قيل إن الملك المنصور قلاوون أستاذ قفجق خرج يوما إلى الفضاء ومعه أخصاؤه من الأمراء فذبح هناك خروفا بيده وانشرح ذلك اليوم، فلما حضر ذلك الخروف الذى ذبحه بيده على نحو أن أكل منه السلطان الكتف ثم جرده من لحمه إلى أن أنفاه وتركه قليلا إلى أن جف ثم لوحه على النار قليلا ثم أخرجه ونظر إليه وأطال فيه التأمل ثم نقل عليه وألقاه من يده فسأله بعض الأمراء عن ذلك بعد أن سكن غضبه فقال هذا الصبى قفجق لا تخرجوه إلى البلاد الشامية بعدى فأنه يحصل منه
[ ١٥٥ ]
فساد كبير إذا خرج فكان الأمر كما قال: "والملوك لهم فراسة فى الأمور" كما قيل فى المعنى لبعضهم:
يرى العواقب فى أثناء فكرته … كأن أفكاره بالغيب كهان
لا طرفة منه إلا تحتها عمل … كالدهر لا دولة إلا لها شأن
ولم يزل قفجق مؤخرا فى دولة الملك المنصور قلاوون مدة حياته إلى أن مات قلاوون وتسلطن ولده خليل ثم تسلطن المنصور لاجين فولى قفجق نيابة دمشق، فقصد الملك المنصور لاجين مسك قفجق فهرب إلى بلاد الشرق وعمل هذه الفتنة العظيمة لمجئ غازان فكان الأمر كما قاله الملك المنصور قلاوون وكان له معرفة تامة فى علم الكف.
قال القاضى محيى الدين بن فضل الله: حكى لى الأمير قفجق المنصورى بعد ما جرى الذى جرى من غازان، قال: لما تلاقينا نحن وأنتم يعنى عسكر غازان وعسكر مصر، فهم غازان بالهروب، فطلبنى ليضرب عنقى لأن خروجه كان برأيى. لما حضرت بين يديه قال لى: ايش هذا الحال؟ فقلت له: أنا أعبر بعسكرنا فإن لهم حملة واحدة، فالقان يصير ساعة فما تبغى قدامه أحد منهم، فصبر ساعة فكان الخبر كما قلته. فلما انكسر ثم أراد أن يسوق عليكم بعد الكسرة، فعلمت أنه متى ساق عليكم، لم يبق منكم أحدا. فقلت له القان نصبر ساعة، فإن عسكر مصر لهم حيل كثيرة وربما يكون لهم كمين فيخرجوا من ورائنا فينكسر فيردوا علينا فوقف ساعة حتى أبعد عنا فلولا أنا ما قتل منكم أحد، ولولا أنا ما بقى منكم أحد.