فيها: راك السلطان حسام الدين لاجين البلاد المصرية وهو الروك الحسامى وكان ابتداؤه فى سادس جمادى الأول سنة ست وتسعين وستمائة فشرعوا فى
_________________
(١) انظر المزيد فى: السلوك ١/ ٨٢٠ - ٨٦٥، النجوم الزاهرة ٨/ ٨٥، بدائع الزهور ١/ ١٣٦.
[ ١٤٧ ]
كتب الأوراق، وكان المتكلم فى ذلك يومئذ شخص يسمى التاج الطويل، فلما كان ثامن شهر رجب فرقت تلك الأوراق على الناس وهى المثالات له. وكانت أراضى الديار المصرية منسوبة على أربعة وعشرين قيراطا، منها أربعة قراريط برسم السلطان للكلف والرواتب وعشرة قراريط للأمراء والاطلاقات والزيادات وعشرة قراريط للأجناد الحلقة. فرسم السلطان للكتاب بأن يلقى الأمراء والأجناد الحلقة بعشرة قراريط وزادوا الذين شكوا قيراطا، وبقى للسلطان ثلاثة عشر قيراطا وبقى الجيش ضعيفا ليس له ما يقوى به الفلاحين.
وكان المتصرف فى هذه الحركة الأمير منكوتمر النائب فسار فى الناس أقبح سيرة وصار بقائح الأمراء وبحاشتهم فى اللفظ وكان الأمير منكوتمر سياب الملك المنصور لاجين. ولما عزل الأمير قراسنقر المنصور عن نيابة مصر وتولى الأمير منكوتمر فى النيابة فشق ذلك على جماعة كثيرة من الأمراء من خشداشين الملك المنصور لاجين.
وفى هذه السنة: حج الخليفة الإمام الحاكم بأمر الله أحمد فأنعم عليه السلطان لاجين بسبعمائة درهم، ثم إن منكوتمر النائب حسن لإسناده الملك المنصور لاجين بأن يمسك جماعة من الأمراء وهم: الأمير أينبك الحموى والأمير قراسنقر وجماعة غيرهما من الأمراء. فلما بلغ الأمير قفجق نائب الشام ذلك هرب من دمشق هو والأمير بكتمر الأبو بكرى والأمير بزلار فلما هربوا توجهوا إلى عند القان غازان ملك التتار. وكان هذا سبب الفتنة العظيمة التى نشبت النواحى عند سماعها كما سيأتى ذكرها فى موضعه فعند ذلك نفرت من السلطان لاجين قلوب الرعية لسوء تدبير مملوكه منكوتمر وقد اختاروا عود الملك الناصر محمد بن قلاوون من الكرك وكان مقيما بها.
فلما كان يوم الخميس عاشر ربيع الأخر من سنة ثمان وتسعين وستمائة:
توجه السلطان إلى نحو القصر الكبير وكان صائما فنزل إليه من العصر ليفطر هناك وكان قد اتفق على قتله جماعة من المماليك الأشرفية وكان السلطان لاجين ممن تواطأ على قتلة الأشرف خليل. فلما علموا أن السلطان فى القصر فدخلوا عليه بعد العشاء وهو جالس يلعب الشطرنج، فأول من دخل عليه كرجى مقدم البرجية،
[ ١٤٨ ]
وكان قد أتفق مع نوغان الكرمانى وكانت نوبته فى السلحدارية تلك الليلة. فقال السلطان لكرجى أغلقت أبوب الأطباق على المماليك البرجية. فقال: نعم فشكره السلطان على ذلك وكان أكثرهم واقفا فى دهليز القصر. وكان السلطان جالسا وعنده القاضى حسام الدين الرازى الحنفى وامامه محب الدين بن العسال والأمير عبد الله بن يزيد البدوى. فلما دخل كرجى على السلطان وجده منكبا على الشطرنج فتقدم كرجى ليصلح الشمعة فأرمى الفوطة على النمجاة. وقال للسلطان:
يا ضخم ما تصلى العشاء؟ فقال السلطان: نعم وقام ليصلى العشاء فضربه كرجى بالسيف على كتفه، فطلب السلطان النمجاة فلم يصبها فقام من هول الضربة ومسك كرجى ورماه تحته، فقام نوغان الكرمانى وأخذ النمجاة وضرب السلطان على رجليه فقطعهما. فصاح القاضى حسام الدين وانقلب السلطان على ظهرة ميتا فتركوه وأغلقوا عليه باب القصر. وتوجه كرجى إلى دار النيابة ودق الباب على الأمير منكوتمر النائب، وقال له السلطان يطلبك فأنكر حاله وقال له قتلت السلطان؟ فقال كرجى: نعم قتلنا وجئنا نقتلك. وكان منكوتمر بينه وبين كرجى خط نفس. ثم إن كرجى قبض على منكوتمر النائب وتوجه به إلى الجب الذى بالقلعة عند الأمير اينبك الحموى وقراسنقر الأعسر المقدم ذكرهما. وكان منكوتمر سببا لمسكهما فلما رأوه لعنوه وسموه وأرادوا قتله فلما طلع النهار جاء كرجى الجب وذبح منكوتمر النائب مدة فى الجب ثم دفن السلطان ومنكوتمر فى يوم واحد، فكانت مدة سلطنة الملك المنصور لاجين إلى أن قتل نحو سنتين وشهرين وأيام. وكانت قتلته فى ليلة الجمعة عاشر ربيع الأخر سنة ثمان وتسعين وستمائة.
وكان شجاعا بطلا موصوفا بالفروسية وكان رجلا طويلا أشقر اللحية أزرق العينين، مهاب الشكل، وكان دينا خيرا، أبطل فى أيامه من المكوس أشياء كثيرة، ومات و- له من العمر نحو ستين سنة ثم بعد ذلك بيومين حضر الأمير بكتاش أمير سلاح كان مسافرا مع طائفة العسكر نحو البلاد الشامية، فلما حضر نزل إليه كرجى من القلعة. فقال له الأمير بكتاش يريد أن يعمل فى كل جمعة سلطانا وأشار إلى من حو - له، فمسكوا كرجى وقتلوه. فلما بلغ طغى ونوغان الكرمانى ذلك فهربا من باب القرافة فلحقوهما عند بركة الحبش فقتلوهما هناك
[ ١٤٩ ]
وأحضروا رأسهما إلى عند الأمير بكتاش أمير سلاح فعند ذلك اجتمع الأمراء بباب القلعة وضربوا مشورة فيمن يولونه سلطانا فأتفق رأيهم على عود الملك الناصر محمد بن قلاوون من الكرك، فأرسلوا إليه بالحضور إلى الديار المصرية وبقى تخت المملكة خاليا بلا سلطان واحدا وأربعين يوما حتى حضر الملك الناصر من الكرك.