بسم الله الرّحمن الرّحيم وبه نستعين
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أفضل خلق الله الصادق الأمين وصاحب السيرة الزكية وعلى آله وصحبه ومن تبع الهدى، وبعد:
تفخر أمتنا العربية بتراثنا الكبير، هذا التراث ملئ فى متاحف أوروبا وأمريكا وخاصة المخطوطات، هذا التراث أيضا أثار دهشة العالم على مختلف العصور.
ومن الأعمال التراثية المهمة كتاب "جواهر السلوك فى أمر الخلفاء والملوك" لابن إياس. وسوف نتطرق نظرة عامة على ابن إياس والتاريخ فى عصره وما ذكره المؤرخون وكتاب التاريخ عنه.
وحول ابن إياس المصرى ومنهجه فى البحث التاريخى يقول الأستاذ الدكتور الفاضل عبد اللطيف الخالدى: كان لانقطاع سلسلة المؤرخين العباسيين الكبار إثر سقوط بغداد بأيدى المغول وزوال الخلافة العباسية أن أخذ زمام المبادرة لوصل ما انقطع من تلك السلسلة مؤرخون آخرون ينتمون إلى أقطار شتى من العالم الإسلامى.
وقد واصل أولئك المؤرخون الأفذاذ نشاطهم العلمى فى حركة رائعة تشكل أعمالهم مع أعمال من سبقوهم من المؤرخين الصورة التى بلغها العالم العربى والإسلامى من النواحى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية حتى بداية العصر الحديث.
ولعل أبرز سمات حركة التدوين التاريخى فى القرون المتأخرة التى أعقبت سقوط بغداد - ويمكن حصرها فيما بين القرنين الثامن والعاشر للهجرة - الرابع عشر والسادس عشر للميلاد - ظهور طائفة من المؤرخين كتبوا مؤلفاتهم على طريقة
[ ٣ ]
الحوليات، وتدل وفرة المعلومات التى دونوها على جهد عظيم فى البحث والمراجعة والنقل والتأليف.
والواقع فالبلاد المصرية استأثرت أكثر من غيرها فى عدد المؤرخين الحوليين والموسوعيين الذين ظهروا فيها وبخاصة فى العصر التركى المملوكى، ولكن بدخول الأتراك العثمانيين القاهرة فإن سلسلة هؤلاء المؤرخين تنقطع وعلى الأخص بموت أحد كبار مؤرخى هذا العصر وهو أبو البركات محمد بن أحمد بن إياس الحنفى.
ومن المؤرخين المصريين الذين عاشوا فى العصر التركى المملوكى وسجلوا أحداثه ووقائعه بيبرس الدوادار فى "زبدة الفكرة" وابن دقماق فى "الجوهر الثمين" وابن أيبك الدوادار فى "الدرر الفاخرة" والمقريزى فى "السلوك" والسخاوى فى "التبر المسبوك" وأبو المحاسن فى "النجوم الزاهرة" والسيوطى فى "تاريخ الخلفاء" والعينى فى "عقد الجمان" وابن إياس فى بدائع الزهور فى وقائع الدهور.
وينفرد ابن إياس عن غيره من مؤرخى ذلك العصر فى أنه عاش عصرين وشهد أحداث جيلين: أواخر العصر التركى المملوكى ومستهل العصر التركى العثمانى، لذلك فإن لكتاباته أهمية خاصة، فهو يكاد يكون المؤرخ المصرى الوحيد الذى عاصر تلك الفترة الحاسمة فى تاريخ مصر، وكان شاهد عيان لما وقع فيها من أحداث وتمتد هذه الفترة التى أرخ وقائعها من سنة ٨٧٢ هـ/ ١٤٦٨ م إلى سنة ٩٢٨ هـ/ ١٥٢٢ م.
فضلا عن أن هذه الفترة تشكل حلقة مهمة فى سلسلة تاريخ مصر فى عصر المماليك، تلك السلسلة التى تتوالى حلقاتها فى كتاب "السلوك" للمقريزى و"التبر المسبوك" للسخاوى و"النجوم الزاهرة" لأبى المحاسن، وتنتهى ببدائع الزهور لابن إياس.
تذكر المصادر التى تناولت شخصية ابن إياس أن اسم المؤرخ هو: محمد بن أحمد بن إياس الحنفى وأنه ينحدر من أصل تركى مملوكى يرجع إلى النصف الأول من القرن الثامن الهجرى، فأبوه أحمد كان متصلا بالأمراء ورجال الدولة وتوفى فى شعبان من سنة ٩٠٨ هـ وجده الأمير إياس الفخرى الظاهرى كان من مماليك الظاهر برقوق وعين بوظيفة دوادار ثان فى دولة الناصر فرج بن برقوق. أما مولد مؤرخنا ابن إياس وكما تشير إليه هذه المصادر، فكان فى السادس من ربيع الأخر سنة ٨٥٢ هـ/ ١٤٧٨ م ولم يؤثر عن ابن إياس أنه كان موظفا فى دولة المماليك أو تقاضى مرتبا من دواوين الحكومة أو وصل بجائزة نقدية أو عينية
[ ٤ ]
من حكام ذلك العصر أو كانت له صلة بقصورهم، فقد عاش المؤرخ من موارد إقطاعه الذى ورثه عن أسرته تلك الموارد التى أعانته طوال حياته على التفرغ للتأليف وكتابة التاريخ ونظم الشعر أو سواها من الأعمال الأخرى.
ولعل هذه الظروف التى ذكرتها فضلا عن ظروف نشأته الأولى وصحبته لبعض شيوخ عصره ممن تلقى عنهم تعليمه كانت من العوامل التى بلورت شخصيته وجعلت منه مؤرخا يتحرى الحقيقة فيما يكتب وفيما يصدره من أحكام على معاصريه من السلاطين والأمراء.
وتأتى شهرة ابن إياس من كتابه التاريخى الكبير المعروف "بدائع الزهور فى وقائع الدهور" وهو بلا شك أهم مؤلفاته ويحتل مكانة مرموقة بين كتب التاريخ التى صنفت فى العصر المملوكى وبخاصة الأجزاء المعاصرة، وتزداد القيمة العلمية للكتاب عندما يصف المؤلف وقائع الفتح العثمانى لمصر والسنوات القليلة التى عاشها المؤلف فى ظل النظام السياسى الجديد فالجزء الأخير من كتابه "بدائع الزهور" كان المصدر العربى الوحيد عن تاريخ مصر فى تلك الفترة الحاسمة من تاريخ الشرق العربى وعن تطور العلاقات بين العرب والأتراك العثمانيين.
يستهل المؤلف كتابه التاريخى هذا - الذى وصل فيه إلى حوادث سنة ٩٢٨ هـ/ ١٥٢٢ م ويختمه فى الجزء الحادى عشر - بالحديث عن مصر منذ أقدم العصور، فهو يذكر أخبار مصر، وما ورد فيها من الآيات وما خصت به من المحاسن والعجائب، وما قيل فيها، ومن حكمها وما قامت عليها من الدول إلى نهاية عصر الأيوبيين، يذكر المؤلف تلك الأخبار باختصار تمهيدا للدخول فى تاريخ مصر فى عصر المماليك حيث يشرع المؤلف فى كتابة هذه الفترة بالتفصيل.
والدارس لتاريخ ابن إياس يلحظ أن المؤلف اعتمد كثيرا على كتب التاريخ وخاصة حين كتب عن تاريخ مصر قبل عصر المماليك فيذكر أنه قرأ نحو سبعة وثلاثين مؤلفا فى ذلك، فمن بين المؤرخين الذين قرأ لهم: المسعودى والطبرى وابن عبد الحكم والواقدى والذهبى والجاحظ والصولى وابن زولاق وابن الداية وابن خلكان وابن عساكر وابن الجوزى وابن شداد وابن الأثير والكندى والقضاعى وأبو شامة وابن كثير وأبو الفدا وسبط ابن الجوزى وابن فضل العمرى وابن وصيف شاه وغيرهم.
[ ٥ ]
أما فى القسم الذى كتب فيه عن تاريخ مصر فى عهد المماليك فيبدو أن ابن إياس قرأ لمؤرخين كثيرين ولعل هؤلاء كانوا أنفسهم من المماليك أو من موظفى الدولة التركية المملوكية أو من سواهم فمن بين هؤلاء: ابن واصل وابن الشحنة وابن أيبك الدوادار وابن الفرات والسيوطى والديار بكرى وابن دقماق وبيبرس الدوادار وابن الطولونى والعينى وخليل بن شاهين الصفوى والصيرفى والسخاوى وأبو المحاسن وغيرهم من مؤرخى العصر.
كتب ابن إياس مؤلفه التاريخى على طريقة الحوليات وهى الطريقة التى كانت شائعة بين مؤرخى ذلك العصر، فكان يدون الحوادث شهرا بعد شهر فى الأجزاء غير المعاصرة، ثم يوما بعد يوم فى الأجزاء الأخيرة، ويشبه منهجه فى ذلك كثيرا منهج ابن الجوزى فى كتابه "المنتظم فى تاريخ الملوك والأمم"، فالمعروف عن كتاب المنتظم أن مؤلفه كان يدون أخباره على هيئة تقارير شهرية أو يومية حيث تتضمن أهم الوقائع السياسية والمراسيم التى تصدرها الحكومة العباسية بتعيين أو عزل كبار موظفى الدولة على إختلاف ألقابهم، فضلا عن الأخبار التى تتصل بمظاهر الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية كالوفيات وحفلات الزواج والأعياد وانتشار الأوبئة والمجاعات والرخاء وارتفاع الأسعار والنقود وبناء المدارس والمساجد والربط أو وصفه الظواهر الطبيعية كالخسوف والكسوف وفيضانات الأنهار وظهور المذنبات وهبوب الرياح وسقوط الأمطار وغيرها من الأمور التى تتصل بحياة الأفراد والأرصاد الجوية.
لقد كان كتاب "بدائع الزهور" من هذا الطراز من المدونات فهو من هذه الناحية عظيم الفائدة لمن يبحث فى تاريخ مصر عصر المماليك والعصر العثمانى فى النواحى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإدارية والثقافية فقد كتب عن دولة المماليك وعن السلاطين والأمراء والخلفاء الذين عاشوا فى ظلهم، ووصف المنازعات التى كانت تقوم بين الأمراء المماليك على السلطة وما كان يصحب ذلك من إراقة للدماء ودمار للبلاد كذلك وصف فساد الإدارة فى العصر المملوكى واستيلاء الجند على الممتلكات الخاصة والعامة واعتداءاتهم المتكررة على المواطنين من أفراد الشعب المصرى واغتصابهم لأراضى الفلاحين وتوزيعها على شكل إقطاعات على أمراء الجند وكبار موظفى الدولة.
وفيما يخص النظم الحربية والعسكرية التى كانت قائمة فى مصر فى عصر المماليك يذكر ابن إياس معلومات قيمة عن طبيعة هذه النظم وعن الوظائف المدنية والعسكرية التى
[ ٦ ]
تتصل بالنظام السياسى المملوكى لا يمكن أن يجدها الباحث فى أى مصدر تاريخى سواه، فمن بين الوظائف التى ذكرها المؤلف، وكان يشغلها الأتراك الذين كانت تعج بهم دواوين الدولة: الحسبة والولاية والجمدارية والخاصكية والوزارة والأستادارية وإمرة المجلس وإمرة السلاح والخازندارية الكبرى ووكالة بيت المال والأتابكية والنظر فى الخزينة والنظر فى الجيش والنظر فى الكسوة والنظر فى الأسطبل وكتابة السر والزردكاشية الكبرى والرأس نوبة الكبرى وولاية الشرطة وشادية الشرابخانة ورأس نوبة الثانية وأمير أخور ثانى والدوادارية ومقدم ألف ومشير مملكة وغيرها من الوظائف التى تحمل أسماء وألقابا فارسية وتركية ومغولية.
أما الوظائف التى ذكرها ابن إياس وكان يشغلها مصريون فهى الوظائف التى تتصل بالدين والشريعة منها: النظر فى الأوقاف والقضاء، وكان للمسلمين فى مصر فى عصر المماليك: أربعة قضاة على أربعة مذاهب سنية وخطباء المساجد والأئمة وشيوخ الربط والمدارس وغيرها من الوظائف التى لها علاقة بأمور الأفراد الدينية.
وعن الأحوال الاقتصادية فى مصر فى عصر المماليك كتب ابن إياس فى كثير من يومياته عن مظاهر هذه الأحوال فأشار إلى مما كانت تسببه الكوارث الطبيعية من أضرار اقتصادية ويحتل منسوب نهر النيل أهمية بالغة فى حوليات المؤرخ ومدى تأثيره فى أسعار المحاصيل كما أشار المؤلف إلى التعامل النقدى وإلى أنواع المسكوكات وقيمة كل نوع منها تبعا للحالة الاقتصادية فى البلاد وذكر عمليات تزييف النقود وأضرارها وموقف السلطة من القائمين بأمرها، كذلك ذكر فى مواضع متعددة أنواع الضرائب التى كان يفرضها الحكام على المواطنين والأساليب اللا إنسانية التى كان يلجأ إليها موظفو الحكومة لاستيفائها.
وحول الأحوال الاجتماعية فى مصر فكتب ابن إياس عن الأعياد والمواسم والحفلات الشعبية ومواكب الخلفاء والسلاطين والأمراء واستقبال سفراء الدول وما يرتبط بذلك من خلع وهدايا ورسائل. ولم يخل تاريخ ابن إياس من الإشارة - وفى مواضع كثيرة من كتابه الكبير - إلى ظواهر الطبيعة: كالجفاف وهبوب الرياح وسقوط الأمطار وانخفاض وارتفاع درجة الحرارة أو إلى الخسوف والكسوف وغيرها من الظواهر أو إلى ما أنشئ من محال ومبان ومساجد وربط ومدارس وقباب ومدافن أو الإشارة إلى أخبار العلماء والأدباء والشعراء والأعيان وتراجم من توفى منهم.
[ ٧ ]
وبالنسبة لمصادر ابن إياس فهو مؤرخ صادق يستقى معلوماته عن العصر المملوكى المتأخر أوثق المصادر وأكثرها صلة بالأحداث الجارية فى مصر وقتذاك فهو على علاقة جيدة من رجال الدولة وكتاب السر وخواص السلطان فضلا عن أن أخيه الجمالى يوسف كان يعد من كبار موظفى الدولة المملوكية إذ تولى وظيفة زردكاش فى القلعة فكان يزوده بالكثير مما يحتاج إليه من مواد رسمية أو سرية لتدوين حولياته.
وابن إياس لا يتحرج فى ذكر مساوئ حكام عصره فكما يذكر محاسنهم لا يجد حرجا فى تعرية تصرفاتهم وإظهار عيوبهم وتعداد مثالبهم ومثالب خواصهم من الموظفين وعلى الرغم من أنه كتب الجزء الأخير من كتابه فى ظل السيادة العثمانية وإنتمائه إلى العنصر التركى فهو لا يتردد فى تسخيف الأتراك والتعبير عن احتقاره أياهم ولا يرقى ابن إياس من حيث اللغة والقدرة البلاغية إلى مرتبة مسكوية وبخاصة فى تأليف المناظر الجديرة بالتصوير المفزعة وتصوير الشخصيات التى يستطيع القارئ أن يتخيلها وتبقى واضحة فى ذهنه فأغلب تفاصيله أجف وأقل من أن تحقق هذا الغرض، ولكن التأثير الذى يتركه بالرغم من قصوره فى هذه الناحية، تأثير راوية أمين لحقائق مكتشفه ومكتشف واع يلاحظ ويدون الأمور التى تدل على معرفتها على قيمتها.
وكثيرا ما استعان ابن إياس بأشعاره أو أشعار غيره من شعراء ذلك العصر للتعبير عن الانفعالات التى كانت تتولد فى أعماقه بسبب حالة سياسية أو اجتماعية معينة، ومن يطفح بالكثير من الأبيات والمقطوعات الشعرية فهو يبدو من خلال أشعاره أنه عاش فردا متتبعا عن كثب حوادث المجتمع الذى تقلب فيه وليس ذلك بصفته مؤرخا معنيا بتدوين الوقائع والأخبار، بل لأنه كان إنسانا يتأثر بما حوله وبما كان يجرى فى دولة بدت عليها مخايل الاحتضار والزوال فحين توفى نور الدين على بن رحاب سنة ٨٩٦ هـ، وكان ابن رحاب واحدا من أشهر المطربين المصريين عصر ذاك، رثاه ابن إياس بقوله:
توفى نزهة الأسماع طرا … وصار العيش منا فى ذهاب
وناحت بعده الآلآت حزنا … وأظهرت الصراخ مع انتحاب
وأبدى الدف والماصول زعقا
[ ٨ ]
كمن جاء المأتم فى المصاب … وأضحى الناس فى قلق ولم لا
وقد ضاق الوجود بلا رحاب
كذلك هجا ابن إياس أحد رؤساء ديوان بيت المال ويعرف بركات الصالحى، وكان هذا الموظف المملوكى ظلوما فى جبايته للضرائب من أقواله فيه بعد وفاته.
بركات زاد الظلم فى أيامه … وعلى الورى قد جار فى توكيله
من أجله كان الهلاك بعامة … فمشى إلى نار الجحيم برجله
وعندما غمرت المصريين موجة من الغضب والاستنكار بسبب ما فرضه السلطان قايتباى سنة ٨٩٦ هـ من ضرائب وعزمه على جباية سبعة أشهر على ما بحوزتهم من الممتلكات على أن يدفع القسط الأول عن شهرين، ويدفع القسط الثانى عن خمسة أشهر دفعة واحدة.
وصف ابن إياس هذه الحادثة نثرا وضمنها أبياتا لشاعر معاصر للتعبير عما كان يستشعره الناس من هم وألم وقلق، وقال الشاعر المعاصر فى ذلك:
فعرفت شهرين عن أجرة مكانى أمس … وأصبحت مغموسا فى بحر المغارم غمس
اقسم ورب الخلائق والقمر والشمس … وما طقت شهرين كيف أقدر أطيق الخمس
هذه بالإضافة إلى أشعار كثيرة نظمها ابن إياس أو اقتبسها عن شعراء معاصرين تتناول مختلف المناسبات وتصلح كمصدر مهم يفيد مؤرخى الأدب كما يفيد الباحثين فى تاريخ مصر فى العصر التركى المملوكى من وجوه كثيرة. وأخيرا لابد من أن نشير إلى اللغة التى كتب بها ابن إياس تاريخه والإشارة إلى لغة المؤلف أمر يتصل بالحضارة ويكشف عن عمق المؤثرات الأجنبية ثم هو صورة لفعاليات شعبية أو فولكلور، فضلا عن الفائدة التى يجنيها الباحث فى دراسة تطور اللغة وعلاقة اللهجة المصرية بالفترة الزمنية التى كتب بها ابن إياس تاريخه.
[ ٩ ]
والواقع فاللغة التى كتب بها ابن إياس لغة سهلة وبسيطة أقرب إلى العامية منها إلى الفصحى وهذه اللغة كانت شائعة بين مؤرخى العصر المملوكى، كما أن لغة ابن إياس كانت تحف بالكثير من الألفاظ التى لا تضمها معاجم اللغة فضلا عن وجود عدد كبير من الألفاظ والمصطلحات الأجنبية وبخاصة الألفاظ والمصطلحات التركية التى لا تزال اللهجة المصرية المعاصرة تضم عددا كبيرا منها، كالبعثات الدبلوماسية لدولة سلاطين المماليك كما وصفها ابن إياس يقول الأستاذ الدكتور حسن أحمد محمود: إن أسلوب المؤرخ مرآة صادقة تعكس ثقافته وانفعاله بعصره بل يكشف عن أصالته وصدقه أو ضحالته وزيغه. فإلى أى حد كان مؤرخنا ابن إياس أصيلا وصادقا؟
من هذا المنطلق نظرنا فيما نقله ابن إياس عن السفارات المتبادلة بين مصر ودول العالم الأخرى لعلنا نستطيع أن نلقى مزيدا من الضوء على شخصية المؤرخ العظيم ابن إياس.
وأول ما نلاحظه ذلك الإلتزام الدقيق بالأمانة فى النقل والرواية وهذا ما اسميه بالانضباط التاريخى وتحرى الخبر إلى قاعه وتتبعه إلى جميع تفاصيله وهو سعى حقيقى إلى الكشف عن الحقيقة كاملة فى كثير من الأناة والصبر وكأنه مراسل صحفى بآلة تصوير يصور كل شئ، فهو إذا أشار إلى حضور القصاد أعنى الرسل ذكر موعد حضورهم باليوم والشهر والسنة بل فى أغلب الأحيان يذكر أسماء الوافدين وألقابهم ويذكر وسيلة حضورهم بالبر أو البحر ويصف طريقهم إلى القاهرة وموكبهم واستقبال السلطان لهم والحفاوة بهم ويصف بالتفصيل الهدايا التى يحملونها كما يصف خلع السلطان وهداياه وأنواعها وطريقة توديعهم للسفر حتى عودتهم لبلادهم، بل يحدد المهمة التى جاء الوفد من أجلها وهل صادفت نجاحا أو إخفاقا.
وهو مثلا يتحدث عن وفد الحبشة سنة ٨١٦ هـ لتولية أحد البطاركة ووفد البنادقة سنة ٩١٧ هـ لفتح كنيسة القيامة أمام الأفرنج ثم وفد أهل الأندلس لدفع الضغط عن غرناطة وفك حصارها ووفد الشاه إسماعيل الصفوى لإزالة التوتر مع سلاطين مصر. ووفد قبرص الذى جاء مستنجدا ووفد تيمور لنك سنة ٨٠٣ هـ لتبادل الأسرى، ووفد بغداد مستنجدا من الشاه إسماعيل ووفد الهند الذى يطلب النجدة ضد البرتغال سنة ٩١٦ هـ الأمر الذى يدل على أن سلاطين المماليك بلغوا الغاية من الدبلوماسية، بل يمضى ابن إياس أبعد من هذا فى تحرى الدقة، فإذا أرسلت مصر سفارة إلى بلد أخر روى ابن إياس الخبر بطريقته المعهودة فى
[ ١٠ ]
تحديد ساعة الرحيل ووسيلته ويصف الأزياء والأشكال، بل يشير أحيانا إلى انطباع الناس او انطباع البلاط. فقد وصف رسول البنادقة إلى مصر سنة ٩١٧ هـ بأنه رجل شيخ بذقن بيضاء وهو جسيم وعليه وقار. كما وصف رسل الشاه إسماعيل الذين حضروا إلى مصر فى سنة ٩١٣ هـ وأن على رؤوسهم طراطين حمر ليس عليهم رونق، بل هو يقارن بين رسل إيران ورسل العثمانيين بين غلظة هؤلاء ورقة أولئك وتلطفهم، بل تمضى به الدقة فى الوصف إلى أبعد من ذلك فيسجل انطباع الناس أنفسهم، فقد عرض لرسول الشاه إسماعيل وجماعته وأنه فى غاية الغلاسة.
وإن دل هذا على شئ فإنما يدل على أن ابن إياس كان مقربا من بلاط السلطان وإن لم يتول وظائفه وأنه يستقى المعلومات من مصادرها الأصلية من ديوان الإنشاء أو رجال القصر أنفسهم، الأمر الذى يعطى روايته قيمة تاريخية عظيمة ويدعونا بحق إلى أن نمعن النظر فى حولية ابن إياس فاحصين مدققين، ناحية أخرى تنعكس صورتها بعمق من رواية ابن إياس وهى المكانة الدولية الرفيعة التى ظلت مصر تحتلها فى العالم الإسلامى حتى الفتح العثمانى فتتجه إليها أبصار المسلمين تطلب المشورة حينا أو النجدة حينا أخر.
يصور ابن إياس هذه المكانة من خلال روايته عن الرسل إلى مصر ويصدر تعليقات قيمة جدا تدل على ثقافته الواسعة ومعرفته العميقة بالعلاقات الدولية وباتجاهات السياسة المصرية رواية رجل ذواقه لا يروى الخبر لمجرد الرواية إنما يرويه عن علم وخبرة.
لهذا حرصت على إجراء توزيع جغرافى يصور دائرة العلاقات الدولية للمماليك عن طريق إحصاء للسفراء الوافدين أو الصادرين بل اقتبست من الحولية نصا مهما جدا يصور مكانة الدولة فى عصر ابن إياس فهو يقول فى أحداث سنة ٩١٧ هـ.
ومن العجائب أنه فى هذا الشهر اجتمع عند السلطان نحو من أربعة عشر قاصدا "رسولا" وكل قاصد من عند ملك، قاصد شاه إسماعيل الصفوى - قاصد ملك الكريج - قاصد ابن رمضان أمير التركمان - قاصد ابن عثمان - قاصد يوسف الصوفى - قاصد صاحب تونس - قاصد من مكة - قاصد الملك محمود - قاصد ابن درغل أمير التركمان - قاصد ملك الفرنج الفرانسة - قاصد البنادقة.
وإليكم هذا التوزيع الجغرافى:
المغرب: الحدة زوجة ملك المغرب.
[ ١١ ]
قبرس: حصور جاكم ابن ملك قبرس وطلب نجدة فأرسلت إليه بقيادة يونس الدوادار.
إيطاليا: فى سنة ٨٨٣ هـ أرسل السلطان الخواجا محمد بن محفوظ المغرب إلى ملك القليات الافرنجى.
البندقية: فى سنة ٩١٧ هـ رسول ملك الإفرنج البنادقة ومعه هدية عظيمة لفتح كنيسة القيامة أمام الأفرنجى.
الأندلس: فى سنة ٨٩٣ هـ سفارات من بلاد الأندلس يطلب تجريدة تعينهم على قتال الأفرنج عندما أشرفوا على أخذ غرناطة واضطر السلطان إلى الكتابة إلى أساقفة القدس لمراسلة صاحب أشبيلية ليكفه عن ذلك وإلا منع الأفرنج من الحج إلى بيت المقدس السفارة الأفريقية.
وفى سنة ٨٨٦ هـ رسول ملك الحبشة لتوليه أحد البطاركة ومعه هدية عظيمة.
وفى سنة ٩١٢ هـ وفد ملك النوبة إلى مصر ومعه الهدايا.
التكرور: حضور موسى ملك التكرور ومعه الهدايا العظيمة فى طريقه إلى الحج.
البلاد الآسيوية: سفارة أحمد بن أويس صاحب بغداد لينحدر من تيمور لنك ويفضى بأخباره، ثم اتصال أخر بالقاهرة لإبلاغها بالقضاء على أحد الخارجين وعودة الحج العراقى.
ثم عاودت بغداد الاتصال مرة أخرى فى سنة ٩١٣ هـ عندما استصرخ مراد خان بن يعقوب بن حسن الطويل ضد الشاه إسماعيل الصفوى.