قيل: لما بنى جوهر القاهرة جمع جماعة من المنجمين، وأمرهم أن يختاروا طالعا سعيدا لحفر الأساس ورمى الحجارة، فجعلوا قوائم من خشب، وبين القائمة والقائمة حبل فيه أجراس، وأعلموا من كان حاضرا من البنائين أنهم ساعة تحرك الأجراس، يلقون ما بأيديهم من الحجارة، ووقف المنجمون بتحريك الساعة وأخذ الطالع، فاتفق وقوع غراب على خشبة من تلك القوائم، فتحركت الأجراس، فظن البناءون أن المنجمين حركوا الأجراس فألقوا ما بأيديهم من الحجارة والطين، فصاح الذين يرصدون الساعة الجيدة لا لا القاهر فى الفلك الطالع يعنى عن المريخ وهو يسمونه القاهر، فمضى ذلك وخانهم ما قصدوه، وكان قصدهم أن يختاروا
_________________
(١) = الخادم، فعاد القائم إلى المغرب وبويع بعد موت أبيه سنة ٣٢٢ هـ، وهو ثانى ملوك الدولة الفاطمية العبيدية، وأول من تلقب بأمير المؤمنين فيها، مات محصورا بالمهدية سنة ٣٣٤ هـ/ ٩٤٦ م. قال الذهبى: كان شجاعا مهيبا قليل الخير، فاسد العقيدة أصيب بوسواس وزال عقله، فأظهر سب الأنبياء وكان مناديه يصيح:" العنوا الغاز وما حوى "وأباد عدة من العلماء، وكان يراسل قرامطة البحرين ويأمرهم بإحراق المساجد والمصاحف. انظر المزيد فى: وفيات الأعيان ٢/ ٢٧، النجوم الزاهرة ٣/ ٢٨٧.
[ ٧٣ ]
طالعا سعيدا لا يخرج البلد عن نسلهم، فما تم لهم ما أرادوا من ذلك وعلموا أن الأتراك لا يزال هذا البلد تحت حكمهم وأنهم لا بد أن يملكوه، وكان الأمر لذلك.
فلما قدم المعز من الغرب أخبروه بهذه الواقعة وكان له خبرة بالنجامة، وكان جوهر القائد سماها" المنصورية "فغير اسمها وسماها القاهرة فهذا كان سببا لتسميتها بالقاهرة. وكانت دار الإمارة للمعز مكان دار الضرب الآن وقد سمى ذلك بين القصرين والله أعلم.
وفى ذلك يقول بعض الشعراء:
لله قاهرة المعز فإنها … بلد تخصص بالمسرة والهنا
أو ما ترى فى كل قطر منيه … من حانيها فهى مجتمع المنيا
وقيل: إن المعز أخبره جماعة من المنجمين أن عليه قطعا شديدا وأشاروا عليه بأن يختفى فى سرب حتى يمضى عنه ذلك القطع، ففعل ذلك، فلما طالت مدته فى السرب ظن جنده أنه رفع إلى السماء، فكان الفارس منهم ينظر الغمام فينزل عن فرسه ويقول" السلام عليك يا أمير المؤمنين".
ثم خرج المعز بعد مدة من السرب، وقيل لما تولى المعز على الديار المصرية كانت عساكره ما بين كتامة وروم وصقالبة وبربر وغيرها من الطوائف وهم فى العدد ما لا يحصون لكثرتهم، حتى قيل تم يطأ الأرض بعد جيوش الإسكندر الرومى بن فيلبس المجدونى أكثر من جيوش المعز.
ولما [تقلد] (^١) ابنه العزيز نزار أتخذ الديلم والأتراك واختص بهم. ومن الحكايات الغريبة: قيل إن زوجة الأمير أبى بكر بن محمد الإخشيدى لما زالت دولتهم أودعت عند شخص من اليهود بغلطاقا كله مكلل بالجواهر والفصوص الثمينة فلما طالبته به بعد مدة فأنكره. فقالت له: خذ منه ما تختار وأعطنى الباقى، فأبى وامتنع من الإعطاء، فعند ذلك توجهت إلى قصر المعز وأخبرته بما وقع لها منه. فأرسل خلف اليهودى واحضره وسأله عن البغلطاق فأنكره غاية
_________________
(١) إضافة من عندنا للسياق مع المعنى.
[ ٧٤ ]
الإنكار. فشد عليه فاعترف به وأحضره، فلما رآه المعز تحير فيه من الجواهر، وقد أخذ اليهودى منه صدره درقين واعترف أنه باعهما بألف وستمائة دينار. فأخذه المعز منه بعد ما أستوعده بكل شئ ودفعه إلى زوجة الإخشيدى. فسألته أن يأخذه هدية منها فأبى قبوله منها، فأخذته وانصرفت.
وكان المعز عادلا منصفا للرعية، غير أنه كان رافضيا سبابا للصحابة. قيل وكان من بلاد حلب إلى بلاد الغرب إلى الحرمين الشريفين تحت حكم الخلفاء الفاطميين ويخطب فيها باسمهم. ومن بغداد إلى سائر ممالك الشرق وأعمالها تحت حكم الخلفاء من بنى العباس ويخطب فيها باسمهم.
وقيل: لما توفيت الست عبده بنت المعز وكانت تزوجت بعد موت أبيها المعز فوجدوا فى تركتها ثلاثمائة صندوق فيها ذهب وعين ووجدوا عندها ثلاثين ألف شقة من الحرير الأصفر من لون واحد، ووجدوا عندها أردبا من الفصوص الزمرد واللؤلؤ الكبار والياقوت الملون، ووجدوا عندها مدهنا من الياقوت وزنه سبعة وعشرون مثقالا لم تعرف له ثمن من قيمته.
وذكر بعض المؤرخين أن المعز لما دخل إلى القاهرة حمل معه من الأموال والتحف من بلاد الغرب ما لا يسمع بمثله، فمن جملة ذلك قيل كان معه من التحف قبة من البلور قطعتين، فجلس فيها أربع أنفس وكانت إذا وضعت فى الليلة المقمرة يخفى ضوء القمر من شعاعها. وكان فى قصره أربع خوابى من البلور كل خايبة تسع زاويتين من الماء وغير ذلك من التحف. وذكروا عنها بعض المؤرخين أنها كانت تعزل الكبار وتأكل كديدها فى مدة حياتها إلى أن ماتت.
وقيل: توفى المعز فى شهر ربيع الأخر من سنة خمس وستين وثلاثمائة، ونازاه من العمر لما توفى نحو أربعين، ودفن عند سيدى زين العابدين (^١) جد السيدة نفيسة ﵄ وهو عند الكيمار التى بالقرب من حدرة بن قمحة.
_________________
(١) هو على بن الحسين بن على بن أبى طالب أبو الحسين وأبو الحسن أو أبو محمد وأبو عبد الله المدنى زين العابدين. قال الزهرى: ما رأيت قرشيا أفضل منه ولا أفقه. وقال مالك: كان من أهل الفضل. وقال ابن المسيب: ما رأيت أورع منه. وقال ابن أبى شيبة: أصح الأسانيد كلها الزهرى -
[ ٧٥ ]
وكانت خلافة المعز بالديار المصرية أربع سنين وأياما، ولما مات تولى من بعده ابنه نزار.