فيها: علق السلطان الجاليش وأمر بخروج العسكر إلى حلب وعين من الأمراء جماعة فخرجوا قبل توجه السلطان وهم: الأتابكى بيبرس الجاشنكير والأمير لاجين الرومى والأمير طغربل والأمير كراى والأمير بيبرس الدوادار والأمير سنقر شاه وهم ستة مقدمين ألوف، فخرجوا من القاعدة فى ثامن رجب من السنة المذكورة.
ثم جاءت الأخبار بأن قطلوشاه أمير غازان وصل إلى حلب وهو فى اثنى عشر ألف فارس، فلما تحقق السلطان صحة الأخبار لم يستقر له قرار وخرج من القاهرة بالعساكر جميعها بحيث لم يتأخر صغير ولا كبير، وجمع طائفة كثيرة من العربان والعشير وغيرهم، وخرج السلطان الملك الناصر محمد ومعه الخليفة المستكفى بالله أبو الربيع سليمان والقضاة الأربعة وجميع العسكر وخرج فى ثالث شهر شعبان من السنة المذكورة وهى السفرة الثالثة.
فلما خرج من القاهرة فجد فى السير حتى وصل إلى دمشق فى مستهل شهر رمضان، فتلاقى السلطان مع عسكر غازان على المرج الأصفر ووقع بينهما وقعة عظيمة ما سمع بمثلها، فنصر الله تعالى السلطان وعسكره على عسكر غازان فولوا مدبرين وهلك منهم خلق كثيرة بالسيف وشئ غرق فى الفرات، وشئ مات بالعطش والجوع وما نجا منهم إلا من طال عمره، وقد كسبوا من عسكر التتار الخيول والسلاح والقماش لم يسمع بمثله أبدا. وفى ذلك يقول بعض الشعراء:
مشوا متسابقى الأعضاء فيهم … لأرجلهم بأرؤسهم عثار
[ ١٥٧ ]
إذا فاتوا السيوف تناولتهم … بأسياف من العطش القفار
ثم رحل السلطان عن مكان الوقعة ودخل إلى دمشق ومعه الخليفة والقضاة الأربعة فنزل بالقصر الذى فى ميدان دمشق وزينت له دمشق وأخلع على سائر الأمراء والنواب وقد قتل فى هذه الواقعة جماعة كثيرة من الأمراء والمماليك السلطانية والعساكر الشامية، ثم إن السلطان قصد التوجه إلى نحو الديار المصرية، فخرج من دمشق فى يوم الثلاثاء ثالث شهر شوال فوصل إلى القاهرة فى ثالث عشرين شوال فزينت له مصر والقاهرة، وكان يوم دخو - له إلى القاهرة يوما مشهودا ومعه جماعة كثيرة من أسرى التتار وهم مشاة مكشفين الروؤس، حفاه وصناجقهم منكسة بأيديهم، ودخل السلطان من باب النصر فلما وصل إلى بين القصرين ترجل عن فرسه ودخل إلى قبة والده قلاوون وزار ضريحه ثم ركب الأمراء فى ركابه يمشون إلى القلعة وفرشت له الشقق الحرير ومشى عليها بفرسه إلى أن طلع إلى القلعة.