فيها: توجه السلطان إلى نحو البلاد الشامية وفتح مدينة طرابلس وملكها بالسيف ورجع إلى نحو الديار المصرية، فزينت له القاهرة ودخل فى موكب عظيم.
وفى هذه السنة: جرد الأمير أيبك الأفرم إلى بلاد النوبة. وقد بلغ السلطان أن صاحب النوبة قصد أن يهجم على مدينة أسوان وينهبها، فجرد إليه السلطان الأمراء والعسكر، فلما وصلوا إليه هرب منهم صاحب النوبة فتتبعوه إلى أخر بلاده فغنموا منه أشياء كثيرة من جوار وعبيد وغير ذلك ورجعوا إلى مصر سالمين.
وفى أواخر هذه السنة: توجه السلطان إلى حصار مدينة عكا فخرج السلطان من القاهرة ونزل بمسجد التين عند المطرية حتى يتكامل العسكر، فوجد السلطان فى نفسه توعكا وصار فى كل يوم يتزايد به الألم وثقل فى المرض. وكان قد فوض أمر المملكة فى أيام حياته إلى ولده الأشرف خليل بعد موت أخيه الملك الصالح على فكان الأشرف خليل ينزل فى كل يوم من القلعة إلى عند أبيه قلاوون ويرجع فى أخر النهار إلى القلعة. وكان الأمراء يدخلون إلى عند السلطان فى كل يوم. فلما رأى الأمير طرنطاى النائب حال السلطان قد تغير وزاد به الاسهال منع الأمراء من الدخول إلى عند السلطان، فلما تحقق الأمراء من موت السلطان اجتمعوا وضربوا مشورة بينهم وهم الأمير كتبغا والأمير لاجين والأمير أيبك الخازندار وغيرهم من الأمراء، وقالوا للأمير طرنطاى النائب أنت تعلم أمرك مع الأشرف خليل وبغضه لك والأمر قد صار إليه والسلطان ما بقى فيه رجوة والأشرف خليل قاتلك لا محالة ونحن معك عصبية. فسألت الأمير طرنطاى ساعة، وقال كيف يشاع عنى أنى جئت ابن أستاذى من بعده فى أولاده، وإذ صار الأمر إليه إن رضينى كنت مملوكه وأن قتلنى كنت مظلوما والمحذور ما يرد المقدور، ثم إن السلطان قلاوون أخذ فى النزع، فقعد الأمير طرنطاى عند رأسه حتى مات وغمضه، وكتم موته حتى طلع النهار وحضر الأمراء على عادتهم فأعطاهم دستورا، فمضوا.
[ ١٣٢ ]
ثم إن الأمير طرنطاى أرسل عرّف ولده الأشرف خليل وأرسل الخزائن والأطلاب التى كانت مع السلطان قلاوون بسبب السفر إلى فتح مدينة عكا.
وأرسل يشير على الملك الأشرف خليل أنه يقيم بالقلعة ولا ينزل إلى المدينة ووكل به مقدم المماليك. ثم إن الأمير طرنطاى حمل السلطان قلاوون فى محفة وهو ميت وطلع به إلى القلعة وغسله وكفنه ونزل به فى تابوت بعد العشاء والأمراء وأعيان الناس من القضاة وغيرهم مشاة قدامه يتباكون إلى أن وصلوا به إلى القبة التى أنشأها بين القصرين فدفن هناك.
وكانت مدة توعكه تسعة عشر يوما وكانت مدة سلطنته بالديار المصرية إحدى عشرة سنة وثلاثة أشهر وستة أيام كما قيل.
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته … يوما على آله حدباء محمول
ولما مات خلف من الأولاد ثلاثة ذكور وهم: الأشرف خليل والناصر محمد والأمير أحمد ولد بعد وفاته.
وكان المنصور قلاوون حسن الشكل، معتدل القامة، درى اللون، قليل الكلام بالعربى، فصيحا بالتركى، شجاعا بطلا مقداما، محبا لجمع المال، مغرما بمشترى المماليك، حتى قيل تكامل عنده من المماليك اثنى عشر ألف مملوك، وقيل سبعة آلاف مملوك، ومما يدل على علو همته وحسن اعتقاده، وهو عمارته للبيمارستان الذى بين القصرين، وهو من حسنات الزمان يحتاج إليه الملوك ويفتقر إليه الغنى والصعلوك، ولا يعلم فى الإسلام وقف على وجه بر أعظم منه ولا أكثر معروفا منه، ولا أحسن شرطا منه، وقد كفاه ذلك فى الدنيا والأخرة، وهو الذى غير تلك الملابس الشنيعة التى كانت تلبس فى الدول القديمة. قيل كانت كلوتاتهم صفر مضربة عريض بغير شاش وشعورهم مظفورة وهى خلفهم فى كيس حرير أحمر وأصفر وكانوا يشدون فى أوساطهم بنود بعلبكى مصنوعة عوضا عن الحوايص وكانت أكمام أقبتهم ضيقة على زى ملابس الفرنج وكانت أخفافهم برغالى ويلبسون فوقها سقمان ويشدون من فوق قماشهم أبزيم جلد بحلق. وكانت لهم صوالق برغالى كبار يسمع كل واحد منها نصف ويبة قمح، وكانت لهم مناديل خام قدر الفوطة لمسح أيديهم، فغير السلطان قلاوون ذلك جميعه وجدد له مماليك ما بين جراكسة
[ ١٣٣ ]
وروم وترك وأسكنهم فى الأبراج بقلعة الجبل وسماهم البرجية. وأما فتوحاته: فالمرقب وجبلة من بلاد الفرنج، وفتح طرابلس واللاذقية وجبيل. وأخذ من أولاد الملك الظاهر بيبرس الكرك والشوبك.
وأما ما أبطله من وجوه المظالم فى أيامه وهو زكاة الداوب وذلك أنه كان يؤخذ ممن له مال زكاته، فإذا مات الشخص أو عدم ماله يؤخذ من أولاده أو أقاربه أو ورثته. وأبطل ما كان يؤخذ من أهل مصر إذا حضر مبشر بفتح مدينة أو بنصرة عسكر أو نحو ذلك، فتؤخذ من الناس على قدر طبقاتهم، وكان يجمع من ذلك مالا كثيرا. وأبطل ما كان يجنى عند وفاء النيل من أهل مصر مما كان يعمل به شوى وحلوى وفاكهة برسم المقياس، فأبطل ذلك جميعه وجعل مصروفه من بيت المال. وكان قلاوون من أجلّ ملوك الترك قدرا. ولما مات تولى من بعده ابنه خليل.