فيها: توقف النيل عن الزيادة فى أواخر مسرى ونقص فى أواخر النسئ فضج الناس لذلك وتشحطت الغلال وارتفع سعر القمح فلما كان أول يوم من توت وهو يوم النوروز انحطت الأسعار ولم يوف النيل. فلما كان سابع توت كسر السد من غير وفاء لم يخلق المقياس لذلك لأن التخليق ما يكون إلا مألوفا. فلما كان سابع عشرين توت نقص النيل جملة واحدة فكان منتهى الزيادة فى تلك السنة خمسة عشر ذراعا وسبعة عشر إصبعا وذلك فى سنة تسع وسبعمائة ولكن لم يتشحط لذلك الأسعار إلا قليلا وفى ذلك يقول النصير الحمامى:
إن عجل النوروز قبل الوفا … عجل للعالم صفع القفا
فقد كفى من دمعهم ما جرى … وما جرى من نيلهم ما كفى
وكانت وفاة النصير الحمامى فى سنة اثنتى عشرة وسبعمائة، وكان شاعرا جيدا فمن شعره لنفسه هذه الأبيات مناسبة لصنعته.
وكدرت حمامى بغيبتك التى … تكدر فيها العيش من كل مشرب
فما كان صدر الحوض منشرحا بها … وما كان قلب الماء فيها بطيب
وله أيضا:
لى منزل معروفة … ينهل غيثا كالسحب
أقبل ذا العذر به … وأكرم الجار الجنب
_________________
(١) انظر المزيد فى: النجوم الزاهرة ٨/ ٢٣٢ - ٢٧٦، السلوك ٢/ ٤٥ - ٧١ ثم ٨٠.
[ ١٦٠ ]
ثم إن العوام صنعوا كلاما ملحنا وصاروا يغنونه فى الأسواق وأماكن المفترجات، وهو هذا:
سلطاننا ركين … ونايبو دقين
يجينا المآ … من أين
هاتوا لنا الأعرج … يجى الماء ويدحرج
وكان سلار النائب فى ذقنه بعض شعرات فى حنكه لأنه كان خطاى، وكان الملك الناصر محمد به بعض عرج، فلما فشى الكلام فى ذلك بلغ السلطان الملك المظفر بيبرس فقبض على جماعة من العوام نحو ثلاثمائة إنسان فشمر منهم جماعة وقطع ألسنة جماعة، وضرب منهم جماعة بالمقارع. ثم إن الملك المظفر قبض على جماعة من الأمراء والمماليك السلطانية فنفرت منه قلوب الرعية بسبب ذلك وأختار الناس عود الملك الناصر محمد من الكرك وكاتبه الأمراء والنواب، وصار بعض المماليك السلطانية يتسحبون من القاهرة إلى الكرك، وصار الملك المظفر عين لتجريدة فيتكاسل الأمراء عن السفر. فلما رأى الملك المظفر ذلك أرسل إلى الملك الناصر محمد الأمير علاء الدين مغلطاى المسعودى والأمير قطلوبغا وأرسل معهما كتابا إلى الملك الناصر محمد مضمونه إن لم تنته وترجع عن مكاتبك إلى الأمراء وترسل ما عندك من الأموال والخيول والمماليك وإلا جرى عليك كما جرى على أولاد الملك الظاهر بيبرس البندقدارى ونفيهم إلى القسطنطينية ووعده فى الكتاب بكل سوء، فلما وصل الكتاب إلى الملك الناصر بهذا المعنى، اشتد غضبه وقبض على الأميرين اللذين أرسلهما إليه الملك المظفر واعتقلهما بعد أن ضربهما ضربا شديدا، وأرسل كاتب النواب وهم نائب حلب ونائب طرابلس ونائب صفد ونائب حماه وهو يقول لهم "لما اشتد على الضنك والحجر، خرجت من مصر وتركت لهم الملك، وأقمت بالكرك ورضيت بأحقر الأماكن، وأضيق المساكن ليستريح خاطرى فما يترجعوا عنى، وصرح لهم بما فى كتاب المظفر بيبرس من التهديد له، ثم قال للنواب فى مكاتباته، وأنتم تعلمون ما لوالدى عليكم من حق التربية والعتق، وما أظنكم ترضون لى بهذا الحال، فأما أنكم تكفونى عنى هؤلاء المتعصبين على وإلا أنا التجئ إلى بلاد التتار وهو خير لى من أن التجئ إلى بلاد الفرنج.
[ ١٦١ ]
فلما وصلت كتب الناصر محمد إلى النواب أخذتهم الحمية إلى ابن أستاذهم وأجابوا كلهم بالسمع والطاعة إلى الناصر محمد بن أستاذهم وعرفوه أنهم طوع يديه، ومتى أراد الحركة إلى مصر بادروا إليه.
فلما جاءت إلى الناصر مكاتبات النواب بهذا المعنى، فحرك من الكرك طالبا للديار المصرية فسار إلى أن نزل على المرج الأبيض. فأرسل أقوش الأفرم نائب دمشق بعلم المظفر بيبرس وكان من عصبيته بأن الملك الناصر تحرك طالبا نحو الديار المصرية وطاعه سائر النواب. وقد وصل إلى دمشق فانظر ماذا يصنع فى هذا الأمر. فلما بلغ المظفر بيبرس عين تجريدة، وأنفق عليهم. ثم جاءت الأخبار بأن الملك الناصر دخل إلى الشام وملكها وصلى بها الجمعة وخطب فيها باسمه، ودخل نائب الشام تحت طاعته.
ثم جاءت الأخبار بأن الناصر خرج من دمشق قاصدا الديار المصرية فعند ذلك دخل الأمير سلار النائب وجماعة من الأمراء على الملك المظفر بيبرس وقالوا له إن جماعة من الأمراء والمماليك السلطانية تسحبوا من القاهرة فى الليل وتوجهوا إلى عند الملك الناصر محمد، وقد وصل إلى غزة ومن الرأى أن ترسل إلى الملك الناصر تسأل عن مكان تتوجه إليه أنت وعيالك فلعله يجيبك إلى ذلك ومتى لم يبادر إلى ذلك دهمتك العساكر وتؤخذ كرها. فقال المظفر ومن يتوجه إلى الناصر بهذه الرسالة، فأشار الأمراء على السلطان بأن الأمير بيبرس الدوادار والأمير بهادر آص .. يتوجها بهذه الرسالة إلى الناصر فعند ذلك خلع الملك المظفر بيبرس نفسه من السلطنة وأرسل الخلع والتمجاه والترس مع الأمير بيبرس الدوادار والأمير بهادر آص إلى عند الناصر محمد وذلك يوم الثلاثاء سادس عشر شهر رمضان من السنة المذكورة.
ومن غريب الاتفاق أن الساعة التى ركب فيها الملك الناصر محمد من الشام قاصدا الديار المصرية كانت هى الساعة التى خلع فيها المظفر بيبرس نفسه من السلطنة فكانت كما قيل ساعة سعد. وادام فيها الملك الناصر محمد فى السلطنة إلى أن مات على فراشه كما سيأتى ذكره فى موضعه.
فلما توجه الأمير بيبرس والأمير بهادر آص إلى عند الملك الناصر محمد فخاف المظفر على نفسه، فدخل إلى الخزائن السلطانية وأخذ ما قدر عليه من الأموال والتحف، ونزل من القلعة ومعه مماليكه المشتراوات وكانوا نحو سبعمائة مملوك وصحبه من الأمراء بكتوت الفتاح والامير أيدمر الخطيرى والأمير قجماس فنزل من
[ ١٦٢ ]
باب القرافة، وأخذ من الأسطبل السلطانى عدة خيول. فلما بلغ العوام نزو - له تجمعوا له ورجموه وسبوه سبا قبيحا فأنه كان أفحش فى حقهم وشوش على جماعة منهم كما تقدم.
وكان نزو - له من القلعة فى ليلة الأربعاء سادس عشر رمضان فلولا أنه اشغل العامة بنثر الفضة فى الطرقات وإلا كانوا قتلوه لا محالة ولما نزل من القلعة توجه إلى نحو بلاد الصعيد فلما أصبح الصباح رحل من بقى من الأمراء والعسكر طالبين الملك الناصر، ثم إن الأمير سلار احتفظ بالقلعة إلى أن وصل الملك الناصر. هذا ما كان من أمر الملك المظفر بيبرس. وأما ما كان من أمر الملك الناصر (^١) فأنه لما خرج إليه الأمير بيبرس الدوادار والأمير بهادر آص تلاقا معه على غرة. فلما أخبراه بخلع المظفر من السلطنة وأنه أرسل يطلب الأمان، وأن السلطان يتنعم عليه بمكان يقيم فيه هو وعياله، وسلموا إلى الملك الناصر التمجاه والترس. فلما سمع الملك الناصر بذلك فرح غاية الفرح وقال: "الحمد لله الذى صان دماء المسلمين" ثم خلع على الأميرين المقدم ذكرهما. وكتب الجواب إلى الملك المظفر بيبرس بالأمان وأرسله صحبة الأمير بيبرس والأمير بهادر آص، وتوجها إلى القاهرة، فوصلا إلى القاهرة فى حادى عشرين شهر رمضان فاخبر الأمير سلار النائب بما وقع من الملك الناصر، فعند ذلك أرسل سلار الأمان الذى كتبه الملك الناصر إلى المظفر بيبرس، فوجده قد تعدى اطفيح وهو قاصد إلى أسوان، ثم إن الملك الناصر وصل إلى بركة الحاج فى سلخ شهر رمضان، فعيد بها عيد الفطر، فخرج إليه الأمير سلار النائب وقبل الأرض بين يديه، فأخلع عليه السلطان خلعة سنية. وأنه على عادته نائب السلطنة، ثم إن السلطان طلع إلى القلعة فى يوم الأربعاء مستهل شوال سنة تسع وسبعمائة، فلما جلس على سرير الملك لبس خلعة السلطنة وباس له الأمراء الأرض بالايوان الأشرفى وذلك فى يوم الخميس ثانى شوال وهذه هى السلطنة الثالثة.