الفصل الخامس: المعارضون وشبهاتهم
أولا- المعارضة للدعوة:
لما جهر الإمام محمد بن عبد الوهاب بدعوته أثناء رحلاته بين الحرمين الشريفين والبصرة والاحساء ونجد صار الناس أمام دعوته بين مؤيد ومعارض ولما استقر في حريملاء ثم بدأ دعوته في نجد عام ١١٥٣ استحسن بعض الناس دعوته وعارضها آخرون وبدأت المعارضة من أقرب الناس إليه من أخيه لأمه١ وأبيه الشيخ سليمان بن عبد الوهاب ثم بدأت المعارضة تتسع وتشتد حتى تم السطو على الإمام في بيته ليلا لقتله أملا من الخصوم في الراحة ثم رحل منها مضطرا إلى بلدة العيينة وهي يومئذ من أكبر الإمارات في وادي حنيفة فزاد اتباعه فيها وتوسعت المعارضة ضده حتى جاءت التهديدات الشديدة من قائد الاحساء إلى أمير العيينة لإيوائه الشيخ وسماحه له بالدعوة على ما بين العيينة والاحساء من بعد المسافة وصعوبة الاتصال – حتى اعتبر أن مجرد إيوائه وإبقائه في العيينة جريمة لا تغتفر تعرض نفسه وإمارته للخطر والدمار وأن عليه أن يقتله ويريح الناس منه ولا يكتفي بمجرد إخراجه من بلاده مما أضطر أمير العيينة لمصارحة الإمام وإشعاره بوجوب الخروج من بلده إلى أي جهة يريدها لأنه لا قبل له بأمير الاحساء وضغط المعارضة الشديدة عليه. ومع أن الشيخ ﵀ حاول تثبيته على الحق ووعده بالنصر إلا أن الخوف قد بلغ بأمير
_________________
(١) ١ رجع الشيخ عن معارضته للدعوة الإصلاحية وكتب في تأييدها بعد ذلك، انظر: مصباح الظلام في الرد على من كذب على الشيخ الإمام، للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، ص ١٠٥.
[ ١٢١ ]
العيينة مبلغه وضغط المعارضة عليه قد أفقده صوابه فأكد على الشيخ بالخروج من بلاده فخرج الشيخ من العيينة متجها إلى الدرعية عارضا نفسه على أميرها وأهلها.
فوجد منه قبولا وتأييدا ومؤازرة وتم بينهما العهد الميمون على إيواء الدعوة الإصلاحية وتأييدها والذود عنها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.
فلما استقر مقام الدعوة في الدرعية واشتد ساعدها في مقامها الجديد بتوافد طلاب العلم عليها وكثرة المهاجرين إليها، أعلنت دعوتها وتصميمها على المضي غايتها بلا تردد ولا تأخير ولا مهادنة. وعرفت المعارضة ذلك منها كما عرفت خطورتها على الأوضاع السائدة في المنطقة وقت قيامها.
واشتدت المعارضة ضدها وجمعت صفوفها في وجهها ونشرت قالة السوء عنها ونشطت في صد الناس عنها وتكتلوا ضده وتنادوا للقضاء عليها في مهدها حتى دخلت المعارضة مرحلة الهجوم المسلح ضد الدعوة وأنصارها في الدرعية وذلك على يد أمير الرياض وقتها دهام بن دواس وأهل الرياض ومنفوحة والخرج وغيرهم وظلت الحرب بين حركة الإصلاح والتجديد وبين المعارضة في نجد سجالا سنين طويلة. ولم تقف هذه الحرب والصراع بين الدعوة وخصومها في نجد عند قدرتها وإمكاناتها المحلية بل تعدتها إلى مراكز القوي في العالم الإسلامي في الحجاز والعراق واليمن والخليج العربي على يد الخلافة العثمانية التي أخذت على عاتقها القضاء على هذه الدعوة والإجهاز عليها وإطفاء نورها باعتبارها حركة انفصالية تهدد وجود الخلافة العثمانية في شبه جزيرة العرب وتنذر بحركات انفصالية في أجزاء أخرى من الخلافة العثمانية التي بدأ يدب إليها الضعف والوهن في عصورها المتأخرة.
ولهذا فإن المعارضة بدأت محلية محدودة ثم توسعت دائرتها حتى شملت قوى خارجية ذات إمكانات هائلة ونفوذ واسع، مما يمكننا معه القول بأن المعارضة كانت على مرحلتين هما المعارضة الداخلية والمعارضة الخارجية.
[ ١٢٢ ]