فيها: أمر السلطان بإبطال صمان الحشيش وإراقة الخمور وخراب بيوت المسكرات ومنع الخانات من الخواطى واستتوب العلوق واللواطى، وعم هذا الأمر سائر أقطار الديار المصرية حتى البلاد الشامية فطهرت فى أيامه تلك البقاع من جميع المنكرات وخرج على ذلك غاية التخريج. ثم أحضروا إليه فى أثناء هذه الواقعة بشخص يسمى "ابن" الكازرونى وهو سكران فأمر بصلبه فصلب وعلقت الجرة فى عنقه. فلما رأى ذلك أهل المجون والخلاعة فامتثلوا بالسمع والطاعة، وفى ذلك يقول شمس الدين بن دانيال:
لقد كان حد السكر من قبل صلبه خفيف الأذى … إذ كان فى سرعنا جلدا
فلما بدا المصلوب قلت لصاحبى ألا تب فإن … الحدّ قد جاوز الحدّ
وقال الأديب إبراهيم بن المعمار فى هذا المعنى من زجل لطيف منه، هذه الأبيات وهى المقصودة من الزجل.
منعونا ماء العنب يا أسين … رب سلم لا يمنعونا التين
[ ١١٨ ]
هاك قل لى إذا منعنا الراح … وحرمنا من الوجوه الصباح
بيش نبقا نستجلب الأفراح … والخليع كيف نراه يعيش، مسكين
على موت العنب بكا الراووق … والشمع صار بعبرتو مخنوق
والوتربات من الغروب للشروق … من أنينو تسمع لو فى الليل حنين
وقال الشيخ شمس الدين بن دانيال الحكيم: لما قدمت من الموصل إلى الديار المصرية فى الدولة الظاهرية سقى الله عهدها. وأعذب مشارب وردها، فوجدت تلك الرسوم دارسة، ومواطن الأنس بها آنسة، وأرباب الخمور والحشيش عابسة. وقد هزم أمر السلطان جيش الشيطان، وتولى الحرانى والى القاهرة وإهراق الخمور واحراق الحشيش وتبديد المزور، واستتوب العلوق واللواطى، وحجر البغايات والخواجى، وقد أذى الخلفاء غاية الأذية، وصلب ابن الكازرونى وفى عنقه نباذية، ثم شاعت الأخبار ووقع الإنكار، وأقيمت الحدود، وعطلت البدود وسجن الخمار والمزار واتاوى المسطول فى الدار، فخطر بخاطرى أن انظم هذه الواقعة فى قصيدة واجعلها فى أسلوبها فريدة وهى هذه:
مات يا قوم شيخنا إبليس … وخلا منه ربعه المأنوس
ونعانى حدسى به إذ توفى … ولعمرى مماته محدوس
هو لو لم يكن كما قلت ميتا … لم يغير لأمره ناموس
أين عيناه تنظر الحمرة إذ … عطل منها الراووق والمحريس
ومواعينها تكسر والخمار … من بعد كسرها محبوس
أين عيناه والحشائش تحرقن … بنار تراع منها المجوس (^١)
قلعوه من البساتين إذاك … صغارا خضراء وهى غروس
والحرافيش حولها يتباكون … وهذا يطفى لهذا الوطيس
أين عيناه تنظر المزروقد … أوحش منه الماجور والقاروس
وعجين البقول قد بددوه … وهو بالترب خلطة مبسوس
وذوو القصف ذاهلون وقد … كادت على سيلها تسيل النفوس
_________________
(١) وردت الأبيات فى بدائع الزهور.
[ ١١٩ ]
كم خليع يقول ذا اليوم يوم … مثل ما قيل قمطريرا عبوس
وفتى قائلا لقد هان عندى … بعد هذا فى شربها التجريس
وقضيب ونرجس وسعاد … باكيات وزينب عروس
وذى تنادى حريفها لوداع … لا عناق لا ضم لا تبويس
وينادى قوادهم شه علينا … نجم ستى قد عكسته العكوس
أين تمشى حزنا يجور زمان … لا قحاب فيه ولا خندريس
وترى زنكلون يزعق زيتون … وناتوا يصيح يا جاموس
ذا ينادى رفيقى يا عنيكر … بل وهذا يصيح يا بغنوس
أين شكشاكتى وطاجنه الفار … وأين المزراق والدبوس
نهبوا الحصن والطير طير والطار … وضاعت خريطتى والفلوس
ارحلوا هذه بلاد عفاف … وسعود الخلاع فيها نحوس
من لنا بعد ذلك الشيخ إلف … وسمير ومؤنس وأنيس
لم تر بعده فتى ضاحك الس … ن وكل يبدو له تعبيس
فسأبكيه أرمد العين حتى … لشقائى يعيش جالينوس
يقول: وكانت وفاة الشيخ شمس الدين بن دانيال الحكيم فى سنة عشر وسبعمائة. ومن شعره لنفسه وهو قوله:
يا سائلى عن حرفتى فى الورى … وضيعتى فيهم وإفلاسى
ما حال من درهم إنفاقه … يأخذه من أعين الناس