وأما أحزاب العلماء المنتخبة من الكتاب والسنة فلا مانع من قراءتها والمواظبة عليها. فإن الأذكار والصلاة على النبي ﷺ والاستغفار وتلاوة القرآن ونحو ذلك مطلوب شرعًا، والمعتني بها مثاب مأجور، فكلما أكثر منه العبد كان أوفر ثوابًا، لكن على الوجه المشروع من دون تقطع ولا تغير ولا تحريف، وقد قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ ١ قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ٢ والله در النووي في جمعه كتاب الأذكار، فعلى الحريص على ذلك به، ففيه الكفاية للموفق.
ومنها: ما أعتيد في بعض البلاد من قراءة مولد النبي ﷺ بقصائد وألحان تخلط بالصلاة عليه
_________________
(١) ١ سورة الأعراف الآية ٥٥. ٢ سورة الأعراف ألآية ١٨٠.
[ ١٠٠ ]
والأذكار والقراءة، ويكون بعد صلاة والتراويح، ويعتقدونه على هذه الهيئة من القرب، بل تتوهم العامة أن ذلك من السنن المأثورة فينهى عن ذلك.
وأما صلاة التراويح فسنة لا بأس بالجماعة فيها والمواظبة عليها.
ومنها: ما أعتيد في بعض البلاد من صلاة الخمسة الفروض بعد آخر جمعة من رمضان من البدع المنكرة إجماعًا، فيزجرون عن ذلك أشد الزجر.
ومنها: رفع الصوت بالذكر عند حمل الميت وعند رش القبر بالماء وغير ذلك مما لم يرد عمن سلف.
وقد ألف الشيخ الطرطوشي المغربي كتابًا نفيسًا سماه "الباعث على إنكار البدع والحوادت" واختصره ابن شامة المغربي، فعلى المعتني بدينة بتحصيله ١
وإنما ننهى عن البدع المتخذة دينًا وقربة، وأما ما لا يتخذ دينًا ولا قربة كالقهوة وإنشاد قصائد الغزل ومدح الملوك فلا ننهى عنه ما لم يخلط بغيره: إما ذكر أو اعتكاف في مسجد ويعتقد أنه قربة، لأن حسان رد على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وقال: أنشدته بين يدى من هو خير منك، فقيل عمر
_________________
(١) ١ ومثل كتاب المدخل لابن الحاج المالكي وهو مشهور، وأما كتاب الاعتصام للشاطبي فلا نظير له في بابه.
[ ١٠١ ]
ويحل كل لعب مباح، لأن النبي ﷺ أقر الحبشة على اللعب في يوم العيد في مسجده ﷺ، ويحل الرجز والحداء في نحو العمارة والتدريب على الحرب بأنواعه، وما يورث الحماسة قيه كطبل الحرب ١ دون آلات الملاهي فإنها محرمة، والفرق ظاهر. ولا بأس بدف العرس. وقد قال ﷺ "بعثت بالحنيفية السمحة. . . لتعلم يهود أن في ديننا فسحة".
هذا وعندنا أن الإمام ابن القيم وشيخه ٢ إماماَ حق من أهل السنة، وكتبهم عندنا من أعز الكتب، إلا أنا غير مقلدين لهم في كل مسألة، فإن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا نبينا محمدًا ﷺ. ومعلوم مخالفتنا لهما في عدة مسائل.
منها: طلاق الثلاث بلفظ واحد من مجلس، فإنا نقول به تبعًا للأئمة الأربعة. ونرى الوقف صحيحًا والنذر جائزًا ويجب الوفاء به في غير المعصية.
ومن البدع المنتهى عنها قراءة الفواتح للمشايخ بعد الصلوات الخمس والإطراء في مدحهم والتوسل بهم على
_________________
(١) ١ وللحرب آلات صوتية أخرى أشد تأثيرًا من الطبل في إثارة الشجاعة والإقدام لا تفارق الجيوش في هذه الأزمان. ٢ هو شيخ الإسلام أحمد تقي الدين ابن تيمية.
[ ١٠٢ ]
الوجه المعتاد في كثير من البلاد، وبعد مجامع العبادات، معتقدين أن ذلك من أكمل القرب، وهو ربما جر إلى الشرك من حيث لا شعر الإنسان، فإن الإنسان يحصل منه الشرك من دون شعور به لخفائه، ولولا ذلك لما استعاذ النبي ﷺ منه بقوله: "اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئا وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم إنك أنت علام الغيوب". . . وينبغي المحافظة على هذه الكلمات والتحرز عن الشرك ما أمكن فإن عمر بن الخطاب ﵁ قال: إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا دخل في الإسلام من لا يعرف الجاهلية- أو كان كما قال- وذلك لأنه يفعل الشرك ويعتقد أنه قربة، نعوذ بالله من الخذلان، وزوال الإيمان.
هذا ما حضر في حال المراجعة من المذكور مدة تردده وهو يطالبني كما حين ينقل ذلك وتحريره، فلما ألح نقلت له هذا من دون مراجعة كتاب وأنا في غاية الاشتغال بما هو أهم من الغزو، فمن أراد تحقيق ما نحن عليه فليقدم علينا الدرعية فسيرى ما يسر خاطره، ويقره ناظره، من الدروس في فنون العلم، خصوصًا التفسير والحديث، يرى ما يبهره بحمد الله وعنه، من إقامة شعائر الدين، والرفق بالضعفاء، والوفود والمساكين.
[ ١٠٣ ]