فأخبرناه بأنّ مذهبنا في أصول الدين مذهب أهل السنة والجماعة، وطريقتنا طريقة السلف التي هي الطريف الأسلم والأعلم والأحكم، خلافًا لمن قال: طريقة الخلف أعلم، وهى إنا نقرأ آيات الصفات وأحاديثها على ظاهرها، ونكل علمها إلى الله مع اعتقاد حقائقها، فإن مالكا، وهو من أجل علماء السلف لما سئل عن الاستواء في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ١ قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
ونعتقد أن الخير والشر كله بمشيئة الله تعالى، ولا يكون في ملكه إلا ما أراد، فإن العبد لا يقدر على خلق أفعاله، بل له كسب رتب عليه الثواب فضلا، والعقاب عدلا، لا يجب على الله لعبده شيء، وأنه يراه المؤمنون في الآخرة بلا كيف ولا إحاطة.
ونحن أيضًا في الفروع على مذهب الإمام أحمد ابن حنبل، ولا ننكر على من قلد أحد الأئمة الأربعة دون غيرهم لعدم ضبط مذاهب الغير كالرافضة والزيدية والإمامية ٢ ونحوهم لا نقرهم ظاهرًا على شيء من
_________________
(١) ١ سورة طه الآية٥. ٢ إن كلمة الرافضة التي وضعت الغلاة الشيعة تشمل الباطنية وآخرين دون الزيدية ومعتدلى الإمامية، والظاهر أن صاحب هذه الرسالة ووالده لم يطلعوا على كتب الزيدية في الفقه، ولو اطلعوا عليها لعلموا أن فقههم مدون وكذلك الإمامية، وأن الفرق بينه وبين فقه الأربعة قليل قلما قال أحد مجتهديه قولا انفرد به وخالف الإجماع قبله، وكيف وهم يحتجون بالإجماع وبعمل السلف؟ وكذا بأحاديث دواوين السنة المشهورة كالكتب الستة، وقد كان مشايخنا يقولون كما قال مشايخ=
[ ٨٥ ]
مذاهبهم الفاسدة ١ بل نجبرهم على تقليد أحد الأئمة الأربعة.
ولا تستحق مرتبة الاجتهاد المطلق ولا أحد منا يدعيها، إلا أنا في بعض المسائل إذ صح لنا نص جلي من كتاب أو سنة غير منسوخ ولا مخصص ولا معارض بأقوى منه، وقال به أحد الأئمة الأربعة، أخذنا به وتركنا المذهب كإرث الجد والإخوة، فإنا نقدم الجد بالإرث وإن خالفه مذهب الحنابلة.
ولا نفتش على أحد في مذهبه ولا نعترض عليه إلا إذا اطلعنا على نص جلي مخالف لمذهب أحد الأئمة وكانت المسألة مما يحصل بها شعائر ظاهرة كإمام الصلاة، فنأمر الحنفي والمالكي مثلا بالمحافظة على نحو الطمأنينة في الاعتدال والجلوس بين والسجدتين لوضوح ذلك، بخلاف
_________________
(١) =نجد إن سبب حصر التقليد في فقه الأربعة دون سائر مجتهدي الأمة هو تدوين مذاهبهم دون غيرها. وهذا غلط سبه عدم الاطلاع. ١ أي لا نقر بصفتنا حكام البلاد أصحاب المذاهب غير المضبوطة أن يظهروا شيئًا من مذاهبهم الفاسدة بالإجماع كأقوال الباطنية بأن لأحكام العبادات معاني غير الظاهر الذي عليه العمل، وبوجود إمام معصوم في كل عصر يجب إتباعه في كل ما يقول، وكسب غلاة الرافضة للشيخين ﵄، وبراءة الخوارج من الصهرين ﵃، ومقابل قوله ظاهرًا أنهم لا يحاسبون أحدًا على ما يخفيه من أمثال هذه المسائل.
[ ٨٦ ]
جهر الإمام الشافعي بالبسملة فلا نأمره بالإسرار. وشتان ما بين المسألتين، فإذا قوى الدليل أرشدناهم بالنص وإن خالف المذهب وذلك يكون نادرًا جدًّا.
ولا مانع من الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض، ولا مناقضة لعدم الاجتهاد المطلق وقد سبق جمع من أئمة المذاهب الأربعة لاختيارات لهم في بعض المسائل مخالفة للمذهب الملتزمين تقليد صاحبه.
[ ٨٧ ]