هو التاسع من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية تسلطن بعد قتلة أخيه الأشرف خليل فى رابع عشر المحرم سنة ثلاث وتسعين وستمائة وجلس على سرير الملك و- له من العمر تسع سنين ودخل فى العاشرة. وكان مولده فى سنة أربع وثمانين وستمائة، وأمه خوند أشلون بنت الأمير نكاى. ولما تم أمره فى السلطنة
_________________
(١) انظر المزيد فى: مورد اللطافة ٤٤، تاريخ ابن الوردى ٢/ ٣٤٠، فوات الوفيات ٢/ ٢٦٣، بدائع الزهور ١/ ١٢٩، الدرر الكامنة ٤/ ١٤٤، النجوم الزاهرة ٨/ ٤١ و١١٥ ثم ٩/ ٣، تاريخ المماليك ٦٥ - ٩٥.
[ ١٤٠ ]
استقر بالأمير كتبغا نائب السلطنة والأمير سنجر الشجاعى وزيرا والأمير بيبرس الجاشنكير استادارا. وفى ذلك اليوم قبض الأمير كتبغا النائب على جماعة كثيرة من الأمراء وقيدهم وأرسلهم إلى الجب بالقلعة وأحاط على موجودهم وتولى عقوبتهم الأمير بيبرس الجاشنكير، فأقر منهم جماعة ممن كان سببا فى قتلة الأشرف خليل فقطعوا أيديهم وشمروا على الجمال وطافوا بهم فى القاهرة وأيديهم معلقة فى أعناقهم، فمنهم من مات وهو على الحسب. ثم إن الأمير كتبغا قبض على شمس الدين بن السلعوس وأحاط على جميع موجوده من صامت وناطق، وقبض على أقاربه وعياله وغلمانه وأصحابه، وكان المتولى أمر ذلك الأمير علم الدين الشجاعى فبات يعاقب ابن السلعوس حتى مات تحت القبر فى يوم الأحد خامس عشر صفر من السنة المذكورة واستصفى أمواله. وكان شمس الدين بن السلعوس لما حضر من مكة واستقر فى الوزارة ونال من المنزلة فى دولة الأشرف خليل ما تقدم ذكره فعند ذلك أرسل يطلب أقاربه من الشام فكلمهم أجابوه الحضور إلا شخصا من أقاربه فأنه خاف على نفسه ولم يوافق على الحضور من الشام إلى مصر وكتب إلى ابن السلعوس هذه الأبيات:
تنبه يا وزير الأرض واعلم … بأنك قد وطئت على الأفاعى (^١)
فكن بالله محتسبا فإنى … أخاف عليك من نهش الشجاعى
فكان الأمر كما قاله ذلك الزجل ثم إن الشجاعى استقر فى الوزارة وصفا له الوقت بعد ابن السلعوس. وكان الشجاعى رجلا ظالما جبارا عنيدا يحب الفتن والحروب، فصار يرمى الفتن بين الأمراء وبين الأمير كتبغا فصار مع كتبغا فريق من الأمراء والجند، ومع الشجاعى فريق، قيل إن الشجاعى انفق على المماليك البرجية فى يوم واحد ثمانين ألف دينار واتفق معهم أن كل من جاب له رأس أمير يعطيه إقطاعة. فلما بلغ الأمير كتبغا ذلك لبس آلة الحرب هو وخشداشينه ووقفوا فى سوق الخيل فلما علم الشجاعى ذلك خرج من باب القلعة وعلق السنجق السلطانى ودق الكوسات حربى وبقى منتظرا يطلع إليه من الأمراء فلم يطلع إليه أحد منهم وصار الأمير كتبغا يحاصر من فى القلعة وقطع عنها الماء.
_________________
(١) وردت هذه الأبيات فى بدائع الزهور.
[ ١٤١ ]
فلما كان يوم الجمعة: نزل المماليك البرجية من القلعة وتقاتلوا مع الأمير كتبغا أشد القتال حتى كاد كتبغا أن ينكسر ثم قوى كتبغا ومن معه وكسروا المماليك البرجية وطردوهم وطلعوا إلى القلعة وعلقوا الأبواب فعند ذلك أشرفت خوند والدة الملك الناصر محمد بن قلاوون من أعلى السور وأرسلت تقول لكتبغا: ايش قصدك حتى تفعله فقال السلطان: استاذنا وابن استاذنا ولو بقيت من أولاد قلاوون بنت عرجى ما أخرجنا الملك عنها. وأنما قصدنا فى مسك الشجاعى فهو الذى يرمى الفتن بيننا، فلما سمع من كان فى القلعة من الأمراء كلام الأمير كتبغا تسللوا من عند الشجاعى فبقى وحده، فأرسل يطلب من الأمير كتبغا الأمان فلم يوافقه على ذلك ولا طاوعه بقية الأمراء على الأمر، ثم إن الشجاعى دخل على السلطان. فقال السلطان إن كان هذا لأجلى فاصطلحوا وأنا أعطيك نيابة حلب ونستريح من هذا الشر ثم إن الشجاعى خرج من عند السلطان على هذا الوجه فبينما هو فى أثناء الطريق، وثب عليه الأمير أقوش المنصورى وقتله وقطع رأسه ويديه وأخذها، ووضعها فى فوطة حرير، وخرج والمماليك البرجية محتاطين بباب القلعة فقالوا له ما معك؟ فقال: حين سجن أرسله السلطان للأمير كتبغا حتى يعرف أن عندنا الخبر كبيرا وتركوه ومضى.
فلما نزل من القلعة وضع رأس الشجاعى بين يدى الأمير كتبغا وبقية الأمراء.
فلما رأوا رأس الشجاعى فعند ذلك خمدت الفتنة وأمر الأمير كتبغا المشاعلية بأن يطوفوا برأس الشجاعى مصر والقاهرة فجعلوه على رمح وطافوا به جميع الحارات والأسواق والحارات. وكان أكثر الناس يكرهون الشجاعى حتى طائفة اليهود والنصارى، فصار الناس يعطون المشاعلية شيئا من الفضة ويأخذون منهم الرأس ويدخلون به دورهم ويصفعونه بالنعال والقباقيب حتى يشتفوا منه فأقاموا ثلاثة أيام يفعلون ذلك. وقيل كان مع المشاعلية برنية خضراء كبيرة يحصلون فيها ما يأخذونه من الناس، فقيل إنهم ملأوا ثلاث مرات فضة ولم يسمع بمثل هذه الواقعة قط. وكان الشجاعى رجلا طويلا أبيض اللون، أشقر اللحية وكان ظالما عسوفا جبارا قد اجتمع الناس على بغضه.
[ ١٤٢ ]
فلما سكنت الفتنة وراق الوقت طلع الأمراء إلى عند السلطان فى القلعة وجمعوا المماليك البرجية وأنزلوهم من الطباق وفرقوهم فى أبراج القاهرة التى فى السور وكانوا نحو أربعة آلاف وسبعمائة مملوك ورتبوا لهم ما يكفيهم من لحم وخبز وغير ذلك. وأقاموا فى الأبراج بحيث لا يركبوا ولا ينزلوا ثم إن الأمير كتبغا قبض على الأمير بيبرس الجاشنكير وقبض على صهره بكرغى وعلى اللقمانى وعلى جماعة من المماليك السلطانية، ثم أرسل الأمراء إلى السجن بثغر الإسكندرية ثم أفرج عن جماعة من الأمراء وهم. الأمير قفجق السلحدار والأمير عبد الله حامل الخبز والأمير عمر شاه السلحدار والأمير قرمش والأمير بورى والأمير لاجين جركس والأمير مغلطاى المسعودى والأمير كردى الساقى فصاروا من عصبة الأمير كتبغا.