وأقلوا يا قلب من تفكر
كل حادث بأمر القديم راحل … والاقامة للأول الآخر
***
يا للذى جا يسمع عقود نظمه … خذ وحر عنو بديع نقلوا
وان أتى من يطلب التاريخ … والوقايع عن الملوك قلوا
غربت شمس دولة الغورى … وابن عثمان نجوا طلع ساير
وبهذا رب السما قد حكم … والفلك دار ولم يزل داير
ويتتبع ابن إياس حركات الغزاة بإفاضة منذ "مرج دابق" حتى قدومهم إلى القاهرة فى أواخر شهر ذى الحجة ٩٢٢ هـ (ديسمبر سنة ١٥١٦ م) ويصف أهبة السلطان طومان باى، لمقاومة الفاتح، بحماسة، وينوه بهمته العالية، فى إعداد وسائل الدفاع، ويجيد شرح الوقائع الهائلة، التى نشبت متعاقبة بين الجيش التركى وعلى رأسه سليم الأول. وبين الجيش المصرى وعلى رأسه طومان باى والمماليك، وكيف عبس القدر لمصر وجيشها، فهزم طومان باى مرارا فى أنحاء القاهرة وضواحيها، ولكنه استمر فى دفاعه جلدا مستبسلا، حتى انفض عنه معظم أنصاره وجنده، ففر إلى الصعيد، يجمع هناك أشتات جيشه، وعتاده، وقد كان من الواضح أن تفوق الترك فى السلاح، ولا سيما فى المدفعية، كان له أكبر الأثر فى هزائم القوات المصرية المتوالية، هذا إلى سريان التفكك والفوضى، والخيانة بين الأمراء والقادة. وكان من المتعذر بعد هزيمة مرج دابق الساحقة أن تجتمع القوات المصرية مرة أخرى، فى جيش كثيف متماسك، يستطيع صد الغزاة.
[ ٢٠ ]
وانقض الغزاة على القاهرة كالضوارى المفترسة، فأوقعوا فى سكانها السفك الذريع، وأمعنوا فى الآمنين قتلا وعبثا وهتكا ونهبا. ودامت هذه المذبحة الهائلة أياما أربعة، وذلك من ثامن المحرم سنة ٩٢٣ هـ (أوائل فبراير ١٥١٧ م) ويصفها ابن إياس "بالمصيبة العظمى التى لم يسمع بمثلها فيما تقدم من الزمان، ثم يقول:" إن الجثث كانت مرمية فى الطرقات من باب زويلة إلى الرميلة ومن الرميلة إلى الصليبة، إلى قناطر السباع، إلى الناصرية، إلى مصر العتيقة، ويقدر القتلى بأكثر من عشرة آلاف ويقدر من قتل من المماليك فقط بثمانمائة، ويقدر البعض الآخر ضحايا هذه الجريمة الشائنة بخمسة وعشرين ألفا، ولم يمض على ذلك أسابيع قلائل حتى أمر سليم الأول بإعدام من بقى من الأمراء المماليك، وكان قد احتال عليهم، ووعدهم بالأمان حتى ظهروا، وعددهم أربعة وخمسون أميرا وقائدا، وقبض على نسائهم وفرضت عليهن الغرامات الفادحة. ثم كانت الموقعة الأخيرة والفاصلة فى السادس من ربيع الأول (أبريل سنة ١٥١٧ م) بين الغزاة وبين جيش طومان باى، فإن هذا الأمير الجلد الشجاع، عاد بقواته على مقربة من الجيزة يحاول مرة أخرى إنقاذ الوطن من براثن الوندال ولكن القدر ظل على عبوسه له، فهزم للمرة الخامسة وغاص كل أمل فى إنقاذ حريات مصر واستقلالها. كان طومان باى قرين قسطنطين باليولوج، أخر القياصرة الرومان، يكافح وحياته تهتز فى يده، ويطلب الموت كما كان يطلبه أخر القياصرة، ولا يشعر بأى أمل حقيقى فى دفع الغزاة. وقد ظفر الفاتح بعد ذلك بطومان باى، وأمر بإعدامه فشنق على باب زويلة، أمام أعين ذلك الشعب الذى كان مليكه قبل ذلك بأشهر قلائل، والذى أحبه وقدر خلاله وبطولته. ويرثيه المؤرخ فى قوله: "صرخت الناس عليه صرخة عظيمة، وكثر عليه الحزن والأسف. وكان شجاعا بطلا، تصدى لقتال ابن عثمان، وثبت وقت الحرب بنفسه، وفتك فى عسكر ابن عثمان، وقتل منهم ما لا يحصى، ووقع منه فى الحرب أمور لم تقع من الأبطال العناترة .. وقاسى شدائد ومحنا، وحروبا وشرورا وهجاجا. ولم يسمع بمثل هذه الوقعة فيما تقدم من الزمان، أن سلطان مصر شنق على باب زويلة قط".
ولبث سليم الأول فى القاهرة زهاء ثمانية أشهر، يذيق وجنده المصريين أشنع ألوان السفك والظلم والمصادرة، ويجمع من تراث مصر وثرواتها الفنية، كل ما وصلت إليه يده، ويخرب المساجد والآثار الخالدة لينتزع منها نفائسها الفنية، ويبعث بها إلى قسطنطينية.
ويقبض على أكابر مصر وزعمائها وعلمائها، ورجال المهن والفنون فيها، ومهرة الصناع والعمال، ويحشدهم أكداسا فى السفن ويبعث بهم إلى قسطنطينية وكان فى مقدمة هؤلاء
[ ٢١ ]
المتوكل على الله أخر خلفاء بنى عباس بمصر وأفراد أسرته وجماعة كبيرة من الأمراء والقواد والقضاة، وكان الفاتح يرمى بذلك إلى غرضين: الأول تجريد مصر من أكابرها وزعمائها ليحطم بذلك عصبيتها، ويقتل قواها المعنوية، والثانى نقل تراث مصر الفنى والفكرى والصناعى، وهو الذى تكدس بالقاهرة مدى قرون طويلة إلى قسطنطينية. ويقول ابن إياس معلقا على ذلك: "وكانت هذه الواقعة من أشنع الوقائع المنكرة التى لم يقع لأهل مصر قط مثلها" ثم يعقد فصلا خاصا يذكر فيه أسماء كل من نفى إلى قسطنطينية من أكابر مصر وأعيانها ومفكريها وفنانيها.
ويفيض المؤرخ فى سرد أعمال الفاتح وجوره، وما أصاب شعب مصر من بطشه وعسفه، حتى مغادرته مصر. ثم يتتبع أخباره بعد ذلك حتى وفاته عام ٩٢٦ هـ (١٥٢٠ م) ويترجمه بهذه المناسبة ويرثيه بأبيات من نظمه. ومن الغريب أن ابن إياس يبدى فى عواطفه نحو الفاتحين ترددا واضطرابا فنراه يحمل على سليم الأول، ويعدد جرائمه ومثالبه فى حق وطنه، ثم نراه فى نفس الوقت يلقبه بالملك المظفر، ويترحم عليه حين يذكر نبأ وفاته، ويدعو بالنصر لولده وخلفه السلطان سليمان. ومن الصعب أن نضبط عواطف المؤرخ. فى هذا الموقف، وفى كثير غيره. ومن الصعب أيضا أن نتعرف حقيقة المؤثرات التى ربما دفعت قلم المؤرخ، بما قد يخالف حقيقة عواطفه. فلعله هو ينحدر من أصل شركسى أو تركي، يتأثر هنا بنوع من عصبية الجنس. ومن جهة أخرى فقد كان ابن إياس "يدون روايته، فى عهد اضطراب وفتنة، وربما كان هذا التردد بين المديح والذم، نوعا من حرية التقدير والنقد عن ابن إياس.
هذه هى رواية ابن إياس عن حوادث الفتح العثمانى - وهى وثيقة تستمد قيمتها رغم ضعف بيانها، من المعاصرة والمشاهدة. بيد أنه يجب ألا نبالغ فى تقدير مدى هذه المشاهد - فإن ابن إياس لم يكن جنديا يخترق الصفوف، ولم يكن من رجال الدولة أو القادة. والظاهر أيضا أنه كان قليل الطواف والتنقل فى تلك الأيام العصيبة التى يدون لنا حوادثها، فهو مثلا لم يحاول أن يرى سليم الأول بالرغم من إقامته فى القاهرة عدة أشهر، وهو لذلك يعتمد فى وصف شخصية على صديق رآه، ولا غرو فقد كان ابن إياس فى ذلك الحين شيخا يجاوز السبعين. وربما لحقته أوصاب المرض. غير أن ابن إياس كان أديبا ومفكرا كبيرا، يتصل بأكابر عصره - وكان فى وسعه أن يتحرى من المصادر والجهات المطلعة. وكان يشهد بعينيه كثيرا من المناظر والآثار المادية لما يدون من الحوادث. ومن ثم كانت أهمية روايته ونفاستها.
[ ٢٢ ]
وإذا كانت رواية ابن إياس عن حوادث الفتح العثمانى لمصر، تقل فى عرضها ووصفها، من حيث البيان والتصوير، عن رواية قرينه فرانتزا عن حوادث الفتح العثمانى للقسطنطينية، وتخلو من التعليقات النقدية التى تمتاز بها رواية فرانتزا، فإنها مع ذلك، تبقى إلى جانب الرواية البيزنطية، قرينتها الوحيدة من حيث التماثل والقيمة التاريخية، فى تاريخ الفتوحات العثمانية.
صفوة القول أن ابن إياس أخر المؤرخين الذين أرخوا تاريخ مصر بدقة وتفاصيل حيث سيبقى اسمه إلى قيام القيامة لما تركه من مؤلفات ومصنفات يشيد بها كل الناس فى جميع الأمصار والأقطار، فلهذا حرصت كل الحرص على إبراز عمل جديد لهذا المؤرخ وهو " جواهر السلوك فى أمر الخلفاء والملوك "وقد قمت بتصوير هذه المخطوطة من معهد المخطوطات العربية رقم ٢٠٥ تاريخ ويقع فى ١٦٥ ورقة، فالمخطوطة بخط المؤلف وبها بعض الصفحات القليلة مطموسة الأسطر، فرجعت إلى بعض المصادر وقمت بتكملتها ووضعت بعض التعليقات والهوامش وضبط الأعلام والمواقع الجغرافية والقبائل والبطون والفرق والمذاهب، إلى جانب تخريج الآيات والأحاديث والأشعار وإضافة الكتب والمصادر الموجودة فى النص. فالكتاب هو تلخيص لمصنفات ومؤلفات ابن إياس وخاصة كتاب" بدائع الزهور "مع إضافة معلومات جديدة لم تذكر فى الكتاب السابق ذكره، إلى جانب تصحيح بعض التواريخ كان قد ذكرها فى مصنفاته. فابن إياس صاحب المدرسة التاريخية المعروفة على مر العصور. فالكتاب" جواهر السلوك "مصدر مهم للدراسين والباحثين فى العلوم الإنسانية فهو يشمل علم التاريخ والجغرافيا والفلسفة والفقه والحديث والأدب وعلم النفس والطب والكيمياء والطبيعة والفلك والرياضيات إلخ.
وفى النهاية أرجو من الله ﷿ أن ينال هذا العمل رضاء الله والباحثين والدارسين وعشاق التاريخ ومصر، والله المعين، يا أرحم الراحمين.
الدكتور محمد زينهم محمد عزب
القاهرة فى غرة المحرم ١٤٢٦ هـ
الموافق ١٠ فبراير ٢٠٠٥ م
[ ٢٣ ]
﷽
وبه الإعانة والتوفيق