١-قيام مدرسة علمية إصلاحية:
كان إمام هذه المدرسة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي أخذ العلم عن والده وعلماء بلده ثم رحل في طلب العلم والأخذ عن شيوخه في الحرمين الشريفين وفي البصرة والاحساء وغيرها. ولم يكن كما يقول خصوم الإمام محمد بن عبد الوهاب بأنه أخذ العلم من غير معلم، وأن معلمه كان كتابه فرحلاته العلمية معروفة وأخذه من شيوخه كان ظاهرا وآثاره وفقهه أكبر شاهد على ذلك.
فلما أعد نفسه إعدادا راسخا في العلم وتمكن من فهم علوم الدين من تفسير وحديث وعلومهما وفقه وأصول وتوحيد وتاريخ وسيرة ولغة عربية وأدواتها وبرع في علم الفرائض وغيرها، وفهم واقع الناس في الحياة اليومية في مختلف مناحي الحياة في العقيدة والسلوك والآداب والأخلاق والمعاملات، وأدرك الفارق الكبير بين حقيقة التوحيد كما جاءت من عند الله في نصوص شرعه وما كان عليه الناس في زمانه وحدد المسافة بين ما أراده الله من خلقه وشرعه لعباده وما هم عليه وعقد العزم على القيام بحركته الإصلاحية التجديدية منطلقا بها من نجد بل من مقر إقامته وأسرته في بلده حريملاء، كان أول خطوة في حركة الإصلاح الجديدة التأسيس على أصول علمية تستند إلى نصوص الشريعة في الكتاب والسنة وسيرة الرسول ﷺ وسيرة السلف الصالح في عصور الإسلام الزاهرة والقرون المفضلة.
فجلس لطلاب العلم في المسجد في حريملاء يدرسهم في مختلف علوم الشرعية ويتدرج بهم من البسيط إلى المركب، ومن الواضح إلى الخفي، ومن القليل إلى الكثير، ويبث في هذه المدرسة روح التحرر من قيود الواقع والمألوف إلى معرفة مراد الله في شرعه، والاستقلال في فهم دينه، وإجراء مقارنة لطلاب العلم بين ما أراد الله من خلقه وما يفعله الناس في زمانه وتحديد المسافة بين المطلوب والواقع. ونفث هذه الروح الإصلاحية العلمية المؤصلة في دروسه وبين طلابه وشوقهم إلى تخطي
[ ٢٠٢ ]
الحاجز المر المستقبل المشرق لهذه الدين. فوجد نفوسا سوية وعقولا صافية صفاء المرآة فطبع عليها ما معه من حق ونفخ فيها من روحه حتى جاءت إليه طائعة مختارة قابلة للحق مقتنعة به مستعدة للبذل في سبيله. فكان بدء دعوته الزمني عام ١١٥٣هـ ومولدها الأول في مسجد حريملاء وأداتها في الإصلاح التعليم والتعلم ومستقرها في داخل النفوس، وغايتها رد الناس إلى الله في أصول العقيدة ومنهج الشريعة وأصول التعامل وقواعد الأخلاق والخروج من ضيق الدنيا إلى سعت الدنيا والآخرة. ثم تزايد عدد طلاب العلم لديه وتوسعت مجالسه، وتعددت العلوم التي يدرسها لطلابه في ساعات طويلة من النهار وأطراف من الليل حتى كثر أنصاره وطلابه ومريدوه. ولما انتقل إلى العيينة سار على الطريقة نفسها فأسس مدرسة علمية فيها وتوافد إليه طلاب العلم من داخل العيينة وخارجها وتبعه من كان معه من طلاب العلم في حريملاء. فتوسعت المدرسة وتعددت حلقاتها وصار كبار طلبته يعقدون حلقات العلم للطلاب المبتدئين. ثم ينتقل الطلاب بعد أخذ المبادئ العامة إلى حلقات الشيخ نفسه. وهكذا تتكرر خطوات التوسع حتى استطاع بهذه المدرسة العلمية والأنصار أن يتقدم بدعوته إلى مرحلة الأمر بالمعروف النهي عن المنكر وإقامة بعض الحدود في العيينة، وأن يتسامع الناس بهذه الدعوة في أرجاء الجزيرة العربية ويدرك الوجهاء في المنطقة خطرها عليهم وآثارها البعيدة في حياتهم مما حملهم على إظهار العداء لها. ولما انتقلت الدعوة إلى الدرعية استمرت في تدعيم وجودها من خلال العلم والتعلم في رحاب المساجد، وترسيخ الفهم الصحيح للإسلام، وتشخيص أدواء المجتمع الذي وجدت فيه هذه الحركة الإصلاحية، وتسليط الضوء عليها وفق رؤية علمية صحيحة تستند إلى النصوص الشرعية الثابتة والفهم العربي السليم حتى أتم الله لها ما أراد على يد هذه المدرسة العلمية وإمامها المجدد محمد بن عبد الوهاب.
وقد ذكر المؤرخ الشيخ عثمان بن بشر إقبال طلاب العلم على الشيخ ﵀ في الدرعية وصبرهم على طلب العلم وتحملهم في سبليه فقال:"ولما هاجر من هاجر إلى الدرعية واستوطنوها كانوا في أضيق عيش وأشد حاجه وابتلوا ابتلاء شديد فكانوا
[ ٢٠٣ ]
في الليل يأخذون الأجرة ويحترفون، وفي النهار يجلسون عند الشيخ في درس الحديث والمذاكرة"١
وكان قيام هذه المدرسة العلمية الإصلاحية في نجد في فترة عصيبة قد عم فيها الجهل وفشا المنكر وكثر البلاء واختلط فيها الحق بالباطل واندرست فيه معالم الهدى.
فكانت هذه الدعوة في ذلك الوسط العلمي المتخلف كالنور الكاشف في دياجير الظلام. يصف ذلك ابن بشر ﵀ بقوله: "ولما استوطن الشيخ الدرعية وكانوا في غاية الجهالة وما وقعوا فيه من الشرك الأكبر والأصغر والتهاون بالصلاة والزكاة ورفض شعائر الإسلام فتخولهم الشيخ بالأمر بالمعروف النهي عن المنكر ثم أمرهم بتعلم معني لا إله إلا الله وأنها نفي وإثبات" ومضى في تعديد ما جاء به الإمام ودعا إليه حتى قال: "ثم معرفة البحث وأن من أنكره أو شك فيه فهو كافر"٢
ولم تكتف هذه الدراسة العلمية بالتعليم في المسجد وجمع الأنصار حولها بهذه الوسيلة وحدها بل دخلت في الدرعية خاصة وسيلة أخرى وهي بعث الرسائل ودعوة الناس بواسطتها إلى الاستجابة لهذه الدعوة ودعوة طلاب العلم للوفود على الدرعية لمعرفة حقيقة ما تدعو إليه هذه المدرسة العلمية من فهم جديد لنصوص الشرع المطهر وبهذه الوسيلة الجديدة إلى جانب توسيع التعليم وتحقيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مجتمع الدرعية وما يتبعها انتشر أمر هذه المدرسة وانقسم الناس حولها إلى مؤيدين ومعارضين.
وفي هذه المدرسة العلمية الإصلاحية التي قامت بالتعليم في رحاب المساجد أو بالرسائل العلمية والمواعظ الدينية والمقابلات لطلاب العلم والمذاكرة معهم توسع أثر هذه المدرسة حتى خرجت القضاة والمفتين والوعاظ وأئمة المساجد وخطباء الجمع وسدت بهم حاجات الدعوة ولبت مطالب المجتمع، يقول الشيخ ابن بشر ﵀:
_________________
(١) ١ عنوان المجد في تاريخ نجد للشيخ عثمان بن بشر ج١ ص ١٣. ٢ المرجع السابق ج ١ص ١٤.
[ ٢٠٤ ]
"وأخذ عنه – أي الإمام- بعد ذكر القضاة- ممن لم يل القضاء من الرؤساء والأعيان ومن دونهم الجم الغفير وكان له رحمه الله تعالى من الرأي والفراسة والتدبير ما ليس لغيره. وكان كثيرا ما يلهج بقوله تعالى: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ " ١
وظلت هذه المدرسة العلمية الدينية الإصلاحية تعطي ثمارها الطيبة في مجتمعها المسلم جيلا بعد جيل حتى يومنا الحاضر وتركت لنا من الآثار العلمية والسيرة العملية المتمثلة في سير الصالحين من أتباع هذه الدعوة الإصلاحية عبر تاريخها الطويل ما يعين على السير على الطريق الصحيح والنهج القويم، ﵏ جميعا رحمة واسعة وجزاءهم عن هذه الأمة خير ما يجزي به عباده الصالحين وجعل الله هذا الخير باقيا في عقبهم إلى يوم الدين.
١- تجلية بعض المفاهيم:
وكان من نتائج حركة التجديد والإصلاح في العصر الحديث تجلية بعض المفاهيم الإسلامية ومحاربة الانحراف في الدين عما أراد الله به من إصلاح النفوس وتصحيح العقيدة وتقويم السلوك وتحقيق مقاصد الشريعة في الخلق.
ولهذا فقد عنيت هذه المدرسة بأصول الدين وفروعه وإزالة ما أصاب هذه المفاهيم من انحراف في فهم المراد بها والعناية بتحديد معانيها وما يدخل فيها وما يخرج منها من انحراف وما يضادها أو ينتقص من كمالها. واستعمل في ذلك وسائل التعليم والتربية المختلفة في تقرير هذه المعاني بالتعليم والتوجيه والتأليف والرسائل وغيرها مما سبقت الإشارة إليه، فألف في أصول الدين الرسالة المعروفة بثلاثة الأصول وهي تدور حول تحقيق أصول الدين الثلاثة: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية والولاء والبراء وتعريف
_________________
(١) ١ عنوان المجد في تاريخ نجد للشيخ عثمان بن بشر ج١ ص ٩٥.
[ ٢٠٥ ]
الإنسان بربه ونبيه ودين الإسلام بالأدلة الثابتة من الكتاب والسنة والإجماع وأقوال أئمة الهدى وتقرير التوحيد والدعوة إليه وإيضاح الشرك ووجوب البراءة منه وأهله، وتحديد واجب المسلم في الموالاة في الله والمعاداة فيه، وتحديد المراد بالحنفية ومعنى العبادة في الشرع وذكر أنواعها، وحكم من صرف شيئا منها لغير الله وتحديد معنى الربوبية ومن هو المستحق لها، وتعريف الإسلام وبيان أركانه ونواقضه وتعريف الإيمان وتحديد أركانه وأنه قول وعمل واعتقاد وأنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وتعريف الإحسان ومستلزماته إلى جانب شرح معنى لا إله إلا الله وما تتضمنه من النفي والإثبات، ومعنى شهادة أن محمدا رسول الله وبيان مقتضاها، وشرح معنى الهجرة التي أمر الله بها في كتابه وحكم بقائها أو انقطاعها بعد فتح مكة ودخول الناس في دين الله، إلى جانب بيان عموم الرسالة إلى الجن والإنس كافة، ووجوب الإيمان بالبعث والمحاسبة وأن الدين قد تم وكمل في حياة النبي ﷺ وأنه خاتم الأنبياء لا نبي بعده. وبين معنى الطاغوت ووجوب الكفر به والإيمان بالله وأن الطواغيت كثيرون وأن رؤوسهم خمسة: إبليس لعنه الله، ومن عبد وهو راض، ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه، ومن ادعى شيئا من علم الغيب، ومن حكم بغير ما أنزل الله، وبين مكانة الصلاة من الدين وأهمية الجهاد في سبيل الله وأقام الدليل على كل مسألة من هذه المسائل من الكتاب والسنة وأقوال السلف ﵏ كما بين حكم كثير مما كان يفعل في زمانه من الأفعال والأعمال التي تناقض التوحيد أتنافي كماله. وقد كتب في ذلك أيضا كتابه القيم المعروف بكتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد وعرف فيه التوحيد وأنواعه وفضله وتكفيره للذنوب وبين فيه الشرك وأنواعه وإحباطه للأعمال الصالحة وبين فضل الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة وتناول فيه كثيرا من الأعمال والأحوال التي يمارسها أهل زمانه مما ينافي الوحيد أو ينافي كماله مثل التمائم والتوله ولبس الحلقة والخيط والرقي وإرادة الإنسان بعمله الدنيا ومشابهة الكفار وغيرهما من المسائل الكثيرة المهمة التي لا يتسع المقام لذكرها وهي موجودة في هذا الكتاب القيم لمن أراد الوقوف عليها والتعرف على مستوى دقة فهم هذا الإمام وصدق اتباعه للأدلة الشرعية.
[ ٢٠٦ ]
يقول المؤرخ ابن بشر ﵀: "وأمر جميع أهل البلدان من أهل النواحي يسألون الناس في المساجد كل يوم بعد صلاة الصبح وبين العشائين عن معرفة الأصول وهي معرفة الله ومعرفة دين الإسلام ومعرفة أركانه وما ورد عليها من أدلة من القرآن ومعرفة محمد ﷺ ونسبه ومبعثه وهجرته وأول ما دعا إليه وهي "لا إله إلا الله" ومعرفة معناها والبعث بعد الموت وشروط الصلاة وأركانها ووجباتها وفروض الوضوء ونواقضه وما يتبع ذلك من تحقيق التوحيد من أنواع العبادة التي لا تنبغي إلا لله كالدعاء والذبح والنذر والخوف والرجاء والخشية والرغبة والرهبة والتوكل والإنابة وغير ذلك ١.
وبشرح هذه المفاهيم الشرعية وبيان المعاني المقصودة منها في الشرع وتعميم تعليمها للناس بصورة شبه إجبارية للعامة والأميين إلى جانب التعليم المتقدم الذي يعد به القضاة والمفتين والمدرسين وخطباء المساجد استقرت العقيدة السلفية الصافية في نفوس الناس. وبذلك تحرروا من ذل العبودية لغير الله وأحبوا السنة وكرهوا البدعة وحاربوا الخرافة. وتحول ذلك عندهم إلى حس عام تميز حتى عند العامة. والحمد لله الذي له الأمر من قبل ومن بعد.
يقول صاحب كتاب حاضر العالم الإسلامي: "فالدعوة الوهابية إنما هي دعوة إصلاحية خالصة بحتة، غرضها إصلاح الخرق وفسخ الشبهات وإبطال الأوهام ونقض التفاسير المختلفة والتعاليق المتضاربة التي وضعها أربابها في عصور الإسلام الوسطى ودحض البدع وعبادة الأولياء وعلى الجملة هي الرجوع إلى الإسلام والأخذ به على أوله وأصله ولبابه وجوهره"٢
فهذا المؤرخ الأجنبي وصف هذه الدعوة وصفا دقيقا فيما جاءت به وما تهدف إليه مع إيجاز في القول وبلاغة في الوصف.
_________________
(١) ١ عنوان المجد في تاريخ نجد للشيخ عثمان بن بشر ج١ ص ٩٠، ٩١. ٢ حاضر العالم الإسلامي تأليف لوثروب ستيوادر الأمريكي ج١ ص ٢٦٤، ترجمة الأستاذ عجاج نويهض تعليق الأمير شكيب أرسلان
[ ٢٠٨ ]
٣-إحياء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
تتميز الدعوة الإصلاحية في العصر الحديث في نجد بأنها دعوة تجمع بين العلم الصحيح الهادي إلى العمل بما يرضى الله في أمور الدين والدنيا وبين العمل اليومي المعاش والعقيدة السليمة. ولهذا فإنها بدأت بالعلم وثنت بالعمل والتطبيق لمقتضى العلم والأخذ بمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو ممارسة علمية لتوظيف العلم في صالح الجماعة وتكوني رأي عام راشد يعرف المعروف ويؤيده ويعرف المنكر وينفر منه وإيجاد تكافل أدبي في الوسط الاجتماعي يعزز الفضيلة ويضيق على الرذيلة وتنمو في ظله الفضائل وتنكمش الرذائل.
ومنذ فجر تاريخ هذه الدعوة الإصلاحية في حريملاء ثم في العيينة وأخبرا في الدرعية كانت الدعوة واضحة في نزوعها إلى هذه الغاية. فما أخرجه أشقياء حريملاء وأمراء العيينة إلا بسبب أخذه بهذه المبدأ وعجز الأولين عن تقبله، وضعف أمير العيينة عن تحمل تبعاته وما نجحت الدعوة في الدرعية إلا بتقبلها لهذا الأمر والقيام بواجبه وتحمل تبعاته مهما كلفها من ثمن. ولهذا فإن اتفاق الإمامين الجليلين محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود كان من أهم بنوده إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن لمنكر.
يقول المؤرخ ابن بشر ﵀ بعد ذكره لشروط الإمام محمد بن سعود على الإمام محمد بن عبد الوهاب وأن الإمام محمد بن سعود قال للإمام:"ثم إن محمدا بسط يده وبايع الشيخ على دين الله ورسوله والجهاد في سبيل الله وإقامة شرائع الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر "١ والإمام محمد بن عبد الوهاب حينما عرض دعوته على ابن معمر ذكر من أصولها إحياء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعد معرفة المعروف وتحديد المنكر.٢
_________________
(١) ١ عنوان المجد في تاريخ نجد للشيخ عثمان بن بشر ج١ ص ١٢. ٢ المرجع السابق ج ١ص١٠.
[ ٢٠٩ ]
وبإحياء هذه الفريضة الإسلامية العظيمة صارت معلما شامخا في هذه الدعوة الإصلاحية يؤمن بها أصحاب هذه الدعوة ويمارسونها في الحياة ويستثمرونها في خدمة الدين حتى صار لهم فيها فقه دقيق وممارسة صادقة. ولهذا فإن من أبرز صفات أئمة هذه الدعوة أنهم آمرون بالمعروف ناهون عن المنكر. ففي ذكر سيرة الإمام سعود بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: يقول ابن بشر ﵀: "وكان رحمه الله تعالى آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر كثير الحض على ذلك في مجالسه ومراسلاته للمسلمين ناصرا لأهله محببا إليه أهل العلم وطلبته"١
وعبر تاريخ هذه الحركة فإن الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر هم من أهل العلم بالدين والتمسك به من القضاة والمعلمين والوعاظ وأئمة المساجد والخطباء وأهل الدين والورع والصالحين من الأمراء والولاة، والواقعون في المنكر هم من العامة والجهلة والفساق وذوي الرقة في الدين أو المترفين وأهل النعمة.
وهذه الفريضة يعدها بعض العلماء من أركان الإسلام لعظم أمرها وقوة أثرها. وفي الأثر: "إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن " ولهذا فقد مكنت هذه الفريضة للدين في نفوس الناس وكونت حسا مميزا عند الأفراد والعامة والخاصة للتفريق بين المعروف والمنكر واعتبار المعروف فضيلة والمنكر رذيلة. وأقامت واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كأصل من أصول الدين وشعيرة من شعائره لا يجوز التخلي عنها بحال من الأحوال.
١- إحياء مبدأ الولاء والبراء في الدين:
الإسلام بشعائره المختلفة كالجسد الواحد لا يؤدي وظيفته في الحياة إلا إذا سلمت كل أعضائه الأساسية ووجدت له البيئة الصالحة لنموه والدعوة الإصلاحية في نجد تحقق لها قدر كبير من النجاح لأنها أخذت في الإصلاح بكل شعائر الإسلام وأساسياته، وأوجدت له المناخ الملائم لنمو الفضيلة في ظله.
_________________
(١) ١ عنوان المجد في تاريخ نجد للشيخ عثمان بن بشر ج١ ص ١٧٦
[ ٢١٠ ]
فبعد أن تم لهذه الدعوة تحقيق التوحيد وتجلية مفاهيم الإسلام أخذت تمارس تطبيق مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في داخل المجتمع فوقف الناس من هذه الدعوة أحد موقفين: موقف المؤيدين لها وموقف المعارضين، وصار على كل فرد في المجتمع أن يحدد موقفه من هذا الصراع بعمل وجداني صرف يتمثل في الحب أو البغض لهذه الدعوة وأهلها أو للمعارضين لها، والحب والبغض هو من لوازم شهادة أن لا إله إلا الله. ويتولد من الحب والبغض أقوال وأفعال وممارسات موالية أو معادية لهذا أو ذاك. وذلك هو ما يعرف في الشريعة بالولاء والبراء، الولاء لأولياء الله من دعاة الخير، والبراء من أعداء الله الصادين عن سبيله.
والولاء في صورته الكاملة يتمثل في المحبة وإعلانها للناس والنصرة والتأييد في الأمر والنهي والجهاد والمجالسة والمؤانسة والاختلاط والاعتزاز.
والبراء يكون بالبعض لأعداء الله في داخل النفس وإعلانه ذلك في الناس والمظاهرة عليهم باليد واللسان والمال والمجاهدة ومقاطعتهم في المجالس ومقت ما هم عليه.
وبذلك ينقسم الناس إلى معسكرين متمايزين عرفا في شرع الله وفي آيات قرآنية بحزب الله وحزب الشيطان أو أولياء الله وأولياء الشيطان والحرب بينهما معلنة حتى يظهر الله الحق ويخذل الباطل. والآيات القرآنية والأحاديث النبوية كثيرة في تقرير صحة هذا المبدأ وأن الأخذ به وسيلة ناجحة لتحقيق الحق وإبطال الباطل.
وقد أخذت الدعوة الإصلاحية في نجد بهذا المبدأ في مجال التعليم المباشر في برنامجها العام وفي الرسائل التي يبعث بها إمام هذه الدعوة ويمارسونها عملا يوميا مع الخصوم بلا مداهنة ولا مواربة بل لتحقيق لا زم من لوازم التوحيد هو الولاء والبراء في صورتها العملية. وقد قرر إمام الدعوة في كتابه ثلاثة الأصول هذا المبدأ بقوله "اعلم رحمك الله أنه يجب على كل مسلم ومسلمة تعلم ثلاث مسائل والعمل بهن" ثم ذكر المسألة الثالثة بقوله: الثالثة أن من أطاع الرسول ووحد الله لا يجوز له موالاة من حاد الله ورسوله ولو كان أقرب قريب والدليل قوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ
[ ٢١١ ]
بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ الآية إلى قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ١
كما قرره في الرسالة التي بعث بها إليه الشيخ محمد بن فارس وذكر فيها نواقض الإسلام العشرة وذكر الناقض الثامن بقوله: "الثامن مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ٢ وأكدها في الرسالة التي بعث بها إلى كل من عبد الله بن علي ومحمد بن جماز إذ قال ﵀ فيها ما نصه: "وأهل القصيم غارهم أن ما عندهم قبب ولا سادات ولكن أخبرهم أن الحب والبغض والموالاة والمعادة لا يصير للرجل دين إلا بها"٣
وموالاة أعداء الله على درجات منها ما يوجب الكفر ويوقع في الردة عن الدين ومنها ما يكون أدنى من ذلك ويعتبر من كبائر الذنوب التي يتعرض صاحبها للوعيد الشديد والعقاب الأليم. وقد اهتمت هذه الدعوة الإصلاحية بتقرير هذا المبدأ وإقامة الدليل عليه من الكتاب والسنة ووضعه في موضعه الصحيح من الدين وعملت على إشاعة معرفة حكم هذا بين الناس الخاص منهم والعام، وأنه لا يكمل الإيمان والدين ولا يتحقق التوحيد على الصورة المطلوبة إلا بالأخذ به. كما مارسته في حياتها وأعلنته للناس وأخذت بمقتضاه وتركت أساليب المجاملات والمداهنات في الدين جانبا وحددت سمات كل من حزب الله وحزب الشيطان، وبينت حكم موالاة كل منهما وموقفه من الدين ليختار المرء طريقه في الحياة عن علم وعلى بينة من أمره. وكان هذا المبدأ أكبر معين على استنهاض همم المؤمنين بالدعوة وإعلان مواقفهم منها ومن خصومها، وتطبيق ذلك عملا في كل الميادين التي تتطلبها هذه الحركة
_________________
(١) ١ سورة المجادلة الآية ١٩. ٢ سورة المائدة الآية ٥١. ٣ القسم الخامس من مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب الرسائل الشخصية ص ٢١٣.
[ ٢١٢ ]
الإصلاحية في مدها المتسارع ونظرتها الشمولية حتى يحقق لها من النصر بقدر ما قدم لها أتباعها من الصدق والإخلاص والبدل.
١- تحرير العقل من الجهل والخرافة والبدع:
سبق أن تحدثنا عن الحالة السياسية والدينية في العالم الإسلامي قبل قيام الحركة الإصلاحية في نجد على يد الإمام محمد بن عبد الوهاب والإمام محمد بن سعود، وذكرنا أن العنصر الأعجمي قد بدأ في الظهور في المراكز القيادية في الخلافة الإسلامية منذ العهد العباسي بدءا من أبي مسلم الخراساني الذي كان له دور مهم في قيام الدولة العباسية ثم تتابع الأعاجم في المراكز القيادية في شكل وزراء وكتاب وحجاب وندماء وأصهار وأخوال للخلفاء وظل مدهم في ازدياد سواء كانوا من الفرس أو الترك أو غيرهم من العناصر الأعجمية. ثم خطوا خطوة أكبر فقد آل الأمر في الخلافة الإسلامية العباسية في عصورها المتأخرة إلى أن للحاكم العباسي اسم الخلافة ولغيره من الأعاجم تصريف أمورها ورسم سياستها وإدارة شئونها. وكان معظم الجند من الأتراك كما وصف ذلك الشاعر علي بن الجهم بقوله:
امامي من له سبعون ألفا من الأتراك مشرعة السهام
وكان ذلك في عهد المتوكل العباسي في الصدر الأول من الدولة العباسية ثم تجاوز الأمر وجود الأعاجم في المراكز القيادية وتكاثرهم في الوظائف العامة إلى أن آلت إليهم أمور البلاد الإسلامية في صورة دولة كالسلاجقة وغيرهم وأخيرا الخلافة العثمانية التي امتدت حياتها عدة قرون. فإن العنصر الأعجمي مع أننا لا نتهمهم في صدق إخلاصهم لهذا الدين ولا في إرادتهم للخير. إلا أن هذا الدين نزل بلسان عربي مبين يصعب على الأعاجم أخذه أخذا مباشرا من نصوصه كما يفهمه العرب الذين نزل بلسانهم إلى جانب تأثر الأعاجم بثقافات انحدرت إليهم مع أصولهم التاريخية والفكرية والعقيدية. وحتى العرب فإن لسانهم العربي قد خالطته العجمة وفشا اللحن فيهم وأصبحت اللغة العربية الفصيحة لغة الخاصة ومستودع العلم ولم تعد عامة العرب تفهم دلالات النصوص الشرعية كما كان يفهمها آباؤهم.
[ ٢١٣ ]
وإلى جانب ذلك بدأ الخط البياني في تاريخ الاجتهاد في المدارس الإسلامية عامة في الهبوط من الاجتهاد المطلق إلى الاجتهاد المقيد إلى أن قيل بقفل باب الاجتهاد في الفقه الإسلامي في قرن الرابع الهجري، ثم بدأت مرحلة التقليد في الفقه والتعصب للمذاهب وتقديمها على النصوص الشرعية بحجة القصور عن فهم مراد الله في نصوص شرعه. ومازال الخط البياني في تاريخ الفقه الإسلامي في النزول حتى جمد الفقهاء وتوقف الاجتهاد وعادت المدارس الفقهية تقوم على مدارسة مختصرات في فقه كل مذهب. وعظموا هذه المختصرات حتى غابت عن هذه المدارس أصول المذاهب التي يأخذون عنها واكتفوا بكلام المتأخرين في فقه كل مذهب واعترف العلماء بقصورهم ورضوا بهذا المستوى المتدني في فقه المذاهب، وفي ظل هذه الأوضاع ولأسباب متعددة وصل العالم الإسلامي إلى حالة من جمود الفكر وتكبيل العقل والرضى بالقليل من الفقه وظهرت الانحرافات في الدين في أصول العقيدة ومظاهر العبادة وفض الخصومات وغيرها.
وفي نهاية القرن الثامن عشر الميلادي بلغ التأخر والانحراف وتكبيل العقل وجمود الفكر وهبوط الهمم غايته وصارت ظاهر الانحراف في الدين مألوفة شب على مشاهدتها بل ممارستها في الغالب الصغير وهرم عليها الكبير حتى جعلها الألف والعادة من الدين بحيث إن من ينقدها ولو أقام الدليل على ما يقول من نصوص الشريعة يكون في نظر العامة خارجا على الدين ومبتدعا.
وفي هذه الفترة هيأ الله لهذه الأمة أحد أبنائها البررة الذين نذروا أنفسهم لخدمة هذا الدين تعلما وتعليما وأمرا ونهيا وممارسة وكان في مقدمة ما اهتم به تحرير العقل من أسر العادات والتقاليد وألف المنكرات وإخضاع كل الأوضاع القائمة في المجتمع المسلم في نجد وفي غيره للدليل الشرعي من الكتاب والسنة، وفهم أئمة الاجتهاد في الدين في القرون المفضلة التي كان فيها سلطان الدين هو الظاهر واللسان العربي الفصيح هو السائد، ومحاولة النهوض بالعقل وإطلاقه من عقال أسر التقليد وإلف العادات وتعظيم النصوص الشرعية واحترام العقل والدعوة إلى الجهاد في الدين لكل من توفرت له أدواته وألا يقبل التقليد إلا من العاجز عن الاجتهاد.
[ ٢١٤ ]
ولهذا فإن هذه الحركة بتعظيمها للنصوص الشرعية واحترامها للعقل ودعوته إلى الاستقلال في الأخذ والعطاء في إطار فهم الدليل الشرعي وأصول الاجتهاد الفقهي المعتبرة وبما يقتضيه اللسان العربي الذي نزل به الشرع ووزن أقوال الرجال وأفعالهم بميزان الدليل الشرعي ومراد الله منها مهما كانت مكانتهم في الدين ومنزلتهم في العلم وأن العصمة لا تكون إلا لصاحب الرسالة صاروا يقولون ويقررون أن القول إذا جاء عن رسول الله ﷺ فعلى العين والرأس، وإذا جاء عن صحابة رسول الله ﷺ باعتبارهم أفضل هذه الأمة بعد نبيها وأنهم عاصروا نزول الوحي وعرفوا أسبابه ومناسباته وهم أهل اللسان العربي الفصيح فعلى العين والرأس. أما إذا جاء القول أو الرأي عمن دونهم قالوا هم رجال ونحن رجال مع احترامهم لأئمة الهدى في كل العصور الإسلامية عامة وفي القرون الثلاثة المفضلة على وجه الخصوص.
١- القدوة الحسنة في العلماء:
لم تكن حركة الإصلاح والتجديد في نجد مجرد مدرسة علمية نظرية تقرر العلوم الإسلامية وتزيد الناس فهما لها وحصيلة علمية منها لا تأثير لها في واقع الحياة وممارسة الناس، ولكنها كانت حركة علمية وعملية في آن واحد تقرر مبادئ الإسلام كما أرادها الله في نصوص شرعه وتمارسها في الحياة العامة ممارسة عملية محسوسة في حياة شيوخها وتلاميذها وأتباعها. وتوظف معطيات هذا العلم في حياة الناس بدءا بالقدوة الحسنة والمثال الكريم في التقوى والصلاح والعبادة والورع والزهد فيما أيدي الناس والثقة بما عند الله وفي الأخذ والعطاء في البيت والطريق والتعليم والعمل والتعامل واختيار عيش الكفاف وفي تعدية النفع إلى الآخرين في أمور الدين والدنيا جميعا والصبر على الأذى في سبيل الله وأخذهم هذا الدين رسالة إلى الناس وجعل حياتهم في خدمته أينما حلوا.
ولا يكون من لمبالغة في شيء إذا قلت إن إمام هذه الدعوة وكبار تلامذته وشيوخ مدرسته قد أعادوا بسيرتهم العطرة سيرة السلف الصالح في صلتهم بالله بتحقيق التوحيد وفهم الإسلام والتبتل في الطاعة والمحافظة على العبادة فرضا ونافلة
[ ٢١٥ ]
وتهجدا وورعا وزهدا، وشجاعتهم في الحق وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وجهادهم في سبيل الله وحملهم لمهمة الدعوة وهداية الناس وتوسيع مد الإصلاح. وحياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وسيرته الذاتية صورة مشرقة لهذه المدرسة في طلبه للعلم ورحلاته في سبيله وفي ممارسته وفي جهاده وصبره وكرمه وحسن أخلاقه وتعريض نفسه للأخطار في سبيل هذه الدعوة.
ويقول صاحب حاضر العالم الإسلامي عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته: " وفي الواقع فإن المنهج الذي نهجه ابن عبد الوهاب ليشبه شبها كبيرا ذلك الذي نهجه الخلفاء الراشدون كأبي بكر وعمر" وقال: "واقتفى الوهابيون آثار خلافة الراشدين"١ ويبدوا لمن يقرأ كلام هذا المؤرخ الأمريكي ولا يعرف هذه المدرسة الإصلاحية وتاريخها ومقام شيوخها ومستوى تلاميذها وصدق أتباعها أن هذا الكلام فيه مبالغة غير مقبولة ولكن من عرف تاريخها وسيرة رجالها ومقام علمائها عرف مقام هذه الدعوة ونزعتها الإصلاحية ومقدار القدوة الحسنة التي تمثلت في شيوخها وتلامذتها. فسير إمامها وتلامذته سير مشرقة يمتزج فيها العلم بالعمل ويوظف فيها العلم لصالح الجميع وفق برنامج تربوي في حلقات يأخذ بعضها برقاب بعض، تبدأ بالعلم ثم العمل بمقتضى العلم ثم الدعوة إليه بكل وسيلة ممكنة وفق المقتضيات وينتهي بالصبر على الأذى في سبيل هذه الدعوة. ولقد ضربت هذه المدرسة في كل خطوة من هذه الخطوات بسهم وافر يعد مثلا يحتذى به في مختلف العصور وما تحقق لهذه الحركة من نجاح كان الفضل فيه لله ﷾ ثم للإيمان بالله والإخلاص لدينه والأخذ بالأسباب الموصلة إلى النجاح وفق منهاج النبوة وسيرة السلف الصالح.
ولقد أدركت في حياتي في النصف الثاني من القرن العشرين نماذج من علماء هذه المدرسة في جيلها العاشر يعدون أمثلة حية في سيرتهم الشخصية، إيمانا وتقوى وصلاحا وعبادة وزهدا وشجاعة وصدقا وصبرا على المكاره بما يذكر بما كان عليه العلماء في صدر الإسلام وعصوره الزاهرة.
_________________
(١) ١ حاضر العالم الإسلامي تأليف لوثروب ستيودارد الأمريكي ج ١ص ٢٦١.
[ ٢١٦ ]
وإذا كان كثير من علماء المسلمين اليوم يشغلون مجالسهم بأمور الدنيا وأخبار المال والعقار والمراتب الوظيفية والتنافس في هذه المجالات، وإذا كلف طالب العلم بالعمل في وظيفة دينية في مدينة أو منطقة ثم قضى فيها سنين طويلة وتركها بقي ارتباطه بها في حدود ما حصل عليه في فترة وجوده فيها من مال وأراض ومزارع وعقار وخصومات عليها، فقد عرفنا من أدركنا في حياتنا من تلاميذ مدرسة هذه الحركة الإصلاحية أنه إذا هبط أي بلد أو أقام فيها في وظيفة دينية أو عمل حر يشغل مجالسه بالقراءة في كتاب الله وتفسيره والحديث وعلومه والسيرة النبوية الشريفة والتاريخ الإسلامي وكتب التوحيد بحيث لا يتركون مجالا في حياتهم لغير ذلك أو للقيام بالواجبات المنوطة بهم أو لكسب كفاف العيش، ثم إن كل واحد منهم يجلس لطلاب العلم الشرعي طيلة النهار وطرفا من الليل ويحصر جهوده في التعليم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الاعراض التام عن مزاحمة الناس في أرزاقهم وشئون حياتهم وقد يمكث العالم في مدينة أو منطقة عشرات السنين فإذا تركها لأي سبب من الأسباب ترك فيها مدرسة علمية ذات نزعة إصلاحية سلفية يعز عليه مفارقتها.
ولم تترك له أخلاقه وسماحته وزهده مالا يلوي إليه أو يحتاج إلى تدبيره بعد رحيله. وكانوا في حياتهم وسيرهم الذاتية مثالا يحتذى ونموذجا فذا يذكر بما كان عليه السلف الصالح رضوان الله عليهم. فالشيخ عبد الله القرعاوي ﵀ وصل إلى جازان تاجرا بسيطا ذا علم متواضع ولكنه رجل دعوة أحيا الله به أمة وأزال به غمة. فاسألوا أهالي منطقة جازان وجبال عسير عنه وعن تاريخه وآثاره التي لم تكتب بعد. والشيخ فيصل بن مبارك كلف قاضيا في منطقة الجوف فأسس مدرسة علمية إصلاحية سلفية أوقف حياته عليها حتى أثمرت فخرجت القضاة والدعاة ونشرت العلم في تلك المنطقة. فاسألوا أهل منطقة الجوف عنه وعن برنامجه اليومي ونفعه للناس وعن حياته الشخصية وسيرته الذاتية وعن أحكامه في قضائه وعن سماحته وكرمه وزهده وتواضعه لطلاب العلم ومقاسمته لهم لما في بيته وإخراج ما يفضل عن قوته وقوت عياله في نهاية كل شهر وعن قوته في الحق وصبره على الناس ورحابة صدره على الجاهل. والشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي في عنيزة وعن سيرته وحياته وزهده وطلابه وأثاره وتأثيره في الناس ومواقفه الصادقة وإخلاصه الجم ووفرة علمه
[ ٢١٧ ]
هذا وإن أنس فلن أنسى جهود شيخنا الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ فقيه الديار السعودية في حياته وإخوانه عبد اللطيف بن إبراهيم وعبد الملك بن إبراهيم في نشر العلم الشرعي ورعاية طلابه وإيقاف حياتهم على هذه المهمة العظيمة علما وتعليما ودعوة وعملا بذلك العلم ومرجعا في معرفة شئون الدين والدنيا. وكانت حياة كل واحد منهم منظمة حتى تستطيع أن تعرف حال كل واحد منهم في كل ساعة من ساعات ليله ونهاره فوقتهم مبرمج بين العلم والتعليم والدعوة والقضاء وحل مشكلات الناس في المواريث والأموال وتوثيق المكاتبات والمبايعات وغيرهم.
وكان مسجد الشيخ محمد بن إبراهيم وأربطة طلاب العلم وحلقات الدروس فيه في مستويات مختلفة بين المبتدئين والمتوسطين والمنتهين أشبه بجامعة هم شيوخها تخرج القضاة والدعاة والعلماء من مختلف الأقاليم وذلك قبل التعليم النظامي.
ولما بدأ التعليم النظامي في المملكة بادروا إلى تأسيس أول مؤسسة تعليمية تعني بالعلوم الشرعية واللغة العربية في الرياض وكانت نواتها المعاهد العلمية وكليات الشرعية فيما بعد جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
وقد خرجت هذه المؤسسة الرعيل الأول من العلماء والأدباء ورجال الفكر. وكان لعناية الشيخ محمد ﵀ بهذه المؤسسة وتعاهدها بالرعاية وحسن اختيار الأساتذة والمناهج ورعاية الخريجين منها أكبر الأثر في نجاح هذه المؤسسة وإغنائها البلاد بحاجتها من الخريجين في هذه المجالات المهمة مما يدل على بعد النظر وحسن الرعاية. وقد عاصرت الدراسة في حلقات الشيخ محمد وأخيه عبد اللطيف في بدء حياتي العلمية ثم انتقلت إلى المعاهد ثم كلية الشريعة وخبرت كل هذه الجهود ﵏ رحمة واسعة وجعل مثواهم آمين إذ هم خير الأمثلة على جهود مدرسة الإصلاح والتجديد.
والشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز هو واحد من الأمثلة الشاخصة الحية لبقايا طلاب المدرسة الإصلاحية. وهو من يعرفه الجميع في جهاده وعلمه وصبره
[ ٢١٨ ]
وسماحته وورعه وسيرته الذاتية سيرة عطرة. وهو يبذل في سبيل الإصلاح كل ما يستطيعه لا يألو في ذلك جهدا ولا يبخل بمال أو جاه أو وقت حتى صار شخصية عالمية في مكانه ونفعه لكل مسلم.
ولو ذهبت لأعدد أسماء وأعمال من عرفنا من تلاميذ هذه المدرسة الإصلاحية لطال البحث وتشعب وخرج بنا عما نحن بصدده ولكنها أمثلة قليلة من مدرسة واسعة سعد الناس في ظلها بالعيش في رحاب الإسلام الواسعة ردحا من الزمن. نرجو الله أن لا يتوقف مدها ولا تنقطع نماذجها الفريدة في مستقبل حياتنا وحياة الأجيال القادمة إن شاء الله تعالى.
ولهذا فإن من الآثار المهمة التي حققتها هذه الدعوة المباركة المربط بين العلم النافع والعمل الصالح والقدوة الحسنة والمثال الكريم، وتجسيد هذا الدين بتعاليمه السمحة في شخصيات قائمة في كل جيل من أجيالها يمثل كل منها هذا الدين في سيرته الذاتية وتصرفاته الخاصة والعامة وحمل هذا الدين رسالة في عنقه ووظيفة في حياته وثقة بالنصر والتأييد لا يتطرق إليها الشك مهما اشتدت الظروف والأحوال والتحرك بهذا الدين قولا وعملا وممارسة واعتقادا وسلوكا. وبهذا ظل أثر هذه الدعوة مستمرا وعطاؤها متدفقا والحمد لله، لا في جزيرة العرب وحدها ولكن في العالم الإسلامي وبدرجات متفاوتة.
١- ظهور الشيخ محمد بن عبد الوهاب على غيره:
الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ من علماء نجد كغيره من العلماء في تحصيل العلم والمكانة الاجتماعية، ولكنه تميز عن العلماء بأنه رجل دعوة إصلاحية تجديدية شاء الله أن تكون هداية الأمة في شبه جزيرة العرب على يده، هيأ نفسه للقيام بهذا الواجب واستثمر مواهبه في هذه المهمة وتحمل في سبيلها ما استطاع تحمله حتى عرض نفسه وحياته للموت. وقام كثير من العلماء والعامة في وجه دعوته وألبوا الناس عليه ورموه بكل داهية ووصفوه بكل نقيصة وأشاعوا عنه مقولات ونسبوا إليه
[ ٢١٩ ]
تصرفات لا تصدر من عاقل فضلا عن صاحب دعوة إصلاح استعدوا عليه كل قوة ولكنه يناضل ويجاهد في صبر وإصرار وصدق في وجه المعارضة مهما كانت قوتها وصلابتها وكثرت أتباعها وسخر لسانه ويده وقلمه وماله في خدمة دينه ونجاح دعوته، فلما علم الله صدقه واحتسابه أظهره على خصومه فصار صاحب القول الفصل في المنطقة والرأي المطاع والسياسة النافذة ومحل التقدير والاحترام من الناس كافة بما فيهم المعارضة وذراريهم فنال بذلك عز الدين وصارت كتبه ومؤلفاته مرجعا للخاص والعام يدعى له عند البدء في قراءتها وتصحح بها العقيدة ويعرف بها الحلال من الحرام ويتربى عليها طلاب العلم وتقام عليها مدرسة إصلاحية راسخة الأصول والفروع.
وقد هدى الله به أمة كاملة في أجيال متعاقبة مع أن النبي ﷺ قال لعلي بن أبي طالب: "فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا هو خير لك من حمر النعم" وحمر النعم هي من نفائس الأموال عند العرب. فإذا كان هذا الأجر كله لمن هدى الله على يده رجلا واحدا فكيف يكون أجر من هدى الله على يده خلقا كثيرا بل أمة كاملة في أجيال متعاقبة وذلك فيه أفضل البشارة لهذا الإمام عند الله في الآخرة وقد أبقى الله له ذكرا حسنا وجعل الدعوة والإصلاح باقية في عقبه والحمد لله.
هذا وكان في نجد علماء عاصروا الشيخ محمد بن عبد الوهاب أيام دعوته كانوا على جانب كبير من العلم ولهم مكانة اجتماعية ودينية شبيهة بما للشيخ محمد أسرته قبل قيام دعوته. ولكنهم وقفوا من الدعوة الإصلاحية موقف المعارض لأسباب متعددة سبقت الإشارة إلى شيء منها ولم يكتب لهم التوفيق في عملهم ولم يستطيعوا أن يحيوا حياة طيبة في الدنيا بل عاشوا في ضيق وتشرد ولم يبق لهم ذكر حسن وطويت صفحة تاريخهم طيا عجيبا ونسوا حتى لا يعرف عنهم إلا القليل القليل مما كان لهم في حياتهم من جهود وأعمال. وهذه تعد إحدى العبر التي ينبغي للبيب أن يتأملها ولا يتجاوزها حتى يأخذ نفسه بالحق ويأطرها عليه ويدعوا الله بالتوفيق والسداد وأن لا يكله إلى نفسه طرفة عين فيتيه أو يضل وهو درس ينبغي أن يعيه أحفاد الإمام محمد بن عبد الوهاب وغيرهم ليأخذوا لأنفسهم العبرة وليغذوا السير في درب الهدى
[ ٢٢٠ ]
وإحياء الدعوة إلى الله ليستمر الخير فيهم ولا ينقطع.
كما ينبغي أن يعيه كل مسلم يريد لنفسه النجاة في الدنيا والآخرة ويجد من نفسه القدرة على الإسهام في الإصلاح والتوجيه بيده أو لسانه أو قلبه أو ماله فإن الطاعة تورث الشرف والمعصية تورث الذل والإنسان يضع نفسه حيث يشاء والله هو الهادي والموفق.
[ ٢٢١ ]
ثالثا- النتائج الاجتماعية والاقتصادية:
١- القضاء على المنازعات:
عند قيام حركة الإصلاح في نجد كانت المنازعات على أشد ما تكون بين الحاضرة والبادية وبين القبائل العربية فيما بينهما وبين كل مدينة أو قرية في الحاضرة مع جارتها بل بين الحمايل داخل كل بلد وأحيانا بين أفراد الأسرة الواحدة. وكانت المنازعات تقوم على أمور مادية صرفة كالمال والأملاك والمسائل والماء والكلأ وبعض الوظائف الاجتماعية والدينية والسياسية. وكانت نجد حمام دم يلمس ذلك من يقرأ تاريخ هذه المنطقة في كتابات مؤرخي تلك الفترة من أهلها. وكانت هذه المنازعات نتيجة ضعف الوازع الديني وكثرة الجهل وقيام العصبيات الجاهلية للقبلية والبلد والإقليم والمذهب والأخذ بالثأر وغيرهما.
ولما جاءت هذه الدعوة الإصلاحية التي قامت على الدين أيقظت في الفرد وازع الدين وإحياء الضمير بما نشرته من علم شرعي وفهم سليم لمبادئ الإسلام وبما أوجدته من هدف مشترك للناس في تجديد الدين ودعوة الناس إليه ومحبة أهله ومعاداة أهل الفسق والكفر والفجور، وإحياء مبدأ الولاء والبراء في الدين وتغيير نظرة الناس إلى الحياة والروابط الاجتماعية فيها وإقامتها على أسس إسلامية مبتغى بها وجه الله والدار الآخرة فأوجدت بهذه الأمور كلها ثورة في المجتمع على نفسه في عاداته وروابطه وأهدافه ووجهت كل جهوده إلى ما يعود عليه بالنفع والفائدة في الدين والدنيا معا.
[ ٢٢١ ]
وكان من نتيجة ذلك كله القضاء على منازعات وتخفيف العصبيات الجاهلية ومعرفة الحقوق والواجبات والحلال والحرام ذلك بنشر العلم الشرعي وإقامة سلطة سياسية تقوم على حراسة الدين وإلزام العامة بالحق وإقامة الحدود وفك الحقوق بالطرق الشرعية العادلة والأخذ على يد كل من تسول له نفسه الخروج على ذلك في إطار مقتضى الدين. وبذلك خفت المنازعات وأخذ فك الحقوق طريقا إسلاميا عادلا بدلا من الأخذ بالقوة والعصبيات الجاهلية. وبذلك استقرت النفوس وارتاحت لعدل الإسلام وانقادت لسلطان الدين في داخل النفس وخارجها بما تكون من مجتمع متكافل في النواحي المادية والأدبية آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، وبالسلطة السياسية التي من مهامها فك الحقوق وإقامة الحدود ودرء المظالم.
وقد أثمرت هذه الجهود المتبادلة القضاء على المنازعات والخلافات والأخذ بالثارات. وعاش الناس في هذه المنطقة أمنا ورخاء وراحة قل أن يوجد لها مثيل إلا في عصور الإسلام الزاهرة وصدره الأول وقد وصف ابن بشر حال الناس في ظل هذه الدعوة المباركة وما تحقق فيها من عدل وأمان فقال: "فسموها – الفترة – الأعراب بسنين الكمام لأنهم كم عليهم من جميع المظالم الصغار والجسام: فلا يلقى بعضهم بعضا في المفازات المخوفات إلا بالسلام عليكم وعليكم السلام والرجل يأكل ويجلس مع قاتل أبيه وأخيه كالإخوان وزالت سنن الجاهلية وزال البغي والعدوان وسيبت الإبل والخيل الجياد والبقر وجميع المواشي في الفلوات فكانت تلقح وتلد وهي في مواضعها آمنات مطمئنات وليس عندها من يرعاها ويحميها"١
فهذا النص التاريخي وأمثاله كثير في تاريخ هذه الدعوة وما وصلت إليه من تحقيق انقلاب في حياة الفرد والجماعة في هذه المنطقة بفضل الله ثم بفضل هذه الدعوة التي جاءت لرد الناس إلى الله وإعادتهم إليهم في مختلف شئون الحياة وإقامة الروابط الاجتماعية والعلاقات الإنسانية الرحيمة وحراسة الدين وإقامة الحدود وتحقيق العدل بواسطة ما أقامته من سلطة سياسية قادرة على القيام بهذا الواجب بقوتها المادية
_________________
(١) ١ عنوان المجد في تاريخ نجد للشيخ عثمان بن بشر ج ١ص ٣، ٤.
[ ٢٢٢ ]
وتأييدها في عملها من جماهير المسلمة التي أقبلت على هذا الدين إقبال الظمآن على الماء العذب الزلال.
وبذلك تم القضاء على المنازعات الحادة التي كانت سائدة قبيل قيام هذه الدعوة في هذه المنطقة من العالم الإسلامي التي فقدت السلطة السياسية العادلة منذ نصف القرن الخامس الهجري وفشا فيها الجهل وانحسر وازع الدين في كثير من الناس فيها لا سيما البوادي فكانت هذه الدعوى هي الشفاء من الله لأدواء هذه الأمة في هذه المناطق الداخلة في شبه الجزيرة العربية والحمد لله أولا وآخرا على فضله.
١- خروج منطقة نجد من عزلتها:
إن فقد القيادة السياسية الراشدة في هذه المنطقة من منتصف القرن الخامس الهجري وبعدها عن مراكز الخلافة الإسلامية وحواضر العالم الإسلامي ومراكز العلم فيه واضطراب حبل الأمن فيها وقطع السبل منها وإليها وسوء الحالة الاقتصادية في هذه الفترة من تاريخها وقلة مواردها المالية وما فرضته هذه الأمور مجتمعة على هذه المنطقة من تجتمع القبائل العربية على شيوخها لتأمين سلامتها والاغارة على خصومها واعتمادها السلب والنهب وسيلة للعيش في هذه المنطقة كل ذلك جعل أهل هذه المنطقة في عزلة شديدة عن العالم الإسلامي عامة حرمها من المد الثقافي والوعي السياسي والتفاعل مع العالم الإسلامي في قضاياه المختلفة وجعلها مشغولة بما هي فيه من شدة وضيق واضطراب أحوال كثير في ظلها الجهل وقل العلم وضعف فيها الوازع الديني، لاسيما في صفوف البوادي وأفراد القبائل وانعدم الوعي وقامت في هذا المجتمع مواضعات وأعراف حلت محل السلطة السياسية والقضائية والدينية.
وكان من ثمار هذه الدعوة المباركة إعادة ما فقدته من علم الشريعة ووازع الدين والروابط الاجتماعية القائمة على مبادئ الدين والسلطة السياسية التي تحرس الدين وتحقق العدل وتربط هذه المنطقة المهمة من العالم الإسلامي، والخروج بهذا المجتمع من عزلته إلى الانفتاح ومن الجهل إلى العلم ومن الفوضى إلى النظام ومن
[ ٢٢٣ ]
الفرقة والشتات إلى التوحيد والتكاتف وحمل هموم الأمة المسلمة في مختلف ديارها والمساهمة في دفع الأخطار عنها وإيقاظ روح العلم والجهاد في سبيل الله في نفوس الناس كافة سواء من كان منهم تحت ظل هذه الدعوة أو خارجها. واندفعت بقوة يمنه ويسره للالتحام بالعالم الإسلام في مشرقه ومغربه. وباستيلائها على سواحل شبه الجزيرة العربية الشرقية والغربية وقيامها على الحرمين وقيادة الحجيج في كل عام استطاعت أن تسمع الناس كافة صوت الحق وداعي النهضة الإسلامية المنبعث من تلك المنطقة التي ضربت عليها العزلة قرونا متطاولة وحملت مسئوليتها مع غيرها من أقطار العالم الإسلامي في إحياء الروح الإسلامية ودفع الأخطار الحدقة في العالم الإسلامي وحمل هم المسلمين وقضاياهم المهمة فكانت هذه ثمرة واحدة من ثمار هذه الدعوة المباركة.
١- إحياء روح الأخوة الإسلامية:
كان الناس في وسط شبه الجزيرة العرب قبل هذه الحركة الإصلاحية على حالة سيئة من التقاطع والتدابر والتنابز بالألقاب وكانت روابطهم تقوم على النسب والمصالح والأهواء وتلبية الغرائز وسد الحاجات وتحقيق الوجاهة وروابط الأرض والطين والتراب.
ولما جاءت هذه الدعوة الإصلاحية التي عادت بهذا المجتمع المسلم إلى أصوله الإسلامية ودينه القويم فانقاد لها من آمن بها ورفضها من جهل حقيقتها إذ كان في دخوله فيها إزالة لبعض مصالحه أو وجاهته أو متعه. وانقسم المجتمع إلى أنصار لهذه الدعوة وخصوم لها. وكانت المدرسة العلمية التي يقوم عليها الإمام المصلح الشيخ محمد بن عبد الوهاب تركز على مبدأ الأخوة في الدين والتعاون على البر والتقوى والتجمع لنصرة الحق وحث الناس على الموالاة في الله والمعاداة فيه، ومحاولة إشاعة روح الأخوة الإسلامية بكل مقتضياتها الواسعة بين أفراد أنصار هذه الدعوة.
فجعل كلمة الإخوان هو الاسم المميز لطلاب مدرسته وأتباع دعوته كبيرهم
[ ٢٢٤ ]
وصغيرهم وهي على طلاب العلم وأهل الرأي والفكر أظهر. وإذا خاطب خصومه أو من يرجو إجابتهم لدعوته ذكرهم بأسمائهم أو وظائفهم وكذا في رسائله، وإذا خاطب أتباعه وتلامذته دعاهم بالإخوان، فهذه طريقته في كتاباته ورسائله. فهو لما كتب للعلماء ومطاوعة نجد والشام والعراق واليمن والحرمين الشريفين لم يعبر لهم بكلمة الإخوان. ولكنه لما كتب إلى أحمد بن محمد بن سويلم وثنيان بن سعود قال: "من محمد بن عبد الوهاب إلى الأخوين أحمد بن محمد وثنيان "١ ثم قال: "فقد ذكر لي أن بعض الأخوان تكلم في عبد المحسن الشريف"٢
وقال في الرسالة التي بعث بها إلى إخوانه وأنصاره في سدير: "من محمد بن عبد الوهاب إلى من يصل إليه هذا الكتاب من الإخوان"٣ ثم قال في رسالته وننصح إخواننا"٤
وهو إذا كتب لأتباعه عامة عبر بهذه الكلمة "الإخوان" فقد صدر إحدى رسائله العامة يقول: "من محمد بن عبد الوهاب إلى من يصل إليه من الإخوان، المؤمنين بآيات الله المصدقين لرسول الله التابعين للسواد الأعظم من أصحاب رسول الله والتابعين لهم بإحسان وأهل العلم والإيمان المتمسكين بالدين القيم عند فساد الزمان الصابرين على الغربة والامتحان سلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد:"٥
أما رسالته التي بعث بها إلى إخوانه عبد الله بن علي ومحمد بن جماز من علماء القصيم فقد صدرها باللقب نفسه: "الإخوان" وزاد عليها عبارات في تأكيد معنى المؤاخاة والمعاداة ومكانتها في الدين.
وهذا النص في هذه الرسالة من إمام هذه الدعوة يدل على مقام الموالاة
_________________
(١) ١ الرسائل الشخصية ص ٢٨٤. ٢ الرسائل الشخصية ص ٢٨٤. ٣ الرسائل الشخصية ص ٢٩٦. ٤ الرسائل الشخصية ص ٢٩٦. ٥ المرجع السابق، ص ٢٧٠.
[ ٢٢٥ ]
والمعاداة من الدين في نظره وأهميتها في قيام حركته الإصلاحية والموالاة تقتضي المحبة والتأييد والمناصرة بالقول والفعل والجهاد وإظهار ذلك والعمل على وفقه وقد قرر هذا المعنى في مواضع كثيرة من مؤلفاته ورسائله وكتبه ومنهاجه التربوي.
وكان من ثمار هذه الدعوة الإصلاحية إحياء روح الأخوة الإسلامية بما تقتضيه من محبة ونصح وإرادة الخير والتأييد والمناصرة في القول والفعل وإظهار ذلك دينا يتقرب به إلى الله، وفي المقابل معاداة ومقاطعة أعداء الله وبعضهم وإعلان العداوة لهم والمظاهرة عليهم طاعة لله. وبذلك تحقق إيجاد مجتمع متآخ متحاب متعاون رابطته على الحب في الله والبغض فيه في صورة حية فاعلة وبالتالي إقامة مجتمع إسلامي نظيف في ظله الفضيلة وتختفي الرذيلة وتسود فيه المحبة.
١- تنشيط الحركة العلمية:
إن العزلة التي عاشتها منطقة نجد ووسط شبه جزيرة العرب قبيل الدعوة الإصلاحية عن العالم الإسلامي كان من إفرازاتها الواضحة تقلص المدارس العلمية في هذه المنطقة شيئا فشيئا وعزوف الطلاب عنها ونقص العلم من أطرافه بموت العلماء وانكماش طلابه وكساد سوقه وعدم تقدير الناس لأهله كما يجب لهم، إلى جانب انعدام المجتهدين اجتهادا مطلقا أو مقيدا وندرة المجتهدين في المذهب بل حتى في المسائل حتى صار يعد في المنطقة الكاملة من مناطق نجد العالم والعالمان فقط.
ولما قامت هذه الحركة الإصلاحية كان منطلقها من حلقة العلم في رحاب المساجد. وقد كثر طلاب هذه المدرسة الإصلاحية التي لم تقتصر مهمتها على حفظ ما في الكتب أو فهمه فحسب بل تجاوزته إلى تطبيق العلم في واقع الحياة وإقامته عملا ماثلا في تصرفات المؤمنين بهذه الدعوة.
وقد حفزت هذه الحركة الإصلاحية بما صار لها من أنصار وخصوم وما دار بين الفريقين من مناظرات علمية فيما كان محل خلاف بينهما وبانقسام المجتمع في بداية
[ ٢٢٦ ]
الدعوة إلى فريقين متمايزين كل منهما يدعوا إلى تأييد موقفه والاستنصار بأتباعه والموافقين له حتى صار في المعركة العلمية أطراف من داخل جزيرة العرب وخارجها حفزت الناس على طلب العلم وفتحت الحركة الإصلاحية في نجد صدرها لطلاب العلم من كل الأقاليم وشجعتهم وآوتهم وخصصت لهم ما يعينهم على طلت العلم ووسعت نطاق هذه المدرسة وعددت حلقاتها وصار لأتباعها رسالة لا يألون جهدا في نشرها بواسطة التعليم والتعلم والمناظرة والرسائل ومجالس العلم وتعليم العامة ما يلزم كل فرد في أداء فرائض دينه.
وأول مبادئ دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب العلم بما يتضمنه من تعلم وتعليم قال في أول كتاب "ثلاثة الأصول" "اعلم رحمك الله أنه يجب علينا تعلم أربع مسائل الأولى العلم وهو معرفة الله ومعرفة نبيه ومعرفة دين الإسلام بالأدلة"١
وقد أكد على البدء في الدعوة بالعلم قبل القول والعمل فأورد إحدى ترجمات الإمام محمد بن إسماعيل ﵀ صاحب الصحيح بقول: "قال البخاري رحمه الله تعالى "باب العلم قبل القول والعمل" والدليل قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ قال فبدأ بالعلم قبل القول والعمل" وذلك لأن تعليم العلم فرض مقدم على القول والعمل وذلك أن صحة العمل تتوقف على العلم الصحيح.
والواقع العملي لهذه الدعوة الإصلاحية أن طالب العلم هو محل عنايتها ورعايتها تقدم له المساعدات وتوضع له المخصصات وتسند إليه المهام الدينية والوظائف المهمة وقد ذكر ابن بشر ﵀ في ترجمته للإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود العناية بالعلماء والقضاة وغيرهم فقال: وكان رحمه الله تعالى مع ذلك كثير العطاء والصدقات للرعية من الوفود والأمراء والقضاة وأهل العلم وطلبته ومعلمة القرآن والمؤذنين وأئمة المساجد حتى أئمة مساجد نخيل البلدان ومؤذنيهم ويرسل قهوة لأهل القيام في رمضان وكان الصبيان من أهل الدرعية إذا خرجوا من عند المعلم
_________________
(١) ١ حاشية ثلاثة الأصول للشيخ عبد الرحمن بن قاسم ص ٩-١٥.
[ ٢٢٧ ]
يصعدون إليه بألواحهم ويعرضون عليه خطوطهم فمن تحاسن خطه منهم أعطاه عطاء جزيلا وأعطى الباقين دونه"١ بل تجاوز الأمر مجرد العطاء المقطوع إلى تخصيص رواتب ومخصصات لطلاب العلم، يقول الشيخ عثمان بن بشر ﵀ في ترجمته له:"وكان كثيرا ما يكتب لأهل النواحي بالحض على تعلم القراء ة وتعلم العلم وتعليمه ويجعل لهم راتبا في الديوان. ومن كان منهم ضعيفا يأمره بأن يأتي إلى الدرعية ويقوم بجميع نوائبه"٢
وبهذه العناية أقبل الناس على طلب العلم تعلما وتعليما وممارسة في وظائف الدولة في القضاء والإفتاء والخطابة والإمامة بالمعروف والنهي عن المنكر وجباية الزكاة وقيادة الجيوش إلى غير ذلك فأغنوا هذه الحركة الإصلاحية بالكفاءات العلمية القادرة على حمل تبعات هذه الدعوة وضمان استمرارها فاعلة.
كما تركت لنا هذه المدرسة ثروة مهمة من الكتب في مختلف العلوم الشرعية والعربية مثلت رافدا حيويا في حياة هذه الأمة يعطى صورة واضحة عن هذه المدرسة الإصلاحية وثمارها يعد ثمرة عظيمة من ثمار هذه الحركة الإصلاحية.
١- إحياء روح التكافل الاجتماعي:
إذا كان مبدأ التكافل الاجتماعي بشقيه المادي والأدبي قبيل الدعوة الإصلاحية في نجد قد ضعفت إلى درجة شديدة وانحصر في نطاق محدود في ظل الانقسامات والفرقة التي تكرست في تلك المنطقة لانعدام السلطة القادرة على تحقيق الوئام ورعاية المصالح فإن من الثمار العظيمة التي أفرزتها حركة الإصلاح هذه أنها قامت على وجوب معرفة الحق واتباعه ومعرفة الشر تركه والانصراف وتكوين وسط اجتماعي متراحم في أمور الدين والدنيا معا.
_________________
(١) ١ عنوان المجد في تاريخ نجد للشيخ عثمان بن بشر ج ١ص ١٢٩. ٢ المرجع السابق ج ١ص ١٣٠.
[ ٢٢٨ ]
وهذه في مجال تحقيق التكافل الاجتماعي والأدبي عملت على نشر العلم الشرعي تعلما وتعليما وإقامته في حياة أتباعها عملا معاشا فما عرف من الشرع حسنه وقصد الشارع إليه عملوا على الأخذ به وتثبيته في واقع الحياة وأمروا به الناس وألزموا العامة به قدر المستطاع. وما عرف من الشرع قبحه والقصد إلى تركه تركوه جملة ونهوا عنه وألزموا الناس بالكف عنه. ولذا كان من أهم ما قامت عليه هذه الحركة مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو باب واسع يتحول بالممارسة والاعتياد إلى عرف عام ورباط اجتماعي أدبي تنموا في ظله الفضيلة وتختفي منه الرذيلة ويتكون به مجتمع حي نظيف ينمي الخير ويرفض الشر منازلهم في الحياة بمقدار منزلتهم من الدين علما وعملا واهتمام هذه الحركة الإصلاحية بهذا الأمر أشهر من أن يذكر إذ يكررونه في كل مناسبة من كتبهم ورسائلهم وموقفهم العامة والخاصة وفي مجموعة رسائل الإمام محمد بن عبد الوهاب أكثر من خمس عشرة رسالة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع أن رسائله كلها لا تخلو من التنويه بهذا المبدأ ودعوة الناس للأخذ به وإعلانه في مجتمعاتهم.
أما في مجال التكافل المادي فإن هذه الدعوة قد اهتم قادتها برعاية المساكين والمحتاجين والفقراء وتقديم المساعدات المتكررة لهذه الفئات الاهتمام بجباية الزكاة في الثمار وبهيمة الأنعام وعروض التجارة وصرفها في مصارفها الثمانية التي حددتها آية التوبة إلى جانب الصدقات العامة وتوفير فرص العمل وتأمين الطرق لتحقيق انتشار الناس في الأرض وسعيهم في طلب الرزق الحلال والضرب في سبيل الله وإلزام القادرين على النفقة على الفقراء من أقاربهم حسبما قرره الفقه الإسلامي وأخذ الحق لهم من الأقوياء بصورة كاملة ودائمة ومنع ظلمهم بقوة السلطان وإحياء وازع الضمير في تحقيق التراحم بين أفراد المجتمع وبيان فضل الإحسان إلى الأيتام والفقراء والمساكين والضعفاء وأبناء السبيل وأصحاب الحمالات وإشعار الأغنياء أن في أموالهم حقا غير الزكاة وأن الزكاة الواجبة هي الحد الأدنى لا يجوز قبول أدنى منه وأن السخاء والكرم والجود ابتغاء مرضاة الله يقتضي بألا يبيت مسلم وجاره جائع.
[ ٢٢٩ ]
وبهذه الأمور مجتمعة وغيرها في ظل هذه الدعوة الإصلاحية تكافل اجتماعي مادي وأدبي بعد ثمرة طيبة من ثمار هذه الحركة الإصلاحية امتدت آثارها أزمانا طويلة تحققت في ظلها أخوة الدين وتراحم المجتمع ورفع كثير من معاناة فئات كثيرة من المجتمع وأقامت مجتمعا يقظا البنية يرفض وأخذ بأسباب العافية في الدنيا والآخرة.
١- كان أسباب تدهور الحياة الاقتصادية في منطقة نجد وما حولها قبل الدعوة الإصلاحية فيها انعدام الأمن وانقطاع السبل وغارات الناس بعضهم على بعض وتعرض الثمار للنهب وقطع أصول الأشجار المثمرة كالنخل وغيره وندرة العملة في أيدي الناس بحيث أصبح كل مزارع أو صاحب حرفة يعتمد على مجهوده الشخصي وأولاده فقط إذ لا يستطيع أن يؤجر من يعينه في مزرعته أو حرفته حتى يوسع إنتاجه بل قل من يشتري الإنتاج كذلك زراعيا كان أو صناعيا.
ولما قامت هذه الحركة الإصلاحية وضعت نصب عينها إقامة قيادة سياسية مؤمنة قادرة على توطيد الأمن وتأمين السبل وحفظ الأموال في أيد أربابها من غارات الأعراب وهجمات اللصوص وقطاع الطرق، وإقامة مبادئ الدين في مختلف جوانب الحياة الدينية والاجتماعية. وبدأت هذه الدعوة تسعى في تحقيق أهدافها مبتدئة بالأدنى فالأدنى حتى توسعت آثارها فشملت معظم شبه جزيرة العرب من سواحلها الشرقية إلى سواحلها الغربية. وتحقق في ظل تلك الحركة من الأمن وحفظ الحقوق وإيقاظ الوازع الديني المعطاء ما جعل المنطقة في أفضل وضع يمكن من نمو الحياة الاقتصادية في جوانبها المختلفة.
ففي مجال الزراعة أمن الناس على محاصيلهم ووسعوا من ناحية مزارعهم واستعانوا بجهود غيرهم في تنشيط زراعتهم وتحقيق عائدات أكبر ووجدت لتصريف ما يزيد على حاجتهم بأقيام مناسبة.
[ ٢٣٠ ]
وفي مجال الحرف والصناعات المحلية: نشط الصناع في إنتاج ما يحتاجه الناس في حياتهم اليومية في مجال الزراعة والنسيج وصنع الأواني إذ صارت تدر عليهم أرباحا مناسبة لشدة الحاجة إليها وعدم وجود البدائل المستوردة وتوسعت حاجة المجتمع في كل هذه الحاجات فكانوا يأخذون بهذه الصناعات في كثير من الأحيان عروضا للمزارع من منتجاته والتاجر من بضائعه وصاحب النقد بالنقد. وما لم يستطع بيعه في مقر إقامته صار يبعث به إلى الأسواق المحتاجة ولا يخشى أحدا في طريقه أو محل ترحاله. والتجارة التي توقفت أو كادت إلا في شكل حملات كبيرة جدا في فترات متباعدة وبرفقة أعداد كبيرة من الرجال المسلحين، لما توافر لها الأمن والأمان في السبل والمورد والمصدر وتوافرت الأسواق المفتوحة والتجارات الرابحة بدأت تدب فيها الحياة شيئا فشيئا حتى انفتحت لها آفاق الازدهار بما تحقق من تأمين السبل للأسواق وتوفر أسباب الامتداد الحر للضرب في الأرض وبذلك حيت أسواق التجارة وازدهرت في كبريات مدن البلاد التي أظلتها هذه الحركة الإصلاحية. ولما سدت أبوب الرزق الحرام في هذه البلاد بمنع قطع الطريق والغارات والسطو والنهب والسلب. وفتحت أبواب الزرق الحلال المتمثلة في الزراعة والصناعة والحرث وأنواع التجارة والوظائف العامة والمقررات السنوية أو الشهرية لبعض العاملين في مصالح الناس. كل ذلك تآزر في نمو الحياة الاقتصادية وازدهارها وإيجاد القناعة والغناء بهذه الأبواب الحلال عن الكسب الحرام. فكان ذلك ثمرة من ثمار هذه الحركة الإصلاحية تحقق في ظلها نمو القوى البشرية، وتحقق قدر من السعة للفرد لم يكن متوفرا له من قبل، وصار الناس يبحثون عن مزيد من الرخاء والرفاه للإنسان في ظل دولة إسلامية منيعة الجانب حارسة للدين محققة للعدل.
وقد وصف الشيخ ابن بشر الدرعية قبل أن يدخلها الشيخ إبراهيم باشا ويهدمها فقال: "كانت قوة هذا البلد وعظم مبانيها وقوة أهلها وكثرة رجالها وأموالها لا يقدر الواصف صفتها ولا يحيط العارف بمعرفتها فلو ذهبت أعد رجالها وإقبالهم فيها وإدبارهم في كتائب الخيل والنجائب العمانيات وما يدخل على أهلها من أحمال الأموال من سائر الأجناس التي لهم مع المسافرين من أهلها ومن أهل الأقطار لم يسعه
[ ٢٣١ ]
إلا أنه مع كل ما بذلت من جهد وكل ما أملت من نجاح في هذه الدراسة سيوجد فيها القصور والنقص الذي هو من صفات البشر وهي محاولة متواضعة مني في طريق صعب أرجو من القارئ الكريم أن يغفر الزلة وأن ينبه عن مواطن القصور وأن يقدم لي المشورة لتلافي أي نقص أو قصور أو خطأ في الطبعة القادمة إن شاء الله.
والله أسأل أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن ينفع الله به كاتبه وقارئه والمساهم في نشره وتوزيعه، والله هو الموفق والهادي إلى سواء السبيل وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[ ٢٣٣ ]