- ١
فكان أولهم: الملك الناصر أبو المظفر صلاح الدين يوسف بن أيوب ابن شادى بن مروان الكردى. وقيل أصلهم من أذربيجان من جهة بلاد الكرج، وهم فى الحقيقة أكراد كانوا فى خدمة زنكى ثم من بعده صاروا فى خدمة ولده نور الدين محمود بن زنكى صاحب الشام وهو المعروف بالشهيد، وهو الذى أرسل بنى أيوب إلى مصر عندما أرسل العاضد إلى نور الدين الشهيد يطلب منه نجدة عندما استولى الفرنج على الديار المصرية كما تقدم، فأرسلهم نور الدين الشهيد إلى مصر بجيش عظيم.
فلما رحل ملك الفرنج المسمى مرى عن مصر فقتلوا الوزير شاور بن مجبر السعدى فولوا بعده فى الوزارة للعاضد، وهو أسد الدين شيركوه أخو أيوب ابن عم صلاح الدين، ثم من بعده تولى صلاح الدين يوسف بن أيوب وتلقب بالناصر. قيل لما تلقب صلاح الدين يوسف بالناصر أرسل الخليفة الناصر (^٢) صاحب بغداد يعتب
_________________
(١) انظر المزيد فى: وفيات الأعيان ٢/ ٣٧٦، تاريخ الخميس ٢/ ٣٨٧، بدائع الزهور ١/ ٦٩، تاريخ ابن خلدون ٤/ ٧٩ و٥/ ٢٥٠ - ٣٣٠، الكامل ١٢/ ٣٧، السلوك ١/ ٤١ - ١١٤، طبقات السبكى ٤/ ٣٢٥، الدارس ٢/ ١٧٨ - ١٨٨، مرآة الزمان ٨/ ٤٢٥، مفرج الكروب ١/ ١٦٨، النجوم الزاهرة ٦/ ٣ - ٦٣، الإسلام والحضارة العربية ١/ ٢٨١ و٢٩٠ و٢/ ٢٨٩، شذرات الذهب ٤/ ٢٩٨، الفاطميون فى مصر ٣٠٨، الشرفنامة ٨٠ - ٩١، العرب والتمدن الإسلامى ٣٠٣ - ٣٢٠.
(٢) هو أحمد بن المستضئ بأمر الله الحسن بن المستنجد أبو العباس الناصر لدين الله خليفة عباسى، بويع بالخلافة بعد موت أبيه سنة ٥٧٥ هـ وطالت أيامه حتى أنه لم يل الخلافة من بنى العباس أطول مدة منه، يوصف بالدهاء على ما فى أطواره من تقلب، فبينما هو مهتم بشئون قومه يطلق المكوس ويرفع عن الناس الضرائب، إذا به قد انقلب فانصرف إلى اللهو، وأعاد ما رفع ويقال إنه هو الذى كاتب التتر وأطمعهم فى البلاد لما كان بينه وبين خوارزم شاه من العداوة، أملا بأن يشغله بهم عن الزحف إلى العراق، وكان له اشتغال بالحديث، جمع كتابا فيه سماه" روح العارفين "واستمرت خلافته ٤٦ سنة و١١ شهرا إلا يومين وذهبت إحدى عينيه فى آخر عمره وضعف بصر الثانية وفليج فبطلت حركته ثلاث سنين. انظر المزيد فى: الكامل ١١/ ١٧٣، ثم ١٢/ ١٦٨، المختصر المحتاج إليه ١٧٩، مستدركه ٣٤، تاريخ الخميس ٢/ ٣٦٦، النبراس ١٦٤، السلوك للمقريزى ١/ ٢١٧، مختصر تاريخ الدول ٤٢.
[ ٩٥ ]
صلاح الدين الذى تلقب بلقبه. واستمر فى وزارة العاضد إلى سنة ست وستين وخمسمائة، فأرسل نور الدين الشهيد وكان بالشام يقول لصلاح الدين يوسف اقطع اسم العاضد من الخطبة بمصر وأجعلها باسم الخليفة المستضئ العباسى خليفة بغداد، فأرسل صلاح الدين يقول: لنور الدين الشهيد إن أهل مصر لا يطاوعوا على ذلك، ويخشى من ثورتهم علينا بسبب ذلك. فأرسل نور الدين الشهيد إليه ثانيا وهو يقول: لا بد أن يقطع اسم العاضد من الخطبة بمصر.
وكان نور الدين الشهيد يكاتب صلاح الدين يوسف الأمير إلا صفة لا، لأن نور الدين الشهيد كان أستاذ صلاح الدين يوسف فعند ذلك جمع صلاح الدين الأمراء الذين كانوا بمصر كيف يكون إبتداء الخطبة لبنى العباس بمصر. فاختلفت أقوالهم فى ذلك، فأم شخص من أبناء العجم يعرف بالأمين العالم. فقال: أنا ابتدى بها.
فلما كان يوم الجمعة من شهر المحرم سنة سبع وستين وخمسمائة فصعد المنبر قبل الخطبة ودعا للخليفة المستضئ بالله العباسى فلم يتكلم أحد من المصريين ولا أنكر ذلك عليه. فلما كانت الجمعة الثانية أمر صلاح الدين يوسف للخطباء بمصر والقاهرة أن يقطعوا اسم العاضد من الخطبة ويخطبوا باسم المستضئ بالله ففعلوا ذلك. فلما بلغ العاضد ذلك فعل بنفسه ما تقدم ذكره، ومات فى يوم عاشوراء كما تقدم. فأقام صلاح الدين يوسف فى ولاية مصر، وتوفى نور الدين الشهيد فى سنة تسع وستين وخمسمائة بالشام. وكان نائبا عن نور الدين الشهيد إلى أن مات نور الدين فعند ذلك صفا لصلاح الدين يوسف الوقت واستقل بمملكة مصر والشام وحده من غير مشارك له فى ذلك. وطالت أيامه بمصر وفتح فى أيامه تلك الفتوحات الهائلة، فمن جملتها بيت المقدس بعد ما كان بيد الفرنج مدة طويلة. وفتح فى أيامه عدة بلاد كانت بيد الكفار.
قيل: هو الذى بنى قلعة الجبل، وهو الذى بنى سور القاهرة بالقص الحجر النحت، وكان قديما مبنيا بالطوب اللبن الذى بناه جوهر القائد فى أيام المعز الفاطمى وآباره باقية إلى الآن عند الباب الجديد وهو مبنى بالطوب اللبن.
[ ٩٦ ]
قيل: وكان بناء سور القاهرة بالحجر القص فى سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة قال ابن الأثير: دوره تسعة وعشرون ألف ذراع وثلاثمائة ذراع بالهاشمى، وكان القائم على بنائه الأمير بهاء الدين قراقوش.
فى هذه السنة: أمر بإنشاء قلعة الجبل وهى التى صارت دار السلطنة الآن ولم يتم عمارتها إلا فى أيام الملك الكامل ابن أخى صلاح الدين يوسف وهو أول من سكنها من بنى أيوب.
وفى هذه السنة: هبت ببغداد ريح شديدة نصف الليل، وظهرت أعمدة مثل النار فى أطراف السماء، وبقى الأمر على ذلك إلى وقت السحر، فخاف الناس من ذلك، انتهى.
وقيل: هو الذى قرر الخدام الخصى فى مدينة النبى ﷺ وذلك عندما تغلب بنى حسن على الخلفاء الفاطميين، واستقلوا بالكلمة، وصاروا يجهرون عند الأذان بقولهم "حى على خير العمل" وهو مذهب الشيعة.
فلما تولى صلاح الدين يوسف أمر الديار المصرية استمال بنى حسن وغدق عليهم بالأموال والهدايا حتى أذنوا له أن يجعل على المدينة جماعة من قبله.
فأرسل صلاح الدين إلى المدينة الشريفة أربعة وعشرين خادما خصيا، وقرر عليهم شيخا منهم اسمه بدر الدين الأسدى ووقف عليهم بلدين وهما نقادة وقبالة من بلاد الصعيد. وكان شيخ الحرم إذا اقدم على ملوك مصر يقومون له ويجلسونه ويتبركون إذا قدم عليهم. ودام الأمر على ذلك إلى أيام الملك الأشرف برسباى.
قيل: إن صلاح الدين يوسف هو الذى بنى خانقاه سعيد السعداء التى من داخل باب النصر وهو الذى بنى المدرسة الصلاحية التى كان بالقدس الشريف.
وكان قد أمر فى أيامه باسقاط المكوس التى كانت تؤخذ من مصر وأعمالها وكتب بذلك مساميح وقرئت على المنابر وأودعت عند القاضى الفاضل عبد الرحيم.
وكانت جملة ما أبطله من المكوس فى كل سنة مائة ألف دينار وهو الذى أقام السادة الشافعية وقدمهم على غيرهم من المذاهب. وهو الذى أزال جند مصر من العبيد البربر والصقالبة وكنانة والأرمن وشناترة العرب وغيرهم من الطوائف، كانت بمصر فى الدول المتقدمة. واستجد بمصر جماعة من الترك
[ ٩٧ ]
والأكراد خاصة حتى كانت عدتهم اثنى عشر ألف فارس، ولكن كل فارس منهم مقوم بمائة فارس وهو الذى أقام بمصر الحرمة العظمة بعد ما كان تلاشى أمرها إلى الخراب. وهو الذى بنى تربة الشافعى بعد ما كانت ساحة وهو الذى بنى المارستان القديم عند دار الضرب.
واستمر صلاح الدين يوسف بن أيوب فى مملكة مصر إلى أن مرض ومات بدمشق فى شهر صفر سنة تسع وثمانين وخمسمائة، ومات و- له من العمر نحو واحد وسبعين سنة، وكان مولده فى قلعة تكريت فى سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة. فكانت مدة سلطنته بمصر أربع وعشرين سنة، وانفرد بملك مصر فى جمادى الآخر سنة ست وستين وخمسمائة. ولما مات خلف من الأولاد سبعة عشر ولدا ذكرا، ولم يخلف فى الخزائن من الذهب والفضة شيئا سوى سبعة وأربعين ألف درهم، ولم يخلف قرية ولا ملكا ولا بستانا، ونفد جميع ما فى الخزائن على الفتوحات والتجاريد التى كانت فى أيامه. وهو أول ملوك بنى أيوب بمصر. ولما مات ولى من بعده ابنه العزيز عثمان.