فيها: توعك جسد السلطان الملك الظاهر وكان بدمشق فسقاه الأطباء دواء مستهلا، فلم يفد ذلك، وأفرط فى الاسهال وقويت عليه الحمى فتخيل أنه مسموم فاستعمل شيئا من الفصوص فلم يفده ذلك، وحضر الأجل فمات فى يوم الخميس ثامن عشرين المحرم سنة ست وسبعين وستمائة، وكان له من العمر ستون سنة.
وكان ملكا جليلا خفيف الركاب مشهورا بالفروسية والإقدام فى الحرب، والثبات عند الملتقى للخصوم. وكان كريما سخيا حسن الوجه، طويل القامة، مليح اللحية، مهابا فى موكبه، ولكنه كان محبا لجمع الأموال، كثير المصادرات للرعية والمياسرين لأجل التجاريد والأسعار.
ولما مات رثاه القاضى محيى الدين بن عبد الظاهر (^١) كاتب السر الشريف بهذه الأبيات اللطيفة.
الله أكبر إنها لمصيبة … منها الرواسى خيفة تتقلقل
لهفى على الملك الذى كانت له الد … نيا تطيب فكل قفر منزل
الظاهر السلطان من كانت له … منن على كل الورى وتطول
_________________
(١) هو عبد الله بن عبد الظاهر بن نشوان الجذامى السعدى محيى الدين قاضى أديب مؤرخ من أهل مصر مولدا سنة ٦٢٠ هـ/ ١٢٢٣ م ووفاته سنة ٦٩٢ هـ/ ١٢٩٣ م، له "الروضة البهية الزاهرة فى خطط المعزية القاهرة" نقل عن المقريزى كثيرا من خططه و"سيرة الظاهر بيبرس" نظما و"الألطاف الخفية" و"تمائم الحمائم" وغير ذلك. انظر المزيد فى: فوات الوفيات ١/ ٢١٢ - ٢١٩، آداب اللغة ٣/ ١٥٤.
[ ١٢٣ ]
لهفى على آرائة تلك التى … مثل السهام إلى المصالح ترسل
لهفى على تلك العزائم كيف قد … غفلت وكان قبل ذا لا تغفل
ما للرماح تخولتها رعدة … لكنها إذ ليس تعقل تعقل
سهم أصاب ومارئى من قبله … سهم له فى كل قلب مقتل
أنا إن بكيت فإن عذرى واضح … ولئن صبرت فإننى أتمثل
ولما مات الملك الظاهر خلف من الأولاد ثلاثة ذكور وهم: الملك السعيد محمد والملك العادل سلامش وسيدى خضر، لكنه لم يتسلطن، وخلف من البنات سبع.
وفتح فى أيامه فتوحات كثيرة و- له غزوات كثيرة وأخبار مشهورة. وأما الذى عمره فى أيامه فجدد أماكن فى الحرم الشريف النبوى، وجدد قبة الصخرة بالقدس الشريف. وكانت قد خربت، وجدد أماكن فى حرم الخليل ﵇، وعمر قناطر شبرامنت بالجيزة وعمر سور مدينة الإسكندرية وعمر المنار الذى كان بها، وعمر مدينة دمياط بعد ما خربت وأقامت مدة وهى خراب من حين استولى عليها الفرنج فى دولة بنى أيوب، ورسم بردم فم البحر بتاع دمياط بالقرابيص التى تهدمت منها حتى لا يبقى يدخل إليها مراكب كبار وجدد عمائر الشوانى بالصناعة وأعادها على ما كانت عليه قديما، وحفر بحر أشموم وجدد القلاع التى أخربها هلاكو فى البلاد الشامية وعمر البرج الكبير بقلعة الجبل وعمر المدرسة التى بين القصرين عند المارستان، عمر الجامع الكبير الذى بالحسينية وعمر خانا بالقدس الشريف وجدد حفر خليج الإسكندرية وباشر ذلك بنفسه وجدد بناء جامع الأزهر بعد ما أقام مدة طويلة خرابا لا يخطب فيه. وعمر القصر الابلق بدمشق وعمر قرية عند العباسية وسماها الطاهرية، ولة أثار كثيرة يطول الشرح فى ذكرها، وفى ذلك يقول الشيخ زين الدين بن الوردى (^١) ﵀:
_________________
(١) هو عمر بن مظفر بن عمر بن محمد بن أبى الفوارس أبو حفص زين الدين بن الوردى المعرى الكندى، شاعر أديب مؤرخ ولد فى معرة النعمان بسورية سنة ٦٩١ هـ/ ١٢٩٢ م وولى القضاء بمنبج وتوفى بحلب سنة ٧٤٩ هـ/ ١٣٤٩ م. من كتبه "ديوان الشعر" و"تتمة المختصر" و"تحرير الخصاصة فى تيسير الخلاصة" وغيرها. انظر المزيد فى: فوات الوفيات ٢/ ١١٦، بغية الوعاة ٣٦٥، النجوم الزاهرة ١٠/ ٢٤٠، آداب اللغة ٣/ ١٩٢، طبقات السبكى ٦/ ٢٤٣، الدرر الكامنة ٣/ ١٩٥، بدائع الزهور ١/ ١٩٨.
[ ١٢٤ ]
الملك الظاهر أثاره … فعجبه للراحل والقاطن
تأملوا أخباره وانظروا … ما فعل الظاهر بالباطن
ولما مات الملك الظاهر كتم موته عن الناس وحمل فى محفة إلى مدينة دمشق فدفن بها فى الليل لأنه كان توجه إلى قتال التتار فمر من هناك، ومات فى يوم الخميس ثامن عشرين المحرم سنة ست وسبعين وستمائة. فكانت مدة سلطنته بالديار المصرية والبلاد الشامية سبع عشرة سنة وشهرين ونصف الشهر فلم يشيعوا موته وقصدوا التوجه إلى القاهرة وأظهروا أنه مريض فى المحفة ورتبوا حضور الأطباء على العادة. وصارت المحفة محمولة فى الموكب والجنايب قدامها وخزائن المال على العادة ولا يجسر أحد أن يتفق بموت السلطان حتى دخلوا إلى القاهرة وطلعوا إلى قلعة الجبل فعند ذلك أشيع موت السلطان وكان المدبر لذلك يومئذ الأمير بدر الدين بيليك الخازندار. ولما مات الملك الظاهر بيبرس تولى من بعده ابنه محمد بركة.