وتتمثل في الدرجة الأولى في الباب العالي للخلافة العثمانية في تركيا وفي ولايتها في مختلف الأقاليم الإسلامية وفي بعض علماء المسلمين خارج منطقة نجد، ومن المعلوم تاريخيا أن الخلافة العثمانية اكتفت ببسط نفوذها على الحرمين وعلى سواحل البحر الأحمر والخليج العربي والاحساء والعراق والشام ومصر وسواحل البحر العربي.
أما وسط شبه جزيرة العرب فإنه فقد السلطة السياسية بعد القرن الخامس
[ ١٢٧ ]
الهجري ولم تعره الخلافة العثمانية أي اهتما يذكر لاعتبارات كثيرة منها قلة موارده المالية، وصعوبة مسالكه، وكلفة السيطرة على سكانه مع التكتلات القبلية القائمة في هذه المنطقة، واضطراب حبل الأمن فيها ونفور سكانها من العناصر الأجنبية عليها إلى جانب اتساع رقعتها وصعوبة ضبطها ولهذا تركت هذه المنطقة مهملة طيلة العهد العثماني لم تمتد إليها يد الإصلاح ولم تصلها رحمة حانية من الولاء بل تركت وشأنها ليكن النفوذ فيها للأقوى من أهلها ولهذا استقل كل أمير ببلده وكل رئيس عشيرة بقبيلته.
ولما بدأت حركة الإصلاح والتجديد في نجد لم تعرها الخلافة العثمانية في بدء قيامها أي اهتمام بل تركتها تتصارع مع قوى المعارضة الداخلية دون تدخل يذكر من الخلافة العثمانية وكل ما كان من تدخل من خارج المنطقة إنما كان يتمثل في بعض الرسائل والكتب التي أصدرها وكتبها العلماء في البصرة والشام والحرمين الشريفين واليمن وغيرها ضد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته. وقد أعطى تأخير تدخل المعارضة الخارجية فرصة جيدة لحركة الإصلاح في نجد للامتداد والتوسع وجمع الأنصار وزيادة الأتباع.
ولما وصل مد الدعوة إلى الحرمين الشريفين وسواحل الأحمر والخليج العربي وأطراف الشام والعراق وأعلنت مبادئ الدعوة في مواسم الحج وفي المناسبات الإسلامية وحصل الاحتكاك المباشر مع ولاة الخلافة العثمانية في الخليج والبصرة والحرمين الشريفين والمحمل المصري والشامي وغيرها، وبدأت الخلافة العثمانية تنظر لهذه الحركة نظرة جادة وخطيرة، وبدأت تخطط لمحاصرة هذه الدعوة وتقليص نفوذها وتأييد المعارضين لها في الداخل والخارج، ورسم سياسة إعلامية واستراتيجية وعسكرية لمواجهة هذه الدعوة والإجهاز عليها. واعتبرت هذه الحركة حركة سياسية ودينية انفصالية خطيرة تهدد وجودها في شبه جزيرة العرب وتنذر بقيام حركات انفصالية في أقطار أخرى من العالم، وأن على الخلافة العثمانية أن تحافظ على قوتها وهيبتها أمام جميع القوى المعاصرة لهذه الدعوة ولن يكون إلا بتأديب الخوارج
[ ١٢٨ ]
على سلطانها والرد على هذه الدعوة الوليدة بكل قوة ليتأدب يناله منه كل من تسول نفسه له الخروج وخلع طاعتها.
وكانت لهذه المعارضة الخارجية دوافعها الخاصة بها ومبرراتها التي تشترك فيها مع المعارضة الداخلية، ويمكن إيجاز أهم دوافع المعارضة الخارجية في النقاط التالية:
١- اعتبار حركة الإصلاح والتجديد في نجد حركة سياسية دينية انفصالية غير مشروعة في ظل خلافة إسلامية قائمة وأنها استولت على أجزاء مهمة من الخلافة العثمانية مثل الحرمين الشريفين وبعض الثغور المهمة وأن في ذلك انتقاصا للخلافة وانتزاعا لبعض ممالكها بغير وجه حق، وهي خطر يهدد بقية أقاليم الخلافة بالانفصال والخروج، ونذير خطر، بتصدع الخلافة وتقطيع أوصالها، وبادرة خطيرة لا يمكن السكوت عليها أو السماح ببقائها.
٢- أن المعلومات التي توافرت للمعارضة الخارجية عن هذه الحركة أنها حركة غلاة متطرفين في الدين يستحلون دماء المسلمين وأموالهم وتصدهم عن دينهم، وأن واجب الخلافة العثمانية تطويع هذه الحركة وحفظ دماء المسلمين وأموالهم من خطرها، وتأمين رعاياها من أفكار هؤلاء الغلاة الخوارج على الدين ودولة الخلافة.
٣- أن واجب الخلافة العثمانية نصرة أتباعها في المنطقة الذين ظلوا على السمع والطاعة وتعرضوا للأذى في سبيل دينهم والسمع والطاعة لدولة الخلافة.
٤- أن الدين يقتضي القضاء على الفئات الخارجية عن الطاعة المفرقة لجماعة المسلمين وإمامهم، والمنكرة لما هم عليه من عقائد ومواضعات موروثة مما هو سائد في كثير من الأقاليم الإسلامية من غير نكير.
هذا ومع أنني تتبعت رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وقرأتها أكثر من مرة كما اطلعت على معظم كتابات الشيخ محمد بن عبد الوهاب الأخرى ومؤلفاته ورغبتي الشديدة في معرفة منهجه السياسي في الحكم ورده على ما أثارته المعارضة الخارجية ضد دعوته من أنها حركة انفصالية غير مشروعة عن خلافة إسلامية قائمة مع ما أعرفه من عقيدة أهل السنة والجماعة من وجوب السمع والطاعة لولاة أمر
[ ١٢٩ ]
المسلمين برهم وفاجرهم ووجوب ما لم يأمروا بمعصية أو يأتوا بكفر بواح ووجوب الصلاة خلفهم والجهاد معهم والصبر على مظالمهم وتحريم الخروج عليهم إلى آخر ما تضمنته عقيدة السلف في ذلك من قيود مشددة في باب الإمامة وقد سبق بيان عقيدة الشيخ محمد ﵀، هذا على سبيل الإيجاز في الفصل الثالث، مع كل ذلك لم أعثر على أي كلام للشيخ محمد ﵀ في هذا الموضوع لا من قريب ولا من بعيد يرد فيه على هذه المقولة أو يشرح فيها وجهة نظره في هذا الأمر. وأعتقد أن هذا من كمال فقهه وتمام عقله إذ أن مذهب السلف هو وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين برهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية أو يأتوا بكفر بواح عندهم فيه من الله برهان.
ومذهب السلف ﵏ في الإصلاح هو تربية العلماء العاملين وتكثير عددهم وقيامهم بواجب التعليم والتربية في صفوف المسلمين وتقديم النصيحة الصادقة والخالصة الجريئة لأئمة المسلمين وعامتهم، وربط الفرد بهذا الدين وتربيته على الصراحة وقول الحق ورفض الباطل وتقديم النصيحة في كل الأحوال والمواقف. فإذا صلح الأفراد وصار الشارع مسلما وتوافر العلماء العاملون المجاهرون بالحق المقدمون للنصيحة كان ذلك أكبر ضمان لسلامة الأمة والبعد عن ظلم الحكام وتحقيق استقامة الحياة وعدم إتاحة الفرصة لأهل الأهواء بإحداث الفوضى في الخلافة الإسلامية.١
والمسلمون اليوم مع بالغ الأسف يتخبطون في منهجهم السياسي فيأخذون بمذهب الشيعة تارة وبمذهب الخوارج تارة ويجمعون بينهما تارة أخرى من حيث يشعرون أو لا يشعرون
ذلك أن منهج الشيعة السياسي يقوم على المعارضة السياسية للخلافة وإمامها،
_________________
(١) ١ وأتباع مدرسة الشيخ محمد بن عبد الوهاب منذ بدء حركة الإصلاح حتى اليوم لم يضعوا أنفسهم في موقف المعارضة بل كان موقفهم الناصح والمشير المساعد على الخير الصريح في الإنكار بأدب وفي سرية.
[ ١٣٠ ]
فلا يفترون في معارضتهم الوضع السياسي وقيامهم في وجه الخليفة على مر العصور.
والخوارج يعتمدون في منهجهم السياسي على الثورات المسلحة والهجمات المضادة للخلافة. أما الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ فلم يرد على هذه المقولة بشيء ولا نعرف سبب إعراضه عنها. وقد يقال إن هذا الإعراض غير وارد على الدعوة التي قامت في وسط شبه الجزيرة العرب، وهي بقعة من أرض الإسلام لم تمتد إليها يد الخلافة ولم تقم بواجبها نحوها بأي شكل من الإشكال بل تركتها فريسة للفوضى السياسية والاجتماعية والدينية وغيرها. فإذا قام أهلها بما يصلح حياتهم ويصحح عقيدتهم ويؤمن خائفهم ويحفظ بلادهم مما لم تجعل الخلافة العثمانية ذلك كله من مسئولياتها فهل يكون لها حق لاعتراض على أهل أرض متروكة مهملة ومتى اعتبرتهم الخلافة من رعاياها حتى تعترض على خروجهم عنها.
أما ما بلغ الخلافة العثمانية عن حركة الإصلاح والتجديد من أنها حركة غلاة وخوارج على الدين يستحلون دماء المسلمين وأمولهم ويصدون عن سبيل الله، فإن هذا المنطق هو منطق المعارضة الداخلية التي رفضت قبول الدعوة لأسباب مشابهة لأسباب المعارضة الخارجية. فإن المعارضة الداخلية من أسباب رفضها للدعوة أن الدخول في الدعوة يعنى الخضوع لأميرها والسمع والطاعة له والمعارضة الخارجية ترفض استمرار قيام هذه الدعوة لأن قيامها يعني الخروج على سلطان الخلافة العثمانية. والمسألة مأخوذة على أنها سياسية وخروج على الخلافة. ولو كانت مسألة دينية لوجب مناقشة كل ما أثير حول هذه الحركة وإجراء جوار علمي يهدف إلى الوصول إلى حقيقة ما أثير حول هذه الدعوة وإمامها. فإن ظهر أنها على الحق وجب الكف عنها، وإن ظهرت أنها حركة خوارج – كما يقال – أمكن القيام ضدها وصار الواجب الرجوع في تحقيق هذه المسألة الدينية إلى نصوص الشريعة كتابا وسنة وإجماعا واجتهادا على يد علماء الشريعة لا على يد السياسيين والعسكريين فقط.
ومن أجل هذا وغيره التقت مصالح المعارضة الخارجية والداخلية على الإجهاز على هذه الدعوة والقضاء على قادتها. ومن أجل ذلك أصدرت الفتاوى الشرعية،
[ ١٣١ ]
وقامت بالحملات الإعلامية، وجهزت الجيوش الضاربة للقضاء على هذه الدعوة في عقر دارها. ولكن هذه الدعوة كانت قد أخذت مكانها في النفوس ومستقرها من القلوب. وإذا كان في تعدد الحملات العسكرية تحقيق النصر السياسي أحيانا فليس في مقدورها القضاء على القضاء على الدعوة كفكر وعقيدة وحق.
ومظاهر هذه المعارضة شبيهة بمظاهر المعارضة المحلية التي تتلخص في الأمور التالية:
١- تسخير وسائل الدعاية والإعلام ضد هذه الدعوة وإعطاء المسلمين عنها فكرة سيئة من الوجهة الإسلامية الصرفة.
٢- إصدار الفتاوى الشرعية ضد هذه الحركة وأتباعها ورميها بما ليس فيها.
٣- محاصرتها اقتصاديا وقطع المعونات عنها.
٤- مؤازرة خصومها بالمال والسلاح.
٥- تأليف الكتب والرسائل والنشرات من كبار علماء المسلمين في بلاد كثيرة اعتمادا على ما بلغهم عن طريق الخلافة العثمانية وبما كان مجافيا للحقيقة.
٦- الحملات العسكرية التدميرية المركزة.
[ ١٣٢ ]