على أن هذه الحروب لم تظل في دائرتها الداخلية الضيقة، فقد هجم العراقيون وأهل الحجاز على بلاد نجد بتحريض من الأتراك العثمانيين، وكل يدعي الحفاظ علي الدين والغيرة على تعاليمه، فتبلبلت أفكار المسلمين في سائر البلاد، وقذفت السياسة في هذا الصراع بسيل من الدعايات المغرضة، وخيلت للناس أن الشيخ متنبئ جديد يحاول القضاء على الإسلام والتعفية على آثاره، واستطاعت بذلك أن تؤلب المسلمين عليه في كل مكان. وتوفي الشيخ ﵀ في إبان هذه المعارك سنة ١٢٠٦هـ-١٧٩٢م وله من العمر اثنان وتسعون عامًا، ولما يشهد نهاية هذا الكفاح الخالد، لكنه رأى مبادئه الإصلاحية ودعوته الإسلامية السلفية تشق طريقها، وتسود في جزيرة العرب بفضل تأييد آل سعود الذين أصبحوا خلفاء في نشر دعوته إلى يومنا هذا، والذين بنوا ملكهم على أساس هذه الدعوة السلفية العظيمة، وإذا كانت الحروب قد نالت من النجديين وأثقلت كواهلهم حينًا من الدهر، فإنها كانت الصقال الذي شحذ عزائمهم، وحرك هممهم، وأثار حماستهم للدفاع عن حوزة بلادهم، ونصرة مبادئهم وكان لهم الغلب في آخر المطاف.
والسر في نجاح النجديين في حركتهم هذه يرجع إلى قوة الإيمان التي بثها الشيخ فيهم، والصمود في سبيل
[ ٢٢ ]
الدعوة، والاستبسال في الجهاد، وتعبئة قوى الشعب، وتعليمه فنون الحرب إلى جانب تعاليم الشريعة، فلقد كان بمنزل الشيخ مدرسة تسمى "وكر التوحيد" تلقن فيها علوم الدين طرفي النهار وفنون الحرب في أوسطه، وكان لذلك أثر عظيم في تقوية الروح المعنوية عند أنصار الدعوة ورجالها.
[ ٢٣ ]