استقل بالمملكة بعد موت أبيه المنصور قلاوون وذلك فى يوم الأحد سادس ذى القعدة من سنة تسع وثمانين وستمائة، وهو الثامن من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، وكان مولده فى سنة ست وستين وستمائة، فلما تسلطن استحلف له سائر الأمراء فحلفوا ثم ركب بشعار السلطنة من قلعة الجبل إلى الميدان الذى تحت القلعة وأخلع على سائر الأمراء والأعيان بالدولة كل واحد على قدر طبقته كما كان فى أيام أبيه، ثم أخلع على الأمير علم الدين سنجر الشجاعى واستقر به وزيرا على عادته، فباس له الأمراء الأرض جميعهم، وانصرفوا إلى منازلهم، فلما كان بعد يومين قبض السلطان على الأمير طرنطاى النائب، وكان فى خاطر الأشرف خليل منه من أيامه والده قلاوون، فلما تسلطن انتقم منه وقبض عليه. وكان صفة مسكه أنه أرسل خلفه بعد الظهر فطلع إليه، وهو آمن منه، فلما مثل بين يديه أحاطوا به وحملوه إلى الاعتقال على أحسن حال كما قيل.
_________________
(١) انظر المزيد فى: فوات الوفيات ١/ ١٥، تاريخ ابن الوردى ٢/ ٢٣٨، النجوم الزاهرة ٨/ ٣، السلوك ١/ ٧٥٦ - ٧٩٣، بدائع الزهور ١/ ١٢١، المماليك لوو ليم مور ٦٢.
[ ١٣٤ ]
عداوة الأسد لا تخشى مغبتها … إذ ليس تعقل ما يأتى وما يذر
فما العداوة إلا للرجال فخف … ذوى العقلول فيهم ينبغى الحذر
وفى معناه:
احذر من الناس ولا … فى معرك الشك تجل
فى قلب ليث بت وخف … إن بت فى قلب رجل
ثم إن الأشرف خليل لما قبض على طرنطاى النائب، قيل بات طول الليل يعاقبه حتى مات تحت الضرب، وأقام ثلاثة أيام لم يدفن ثم دفنه بعد ذلك ورسم للشجاعى بأن يحتاط على موجوده، فنزل الشجاعى إلى دار طرنطاى النائب وقبض على حاشيته وغلمانه وعياله، وصار يعاقبهم فى كل يوم ويستخلص منهم الأموال فظهر له شئ كثير من المال والتحف ما لا يحصر لكثرته، ثم إن الأشرف خليل استقر بالأمير يبدرا نائب السلطنة عوضا عن طرنطاى النائب. ولما تم أمر الأشرف خليل فى السلطنة واستبقاء حاله أرسل خلف القاضى شمس الدين بن السلعوس ناظر ديوانه وكان بالحجاز من أيام الملك المنصور قلاوون فأرسل إليه الأشرف خليل بجواب وعلى يده مرسوم وحشاه الأشرف خليل بخطه بقلم العلامة يقول فيه "يا شقير جدّ السير، جاء الخير". وقيل ما رؤى قط مرسوم سلطان محشى بخطه سوى مراسيم الأشرف خليل، وحشا أيضا مرسوما إلى دمشق لما رسم باسقاط ما كان يؤخذ من باب الجابية على كل حمل من القمح خمسة دراهم مكسا. فكتب فى المرسوم بين السطور: وليكشف عن رعايانا هذه الظلامة، ونستجلب الدعاء لنا من الخاصة والعامة، وكان كثيرا ما يحشى المراسيم بخطه.
فلما حضر شمس الدين بن السلعوس من الحجاز استقر به وزيرا وفوض إليه أمر السلطنة جميعها. وكان أصل بن السلعوس تاجرا من دمشق وانتمى إلى خدمة الأشرف خليل فى حياة والده قلاوون واستأجر له مواضع كثيرة بالشام، فحصل له منها ربح كثير فحمله إلى الأشرف خليل، فأعجبه ذلك وحظى عنده وجعله ناظر ديوانه. ثم إن المنصور قلاوون نفى ابن السلعوس إلى الحجاز. فلما مات قلاوون وتسلطن ابنه خليل أحضر ابن السلعوس واستقر به وزيرا، وكان حضور ابن السلعوس من مكة فى ثالث عشر المحرم مع مبشر الحاج، ولما تولى الوزارة
[ ١٣٥ ]
أظهر من العظمة والكبرياء أمرا عظيما ورسم السلطان لبعض المماليك السلطانية بالركوب فى خدمته فصار بركب فى موكب عظيم. وقيل كان القضاة الأربعة تركب قدامه فى أيام المواكب وأحال الأمراء وأعيان الناس فى أشغالهم عليه.
وكان الأشرف طرنطاى النائب صفا له الوقت وطاش فى أموره فجرد بالعساكر إلى نحو الشام وخرج معهم وتوجه إلى حصار مدينة عكا وكان الفرنج ملكوها وصاروا يقطعون الطريق على المسلمين من التجار وغيرهم، فتوجه إليهم السلطان وحاصرها ونصب عليها بالمنجنيقات وقيل كانت عدتهم نحو اثنين وسبعين منجنيقا فحاصرها مدة يسيرة، فلما ظهر له خذلاتهم فزحف هو والعسكر زحفة واحدة فأعطاه الله النصر، ففتحها بالسيف فى يوم الجمعة سابع عشر جمادى الأخر من سنة تسع وثمانين وستمائة، فلما أصبح يوم السبت أمر السلطان بهدم سور المدينة وما كان حولها من صيدا وبيروت. وكانت مدينة عكا من أحسن المدائن وأعمرها وصار الناس من بعد ذلك ينقلون فيها الرخام، ومن جملة ما نقلوه وهو الباب الرخام الذى على المدرسة الناصرية التى بين القصرين، وكان على باب كنيسة فى مدينة عكا. ومات يوم فتح عكا اثنى عشر أميرا وثلاثة وخمسون مملوكا من مماليك السلطان ومات نحو ثلاثين مملوكا من مماليك الأمراء. ومات فى هذه الوقعة العزى بقية الجيوش المنصورة وهو صاحب سويقة العزى.
ثم رجع السلطان إلى القاهرة فدخلها وقد زينت له. فلما وصل إلى القبة المنصورية التى بين القصرين نزل وزار قبر والده قلاوون، ثم ركب وطلع إلى القلعة والأمراء مشاة قدامه حتى طلع إلى القلعة، فأخلع على نائب السلطنة والوزير وأرباب الوظائف وغيرهم من أعيان الناس. ولما حصلت هذه النصرة قال القاضى محيى الدين بن عبد الظاهر فى ذلك.
يا بنى الأصفر قد حل بكم … نقمة الله لا تنفصل
نزل الأشرف فى ساحلكم … فأبشروا منه بصك متصل
وقال محمد بن غانم فى الأشرف خليل ويوسف بن أيوب:
مليكان قد لقبا بالصلاح … اهذا خليل وذا يوسف
فيوسف لا شك فى فضله … ولكن خليل هو الأشرف
[ ١٣٦ ]
ولما فرغ الأشرف خليل من أخذ مدينة عكا أرسل فى القبض على الأمير لاجين السلحدار نائب دمشق وحبسه بقلعة صفد، ثم قبض على الأمير سنقر الأشقر الذى كان تسلطن بدمشق، وقد تقدم ذلك وقبض على الأمير طقصوا. فلما حضر الأشرف خليل إلى القاهرة قبض على الأمير جرمك ومعه جماعة من الأمراء وأكملهم سبعة ثم أمر بخنقهم عن أخرهم، فخنق السبعة فى ليلة واحدة. فلما أرادوا دفنهم وجدوا الأمير لاجين فيه الروح فأخبروا السلطان بذلك فرق له ورضى عنه وأنعم عليه بتقدمة ألف ومازالت الأقدار تساعده حتى تسلطن كما سيأتى ذكره. ثم أفرج عن الأمير بيسرى وأنعم عليه بتقدمة ألف.