وهى السلطنة الثانية دخل إلى القاهرة فى ثامن جمادى الأول سنة ثمان وتسعين وستمائة فزينت له القاهرة ودقت له البشائر فطلع إلى القلعة ولبس خلعة السلطنة وهى جبة سوداء بطوق ذهب وعمامة سوداء وسيف بداوى
_________________
(١) هو القاسم بن أحمد بن الموفق الأندلسى المرسى اللورقى، من علماء العربية بالأندلس، نسبته إلى لورقة بمرسية، رحل إلى العراق وسورية وتوفى بدمشق سنة ٦٦١ هـ/ ١٢٦٣ م وكان مولده سنة ٥٧٥ هـ/ ١١٨٠ م. له" شرح المفصل "أربعة مجلدات و" شرح الشاطبية "و" المباحث الكاملية فى شرح الجزولية "فى مجلدين. انظر المزيد فى: بغية الوعاة ٣٧٥، نفح الطيب ١/ ٣٥١، طبقات القراء لابن الجزرى ٢/ ١٥.
(٢) هو على بن أبى الحزم القرشى علاء الدين الملقب بابن النفيس، أعلم أهل عصره بالطب، أصله من بلدة قرش (بفتح القاف وسكون الراء، فى ما وراء النهر" ومولده فى دمشق ووفاته بمصر سنة ٦٨٧ هـ/ ١٢٨٨ م. له كتب كثيرة منها "الموجز" فى الطب. اختصر به قانون ابن سينا و"فاضل ابن ناطق" على نمط "حى بن يقظان" لابن الطفيل و"بغية الطالبين وحجة المتطيبين" و"شرح الهداية لابن سينا" وغيرها. انظر المزيد فى: طبقات السبكى ٥/ ١٢٩، شذرات الذهب ٥/ ٤٠١، دول الإسلام ٢/ ١٤٥، تاريخ ابن الوردى ٢/ ٢٣٤، الدارس ٢/ ١٣١، النجوم الزاهرة ٧/ ٣٧٧.
(٣) هو محمد بن إبراهيم بن محمد بهاء الدين بن النحاس الحلبى شيخ العربية بالديار المصرية فى عصره، ولد فى حلب سنة ٦٢٧ هـ/ ١٢٣٠ م وسكن القاهرة وتوفى بها سنة ٦٩٨ هـ/ ١٢٩٩ م. له "إملاء على كتاب المقرب" لابن عصفور وغيره. انظر المزيد فى: فوات الوفيات ٢/ ١٧٢، بغية الوعاة ٦، طبقات القراء لابن الجزرى ٢/ ٤٦.
(٤) هو ياقوت بن عبد الله المستعصمى الرومى جمال الدين كاتب أديب، له شعر رقيق، اشتهر بحسن الخط من موالى المستعصم بالله العباسى من أهل بغداد، أخذ عنه "الخط" كثيرون وصنف كتبا، منها "أخبار وأشعار" و"أسرار الحكماء" وغيرها. مات سنة ٦٨٩ هـ/ ١٢٩٩ م. انظر المزيد فى: النجوم الزاهرة ٥/ ٢٨٣ و٨/ ١٨٧، مفتاح السعادة ١/ ٧٨، البداية والنهاية ٦/ ١٤.
[ ١٥٣ ]
مقلد به فجلس على سرير ملكه ونودى باسمه فى القاهرة وصاح له الناس بالدعاء وفى ذلك يقول الشيخ علاء الدين الوداعى لما عاد الملك الناصر.
الملك الناصر قد أقبلت … دولته مشرقة الشمس
عاد إلى كرسية مثلما … عاد سليمان إلى الكرسى
ولما استقر الملك الناصر فى السلطنة اخلع على الأمير أقوش الأقرم واستقر به نائب دمشق، وأخلع على الأمير قراسنقر الأعسر واستقر به وزيرا وأخلع على الأمير حسام الدين واستقر به استادارا واخلع على جماعة من الأمراء غيرهم. ثم جاءت الأخبار فى أوائل دولته بحركة التتار وهو غازان بن أرغون بن أبغابن هولاكو ملك التتار، فجاءت الأخبار بأنه وصل إلى الفرات فى عسكر، نحو مائة ألف مقاتل وهذه الفتنة التى أثارها فقجق نائب دمشق لما عصى فى أيام السلطان لاجين وتوجه إلى عند القان غازان وهيجه على الحضور إلى دمشق.
فلما بلغ السلطان الملك الناصر مجئ غازان فجهز إلى الخروج إليه وعرض العساكر وعين الأتابكى بيبرس الجاشنكير، يتوجه قدام العسكر فى الجاليش ثم خرج السلطان فى عسكر عظيم وذلك فى سنة تسع وتسعين وستمائة، وجد فى السير فوصل إلى دمشق فى ثامن ربيع الأول، وكان خروج السلطان من مصر فى نصف شهر صفر فدخل إلى دمشق ومعه الخليفة والقضاة الأربعة والأمراء والعسكر وتقاتلوا معهم.
فلما كان يوم السبت سابع عشر ربيع الأول: وردت الأخبار إلى دمشق بأن العسكر المصرى انكسر وهرب السلطان فى نفر قليل من العسكر وتوجه إلى نحو بعلبك فاضطربت دمشق لذلك وحار الناس فى أمرهم ثم حطم غازان بمن معه من العساكر على دمشق فخرج إليه القضاة والمشايخ وأعيان الناس من دمشق، فلما حضروا بين يدى غازان، فقال لهم: قد أرسلت إليكم أمانا قبل حضوركم فرجعوا إلى دمشق وقروا الأمان الذى أرسله غازان على منبر جامع بنى أمية ثم حضر الأمير قفجق المقدم ذكره ونزل بالميدان الكبير وأرسل إلى نائب قلعة دمشق بأن يسلم إليه القلعة فأبى نائب قلعة دمشق من ذلك. وقال: السلطان موجود فكيف أسلم القلعة؟ فلما بلغ غازان ذلك أمر عسكره بأن ينهبوا ضواحى دمشق
[ ١٥٤ ]
فنهبوها وأخذوا ما فيها من الأموال والقماش وسبوا أهلها وقتلوا من بها، ثم دخلوا إلى دمشق وخلصوا قلعتها ونصبوا عليها المجانيق وأخربوا غالب البلد، ثم إن غازان رحل عن دمشق بعد أن خطب له على منابر دمشق وولى نيابتها إلى قفجق كما كان أولا وجعل عنده أميرا من أمرائه يقال له قطلوشاه بك ومعه جماعة من عسكره، هذا ما كان من أمر غازان ملك التتار. وأما ما كان من أمر السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون فأن السلطان لما انكسر العسكر توجه السلطان إلى نحو بعلبك وقد نهب بركه وبرك عسكره، ولم يبق لهم شئ من القماش ولا المال، فعند ذلك توجه السلطان من السواحل وقصد نحو الديار المصرية، فوصل إليها على حين غفلة من أهلها.
فلما استقر بمصر أنفق على العسكر وأعطاهم خيولا وسلاحا. وأما العسكر الشامى فرسم لكل واحد منهم بعشرة دنانير وعشرة أرادب شعير وقصد العود إلى البلاد الشامية.
فلما أراد الخروج إلى دمشق جاءت الأخبار برجوع غازان إلى بلاده. ثم إن السلطان عين الأمير سلار، نائب السلطنة والأمير بيبرس الجاشنكير أتابك العساكر ومعهم جماعة كثيرة من المماليك السلطانية وتوجهوا إلى دمشق، فلما وصلوا إليها خرج إليهم قفجق نائب دمشق وتلقاهم أحسن ملتقى ودخل تحت طاعة السلطان.
وقال: هذا ابن استاذى وما أنا عصى عليه، وأشار على الأمراء بالعود إلى مصر فعادوا، وكان قفجق هذا سببا للفتنة كما تقدم وهو الذى دعا غازان إلى المجئ إلى دمشق.