ثم ابتدأت من بعد هؤلاء الدولة الإخشيدية فتولى منهم جماعة، فأولهم شخص يسمى أحمد بن كيغلغ (^١) وعزل عنها. ثم تولى تكين ثالث مرة وذلك فى سنة إحدى عشرة وثلاثمائة متوليا فى سنة واحدة، ثم تولى بعده محمد بن طغج (^٢) الفرغانى. فلم تطل أيامه وعزل عنها وأعيد أحمد بن كيغلغ ثانى مرة، وأقام بها مدة ثم عزل عنها، وأعيد محمد بن طغج ثانى مرة، وتولى من بعده أبو القاسم على (^٣) الإخشيدى تولى فى سنة خمس وخمسين وثلاثمائة.
وقيل: كل من تولى على مدينة فرغانة يسمى الإخشيدى، ثم تولى من بعده الأمير أبى بكر بن محمد بن طغج الإخشيدى فأقام بها إلى سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، وكان فى غاية الضخامة والشهامة، قيل: بلغت عدة عساكره بمصر والشام نحو أربعمائة ألف مقاتل يشتمل على عدة طوائف من الأجناس، وبلغ خراج مصر فى أيامه ألفين ألف دينار، غير الضياع التى كانت فى ملكه، والأمير أبى بكر هذا هو الذى رتب الرواتب وأفرض الجوامك للعسكر على قدر مراتبهم.
_________________
(١) هو أحمد بن كيغلغ (بن إبراهيم) أبو العباس من أمراء العصر العباسى تركى الأصل، ولد سنة ٢٥٨ هـ/ ٨٧٢ م ونشأ ببغداد وارتقى إلى مرتبة القواد، فكان مع محمد بن سليمان فى قتاله القرامطة بالشام سنة ٢٨٣ هـ فى عهد المكتفى، وقدم مصر سنة ٢٩٢ هـ و٣٠٢ هـ فى بعض جيوش المكتفى لقمع ثورات نشبت فيها، وكان أميرا على دمشق والأردن سنة ٣٠٠ هـ واستقر فى بغداد سنة ٣٠٣ هـ وولاه المقتدر إمرة مصر سنة ٣١١ هـ فأقام فيها نحو سبعة أشهر واضطربت عليه فصرف عنها وولى أصبهان سنة ٣١٩ هـ وأعاده القاهر العباسى إلى مصر سنة ٣٢١ هـ فدخلها سنة ٣٢٢ هـ واستمرت إمارته نحو ٢١ شهرا وخالفه محمد بن طغج فسلم إليه من غير قتال، وعزل سنة ٣٢٣ هـ. وقال الثعالبى فى اليتيمة:" أحمد بن كيغلغ من أولاد أمراء الشام، شاعر أديب "وأورد له أبياتا رقيقة. مات سنة ٣٢٣ هـ/ ٩٣٥ م. انظر المزيد فى: النجوم الزاهرة ٣/ ١٠٩ و٢٠٦، الولاة والقضاة ٢٧٩ - ٢٨٦، الكامل ١٠٥/ ٨، يتيمة الدهر ١/ ٦٥.
(٢) انظر المزيد فى: النبراس لابن دحية ١١٥، النجوم الزاهرة ٣/ ٢٠٥، وفيات الأعيان ١/ ٤٢، تجارب الأمم ٦/ ١٠٤، الكامل ٨/ ١٥٠، تاريخ ابن الوردى ١/ ٢٦٧ - ٢٧٩، تاج العروس ٢/ ٣٤٣.
(٣) انظر: الولاة والقضاة ٢٩٢.
[ ٦٨ ]
وكان وزيره يسمى ابن كلاقد، قيل إن ابن كلاقد كان يعمل لأولاده فى يوم الغطاس فوانيس شمع مزهر، ومن جملتها شمعة تحمل على عجلة، فكان مصروفها سبعين دينارا، واستمر الأمير أبو بكر فى ولايته على مصر إلى أن مات.
ثم تولى من بعده أبو المسك كافور الإخشيدى الخصى، ولما تولى كافور أمر الديار المصرية فاستنجد بها من عدة من العبيد البربر.
وكان كافور كريما كالمياه، قيل كان راتب مطبخه فى كل يوم ألفين رطل من لحم بقرى وسبعمائة رطل لحم ضانى، ومائة طير أوز، وثلاثمائة طير دجاج، وثلاثمائة فرخ حمام، وعشرين فرخ سمك كبار، وعشرين رميسا رضعا، وثلاثمائة صحن حلوى، وسبعة أفراد فاكهة، وألف كوز فقاع، ومائة قرابة، وعشرة قناطير سكر، وألف كماجة من الخبز، وخمسة أفراد بقولات. وكان إذا مد هذا السماط يأكل منه الخاص والعام.
وكان كافور يعطى العطايا الجزيل للشعراء وغيرهم، فاتفق أن زلزلة وقعت بمصر فى أيامه فدخل عليه محمد بن عاصم الشاعر فأنشده قصيدة منها هذا البيت:
ما زلزلت مصر من خوف يراد بها … لكنها رقصت من عدله طربا
فأجازه على هذه القصيدة بألف دينار وهذه الجائزة هى التى هجت أبى الطيب المتبنى (^١) حتى دخل إلى مصر وامتدح كافور بقصائد سنية وهى ثابتة فى ديوانه إلى الآن.
_________________
(١) هو أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفى الكوفى الكندى أبو الطيب المتنبى الشاعر الحكيم، ولد سنة ٣٠٣ هـ/ ٩١٥ م وأحد مفاخر الأدب العربى، له الأمثال السائرة والحكم البالغة والمعانى المبتكرة، وفى علماء الأدب من يعده أشهر الإسلاميين، ولد فى الكوفة فى محلة تسمى " كندة "وإليها نسبته، ونشأ بالشام ثم تنقل فى البادية يطلب الأدب وعلم العربية وأيام الناس، وقال الشعر صبيا وتنبأ فى بادية السماوة (بين الكوفة والشام) فتبعه كثيرون وقبل أن يستفحل أمره خرج إليه لؤلؤ (أمير حمص ونائب الإخشيد) فأسره وسجنه حتى تاب ورجع عن دعواه ووفد على سيف الدولة الحمدانى صاحب حلب سنة ٣٣٧ هـ فمدحه وحظى عنده ومضى إلى مصر فمدح كافور الإخشيدى وطلب منه أن يوليه، فلم يوله كافور فغضب أبو الطيب وانصرف يهجوه وقصد العراق فقرئ عليه ديوانه وزار بلاد فارس فمر بأرجان ومدح فيها ابن العميد وكانت له معه مساجلات ورحل إلى شيراز فمدح عضد الدولة بن بويه الديلمى وعاد يريد بغداد فالكوفة، -
[ ٦٩ ]
قيل: لما مات كافور الإخشيدى (^١) اختل نظام مصر وقلت الأموال عن الجند، فكتب جماعة من أهل مصر إلى المعز، بأن يحضر هو القائد ومعه مائة فارس إلى مصر، أو يرسل لهم عسكرا ليسلموا إليه مصر، فأرسل المعز لهم جوهر القائد (^٢) ومعه مائة فارس. وكانت ولاية كافور على مصر فى سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، وأقام بها كافور إلى أن مات فى سنة سبع وخمسين وثلاثمائة، فكانت
_________________
(١) = فعرض له فاتك بن أبى جهل الأسدى فى الطريق بجماعة من أصحابه ومع المتنبى جماعة أيضا، فاقتتل الفريقان، فقتل أبو الطيب سنة ٣٥٤ هـ/ ٩٦٥ م وابنه محمد وغلامه مفلح بالنعمانية بالقرب من دير العاقول (فى الجانب الغربى من سوار بغداد). انظر المزيد فى: وفيات الأعيان ١/ ٣٦، معاهد التنصيص ١/ ٢٧، تاريخ ابن الوردى ١/ ٢٩٠، لسان الميزان ١/ ١٥٩، تاريخ بغداد ٤/ ١٠٢، المنتظم ٧/ ٢٤.
(٢) هو كافور بن عبد الله الإخشيدى أبو المسك الأمير المشهور صاحب المتنبى كان عبدا حبشيا اشتراه الإخشيد ملك مصر سنة ٣١٢ هـ فنسب إليه، ولد سنة ٢٩٢ هـ/ ٩٠٥ م وأعتقه فترقى عنده، ومازالت همته تصعد به حتى ملك مصر سنة ٣٥٥ هـ، وكان فطنا ذكيا حسن السياسة، أخباره كثيرة، توسع صاحب النجوم الزاهرة فى بيانها وقال: إن مدة إمارته على مصر اثنان وعشرون سنة، قام فى أكثرها بتدبير المملكة فى ولاية أبى القاسم ثم أتى أبى الحسن ابنى الإخشيد وتولاها مستقلا سنتين وأربعة أشهر. وكان يدعى له على المنابر بمكة ومصر والشام إلى أن توفى سنة ٣٥٧ هـ/ ٩٦٨ م بالقاهرة، وقيل حمل تابوته إلى القدس فدفن فيها وكان وزيره ابن الفرات. قال الذهبى: كان عجبا فى العقل والشجاعة. انظر المزيد فى: دول الإسلام ١/ ١٧٣، الولاة والقضاة ٢٩٧، وفيات الأعيان ١/ ٤٣١، تاريخ ابن خلدون ٤/ ٣١٤، النجوم الزاهرة ٤/ ١ - ١٠.
(٣) هو جوهر بن عبد الله الرومى أبو الحسن القائد بانى مدينة "القاهرة" والجامع "الأزهر" كان من موالى المعز العبيدى (صاحب إفريقية)، وسيره من القيروان إلى مصر بعد موت كافور الإخشيدى فدخلها سنة ٣٥٨ هـ وأرسل الجيوش لفتح بلاد الشام وضمها إليها ومكث بها حاكما مطلقا إلى أن قدم مولاه المعز (سنة ٣٦٢ هـ) فحل المعز محله، وصار هو من عظماء القواد فى دولته وما بعدها إلى أن توفى بالقاهرة سنة ٣٨١ هـ/ ٩٩٢ م. وكان كثير الإحسان، شجاعا، لم يبق بمصر شاعر إلا رثاه، وكان بناؤه القاهرة سنة ٣٥٨ هـ وسماها "المنصورية" حتى قدم المعز فسماها "القاهرة" وفرغ من بناء "الأزهر" فى رمضان سنة ٣٦١ هـ. انظر المزيد فى: معجم البلدان ٧/ ١٩، وفيات الأعيان ١/ ١١٨، النجوم الزاهرة ٤/ ٢٨، تاريخ ابن عساكر ٣/ ٤١٦، خطط مبارك ٢/ ٤٥.
[ ٧٠ ]
ولايته نحو سنتين وأشهر، وقيل كانت علامته على مراسيمه، القلم يمده والسيف يحده والعبد يسعده لا بأبيه ولا بجده. ولما مات كافور تولى بعده الإمام المعز الفاطمى.