فيها: توجه السلطان نحو الجيزة ومنها إلى البحيرة وإلى مكان يسمى الحمامات وذلك على سبيل التنزه فخرج فى ثالث المحرم وكان الوزير شمس الدين بن السلعوس قد تقدمه إلى ثغر الإسكندرية لتجهيز المقام واستخراج الأموال، فوجد غلمان الأمير يبدرا نائب السلطنة بثغر الإسكندرية. وقد استولوا على البهار وادخروا منه فى حواصل ما ليس فى حواصل السلطان مثله فكاتب ابن السلعوس السلطان بما رآه من ذلك فغضب السلطان على الأمير بيدرا النائب وأرسل خلعه وأغلظ عليه فى الكلام وتوعده بكل سوء فتلطف به الأمير بيدرا فى الكلام حتى خرج من بين يديه. فلما خرج من عنده اجتمع بأعيان خشداشينه وهم: الأمير لاجين والأمير قراسنقر وغيرهما من الأمراء وما منهم إلا من هو متغير على السلطان. وكان السلطان أعطى لغالب الأمراء والعسكر دستورا أن يمضى كل واحد منهم إلى القاهرة إلى أن يحضر السلطان وكان عزم السلطان أن يتوجه إلى ثغر الإسكندرية. فلما أصبح السلطان خرج ليتصيد فى الخلاء. فلما بلغ الأمراء ذلك اتفقوا على قتله، وقالوا: هذا اوان انتهاز الفرصة فسدوا تراكيشهم وركبوا خيولهم وساقوا خلفه فوجدوه منفردا وحده ليس معه إلا شهاب الدين بن الأشل أمير شكار لا غير وبعض مماليك صغار خلفه فلما رأى السلطان الأمراء وهم قاصدينه وكانوا نحو عشرة من الأمراء فأحس منهم بالشر وظهر له منهم الغدر، فلما وصلوا إليه عاجلوه بالحسام قبل الكلام. فأول من ابتداه الأمير يبدرا فضربه بالسيف على يده فصاح عليه الأمير لاجين من يريد لعمل سلطان يضرب هذه الضربة ثم إن الأمير لاجين ضربه على كتفه بالسيف فوقع إلى الأرض فجاءه الأمير بهادر رأس نوبة النوب ونزل عن فرسه وأدخل السيف فى دبره وأطلعه من خلفه وبقى كل واحد من الأمراء يظهر ما فى نفسه منه وتركوه ميتا فى البرية، مطروحا ومضوا عنه كما قيل من استخف بشئ قتله. قيل لما قتل الأشرف خليل كان له من العمر نحو من ثلاثين سنة. وكان صفته: ضخما سمينا كبير الوجه، مستدير اللحية، يميل إلى اللهو والطرب والسماع الطيب وشرب الراح وحب الفتان من النساء الحسان.
[ ١٣٨ ]
قال القاضى محيى الدين بن عبد الظاهر: ما رأيت ولا سمعت بأحسن من مهم الملك الأشرف خليل ولقد كنت أحضر بالمراسيم للعلامة فما علم على مرسوم قط إلا وقرأه جميعه ويفهم ما فيه، بل وكان يستدرك علينا ويخرج بأشياء كثيرة فيها الصواب، ولقد تعاظم الأشرف خليل فى أخر الوقت حتى صار يكتب فى موضع العلامة وهو إشارة إلى الحرف الأول من اسمه، ومنع الكتاب بديوان الإنشاء ألا يكتبوا لأحد من الأمراء والنواب "الزعيمى" وكان يقول: من زعيم الجيوش غيرى "وكان الأشرف خليل له معرفة تامة بأحوال المملكة، وكان كفئا للسلطنة وما كان فيه من المساوئ غير أنه كان يسمع من وزيره شمس الدين بن السلعوس فى حق الناس، وكان ذلك سببا لزوال ملكه وسرعة قتله. وكان عنده العدل فى حق الرعية، منصفا [فى حكمه] (^١) كما أنه لا يراعى فى الحق أحدا من الأمراء ولا غيرهم، فكان أحق يقول القائل بحيث يقول هذه الأبيات:
يا أيها الملك الذى سطواته … حلمت بها الأعداء فى يقظانها
ملك تقر له الملوك بأنه … إنسان أعينها وعين حياتها
شتت شمل المال بعد وفوره … وجمعت شمل الناس بعد شتاتها
وظهرت بالعدل الذى أمسى به … فى البيد يخشى ذئبها من شاتها
وكانت قتلة الأشرف خليل فى عصر يوم السبت خامس المحرم سنة ثلاث وتسعين وستمائة. فلما قتل الأشرف خليل اتفق رأى الأمراء على سلطنة الأمير يبدرا النائب فحلف له الأمراء وسلطنوه وأركبوه تخت العصائب السلطانية ولقبوه بالملك الأوحد، وقيل بالملك الرحيم، ثم أخذوا فى أسباب مسك الأمراء فمسكوا الأمير بيسرى والأمير بكتمر السلحدار وغيرهما من الأمراء. فلما وصل هذا الأمر والخبر إلى الأمراء الذين كانوا بالقاهرة فخرجوا على الفور ومن معهم من المماليك السلطانية وأخذوا فى الوثوب على الأمير يبدرا فتلاقوا هم وأبوه على الطرانة، فلما تلاقوا تقاتلوا مع الأمير يبدرا ومن معه، فسار على يبدرا عين القلب ويسحب من المماليك السلطانية وجاءوا إلى عند الأمير كتبغا وكذلك من كان مع
_________________
(١) إضافة من عندنا للسياق مع المعنى.
[ ١٣٩ ]
الأمير بيدرا من العربان الذين جمعهم من البحيرة فلم يكن إلا ساعة يسيرة، وقد مسك الأمير بيدرا وانهزم من كان معه من الأمراء والمماليك ثم قتلوا الأمير يبدرا وشقوا بطنه وأخرج بعض المماليك والأشرفية كبده ولاكوا منه قطعة ثم خزوا رأسه وحملوه على رمح، وتوجهوا إلى القاهرة وطافوا برأس يبدرا فى القاهرة وهرب من كان من عصبة يبدرا وهم: الأمير لاجين وقراسنقر وغيرهما من الأمراء، ثم إن الأمير سنجر الشجاعى نادى أن المعادى لا يعدو بأحد من المماليك ولا من الأمراء من بر الجيزة والقاهرة.
فلما قتل يبدرا اتفق جماعة من الأمراء على سلطنة محمد بن قلاوون أخو الأشرف خليل وأن يكون الأمير كتبغا نائب السلطنة ومدبر المملكة هذا ما كان من أمر يبدرا.
وأما ما كان من أمر الأشرف خليل بعد قتله فأنه بقى مطروحا فى البرية ثلاثة أيام ولم يدفن حتى حمله والى تروجه أيدمر الفخرى على جمل من المكان الذى قتل فيه إلى القاهرة، فغسل وكفن ودفن فى تربته التى بناها بالقرب من السيدة نفيسة ﵂. وكان من مساوئ الأشرف خليل أنه فى أخر دولته نفى أولاد الملك الظاهر بيبرس البندقدارى إلى القسطنطينية وهما: سلامش وأخوه خضر فأقاما بها حتى مات سلامش هناك وقد تقدم ذلك وكان لهذا من الأشرف خليل غاية الفحش والقبح. وكانت مدة سلطنة الأشرف خليل بالديار المصرية ثلاث سنين وشهرين وأيام، ثم تولى من بعده أخوه محمد.