والشفاعة لله وبإذنه ومنه تطلب
فالواجب على كل مسلم صرف همته وعزائم أمره إلى ربه ﵎ بالإقبال إليه والاتكال عليه، والقيام بحق العبودية لله ﷿، فإذا مات موحدًا استشفع ١ الله فيه نبيه، بخلاف من أهمل ذلك وتركه، وارتكب ضده من الإقبال إلى غير الله بالتوكل عليه، ورجائه فيما لا يمكن وجوده إلا من عند الله، والالتجاء إلى ذلك الغير، مقبلا على شفاعته، متوكلا عليها، طالبًا لها من النبي صلى الله عليه سلم أو غيره، راغبًا إليه فيها، تاركًا ما هو المطلوب المتعين عليه، المخلوق لأجله. هذا بعينه فعل المشركين واعتقادهم، ولا نشأت فتنة في الوجود إلا بهذا الاعتقاد، فصار شقيًّا بالإرادة الكونية والعاقبة الغوية، لأن الإرادة الدينية أصل في إيجاد المخلوقات، والإرادة الكونية
_________________
(١) ١ لعل الأصل شفع بتشديد الفاء أي أذن له بالشفاعة فيه وقبلها منه، من قوله ﷺ حكاية عن ربه "اشفع تشفع "، وأما الاستشفاع فهو طلب الشفاعة يطلبها أهل الموقف من الرسل ﵈. ويحتمل أنه استعمله بمعنى الإذن بالشفاعة.
[ ٤١ ]
أصل ١ فمن كتبت عليه الشقاوة فلا يسير إلا لها، ولا يعمل إلا بها. قال تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ ٢ فهذه هي الإرادة الكونية، وهي لا تعارض الإرادة الدينية التي هي الأصل في إيجاد المخلوقات ٣ مع بقائه مختارًا مدركًا للأشياء. ومن كان هذا وصفه فلا ينالها، لأن الله تعالى ليس له شريك في الملك، كما أنه ليس له شريك في استحقاق العبادة – بل هو المختص بها، ولا تليق إلا بجلاله وعظمته، فلا إله إلا هو وحده لا شريك له. ولهذا جسم جل وعلا مادة الشفاعة عن كل أحد بغير إذن الإله وحده، فلا يشفع أحد عنده إلا بإذنه، لا ملك ولا نبي ولا غيرهما لأن من شفع عند غيره بغير إذنه فهو شريك به في حصول ذلك المطلوب لتأثيره فيه
_________________
(١) ١ في هامش الأصل ما نصه – أقول: في هذا الكلام شيء ساقط وخلل، والذي يوضح المراد من هذين الأصلين قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث قال: "الإرادة في كتاب الله نوعان: إرادة تتعلق بالأمر، وإرادة تتعلق بالخلق. فالإرادة المتعلقة بالأمر أن يريد من العبد فعل ما أمره، وأما أرادة الخلق فأن يريد ما يفعله. هو فإرادة الأمر هي المتضمنة للمحبة والرضا، وهي الإرادة الدينية. والإرادة المتعلقة بالخلق هي المشيئة وهي الإرادة الكونية القدرية. ذكره شيخ الإسلام في المنهاج. ٢ سورة هود آيتا ١١٨، ١١٩. ٣ كرر قوله أن الإرادة الدينية هي الأصل في وجود المخلوقات، والمتبادر أن الإرادة الكونية هي في الإيجاد والتكوين. وإنما المراد بالإرادة الدينية التكليف. ولعله يقصد العلة الغائية لخلق المكلفين أخذًا من قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
[ ٤٢ ]
بشفاعته، ولاسيما إن كانت من غير إذنه. فجعله يفعل ما طلب منه، والله تعالى لا شريك له بوجه من الوجوه، وكل من أعان غيره على أمر فقد شفعه فيه، والله تعالى وتر لا يشفعه أحد بوجه من الوجوه، ولهذا قال عز من قائل: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ وقال: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ١ وطلبها من غير الله في هذه الدار زعم بعدم تعليقها بالإذن من الله والرضا عن المشفوع له وقال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ ٣ والعبرة في القرآن بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، مع ملاحظته وعدم الاقتصار عليه.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام آية ٩٤. ٢ سورة السجدة آية٤. ٣ سورة الأنعام آية ٥١.
[ ٤٣ ]