بويع بالخلافة فى شهر رجب من سنة خمس وخمسين وخمسمائة بعد وفاة الفائز وهو الحادى عشر من خلفاء بنى عبيد بمصر.
وقيل إن خلفاء بنى عبيد الفاطميين لما تولوا الخلافة بمصر قالوا لبعض العلماء اكتبوا لنا ألقابا تصلح للخلافة حتى إذا تولى منا أحد تلقب بها، فكتب لهم بعض العلماء ألقابا كثيرة آخرها العاضد، فاتفق أن آخر من تولى منهم العاضد، وكان أخر الخلفاء الفاطميين بمصر وبه انقرضت دولة بنى عبيد من مصر.
وكان طلائع بن رزيك وزير الظافر بنصر الله فسار مع الناس أحسن سيرة واستمر فى الوزارة إلى أيام العاضد هذا، فأقام مدة ومات. فلما مات تولى من بعده فى الوزارة شاور بن مجبر السعدى (^٢) وهو الذى كان سببا لجراب دولتهم وزوال ملكهم.
قيل إن فى أيام العاضد هذا ملك الفرنج الديار المصرية واستولوا عليها حتى نزلوا عند بركة الحبش بالقرب من مدينة الفسطاط التى كانت بالقرب من جامع عمرو بن العاص وهو اليوم كيمان توجد فيها فى بعض الأحيان الأعمدة الرخام.
_________________
(١) انظر المزيد فى: تاريخ ابن خلدون ٤/ ٧٦ و٨١ - ٨٢، الكامل ١١/ ٩٦ و١٣٧، النجوم الزاهرة ٥/ ٣٠٧ و٣٣٤ - ٣٥٧، أتعاظ الحنفا ٢٨٧ - ٢٩٣، وفيات الأعيان ١/ ٢٦٩، بدائع الزهور ١/ ٦٧.
(٢) هو شاور بن مجبر بن نزار السعدى من بنى هوازن أبو شجاع أمير من الولاة، فيه نجابة وفروسية يلقب بأمير الجيوش ولى الصعيد الأعلى بمصر فى أيام العاضد ثم قام بثورة واستولى بها على وزارة مصر بعد أن قتل رزيك بن طلائع سنة ٥٥٧ هـ واتهم بممالاة الأفرنج وأنه استعان بهم على دفع أسد الدين" شير كوه "عن دخول مصر فى أيام العاضد، ودخل شير كوه مصر فاتفق مع العاضد على قتله وعهد إلى صلاح الدين وكان لا يزال قائدا فتولى قتله أمام قبر الإمام الشافعى بالقاهرة سنة ٥٦٤ ج/ ١١٦٩ م. انظر المزيد فى: وفيات الأعيان ١/ ٢٢٠، الكامل ١١/ ١٢٥، تاريخ ابن خلدون ٤/ ٧٧ - ٧٩، الروضتين ١/ ١٣٠.
[ ٩٢ ]
وسبب ذلك أن ملك الفرنج المسمى مرى لما أن نزل عند بركة الحبش وطمع فى أخذ مدينة الفسطاط فخاف الوزير شاور أن يملك الفرنج المدينة فأمر بحرقها ق فخربت وأقامت النار تعمل فيها أكثر من خمسين يوما حتى صار الدخان منها يرى من مسيرة ثلاثة أيام، فلما رأى ملك الفرنج ذلك خاف ورحل عن مصر وقصد التوجه إلى بلاده، وكان هذا الخراب مدينة الفسطاط وكان ذلك فى سنة أربع وستين وخمسمائة، وكان ذلك على يد الوزير شاور بن مجبر السعدى فمن حينئذ تزايدت القاهرة التى أنشأها المعز فى البناء والعمارة إلى يومنا هذا، ولما فعل الوزير شاور ما فعل تلاشى أمر الخليفة العاضد، وقويت شوكة بنى أيوب فقتلوا الوزير شاور بن مجبر السعدى ثم تولى عوضه أسد الدين شير كوه. أخوا أيوب ابن عم صلاح الدين يوسف بن أيوب وتلقب بالمنصور. فمن المؤرخين من عده من وزراء مصر، ومنهم من عده من ملوك مصر. ولما تولى على مصر فلم تطل أيامه بها ومات بعد مضى شهرين وقيل مات فجأة وذلك فى يوم السبت ثانى عشر جمادى الآخر من سنة أربع وستين وخمسمائة.
ثم تولى من بعده فى الوزارة صلاح الدين يوسف بن أيوب فلما تولى صلاح الدين يوسف ضعف أمر العاضد إلى الغاية. ثم إن الملك العادل نور الدين محمود بن زنكى صاحب الشام وهو المعروف بالشهيد، أرسل يقول لصلاح الدين يوسف بن أيوب أن يقطع اسم العاضد من الخطبة بمصر وأعمالها. فلما فعل صلاح الدين ذلك حصل للعاضد أمر عظيم بسبب ذلك ومات عقيب ذلك كما سيأتى ذكره فى موضعه.
قيل لما استولى صلاح الدين يوسف على حواصل الفاطميين بعد موت العاضد وتسلم القصرين بما فيهما من الأموال والتحف والسلاح وغير ذلك. فاستمر صلاح الدين يقبع من ذلك الحواصل عشر سنين غير ما اصطفاه لنفسه وغير ما أرسله إلى نور الدين الشهيد (^١) بالشام ذكر ذلك العماد الكاتب (^٢).
_________________
(١) هو محمود بن زنكى عماد الدين بن آقسنقر أبو القاسم نور الدين الملقب بالملك العادل ملك الشام وديار الجزيرة ومصر، وهو أعدل ملوك زمانه وأجلهم وأفضلهم، كان من المماليك (جده من موالى السلجوقيين) ولد فى حلب سنة ٥١١ هـ وانتقلت إليه إمارتها بعد وفاة أبيه سنة ٥٤١ هـ -
[ ٩٣ ]
فكانت خلافة العاضد اثنتى عشرة سنة وستة أشهر. ولما مات العاضد استولى صلاح الدين يوسف بن أيوب على مصر وأعمالها.
قال: الشيخ شمس الدين الذهبى فى تاريخه: إن العاضد كان مع صلاح الدين يوسف كالمحجور عليه لا يتصرف فى كل الأمور إلا بعد مشورة صلاح الدين يوسف. وكان سبب موت العاضد لما بلغه أنه خطب لبنى العباس على منابر مصر فشق ذلك عليه فعمد إلى فص مسموم كان معه فمصه فمات من فاقته. وقيل غير ذلك. وكان العاضد يكره أهل السنة وكان رافضيا مثل أقاربه سبابا للصحابة، قبيح السيرة وبه انقطعت دولة الفاطميين أجمعين.
_________________
(١) = وكان ملحقا بالسلاجقة فاستقل وضم دمشق إلى ملكه مدة عشرين سنة، وامتدت سلطته فى الممالك الإسلامية حتى شملت جميع سورية الشرقية وقسما من سورية الغربية والموصل وديار بكر والجزيرة ومصر وبعض بلاد المغرب وجانبا من اليمن، وخطب له بالحرمين وكان معتنيا بمصالح رعيته، مداوما للجهاد، يباشر القتال بنفسه، موفقا فى حروبه مع الصليبيين، أيام زحفهم على بلاد الشام، وأسقط ما كان يؤخذ من المكوس وأقطع عرب البادية إقطاعات لئلا يتعرضوا للحجاج وهو الذى حصن قلاع الشام وبنى الأسوار على مدنها كدمشق وحمص وحماه وشيزر وبعلبك وحلب مات سنة ٥٦٩ هـ/ ١١٧٤ م. انظر المزيد فى: الروضتين ١/ ٢٢٧ - ٢٢٩، الكامل ١١/ ١٥١، تاريخ ابن خلدون ٥/ ٢٥٣، تاريخ ابن الوردى ٢/ ٨٣، وفيات الأعيان ٢/ ٨٧.
(٢) هو محمد بن محمد صفى الدين بن نفيس الدين حامد بن أله أبو عبد الله عماد الدين الكاتب، الأصبهانى مؤرخ الأدب من أكابر الكتاب، ولد فى أصبهان سنة ٥١٩ هـ/ ١١٢٥ م وقدم بغداد حدثا فتأدب وتفقه واتصل بالوزير عون الدين ابن هبيرة فولاه نظر البصرة ثم نظر واسط ومات الوزير، فضعف أمره، فرحل إلى دمشق فاستخدم عند السلطان نور الدين فى ديوان الإنشاء وبعثه نور الدين رسولا إلى بغداد أيام المستنجد ثم لحق بصلاح الدين بعد موت نور الدين فكان معه فى مكانة" وكيل وزارة "إذا انقطع" الفاضل "بمصر لمصالح صلاح الدين قام العماد مقامه ولما توفى صلاح الدين استوطن العماد دمشق ولزم مدرسته المعروفة وتوفى بها سنة ٥٩٧ هـ/ ١٢٠١ م. انظر المزيد فى: وفيات الأعيان ٢/ ٧٤، مرآة الزمان ٨/ ٥٠٤، الوافى بالوفيات ١/ ١٣٣، الروضتين ١/ ١٤٤، مفتاح السعادة ١/ ٢١٤.
[ ٩٤ ]