وأما أهل البيت فقد ورد سؤال على الدرعية في مثل ذلك وعن جواز نكاح الفاطمية غير الفاطمي، وكان الجواب عليه ما نصه: أهل البيت رضوان الله عليهم لا شك في طلب حبهم ومودتهم، لما ورد فيه من كتاب وسنة، فيجب حبهم ومودتهم، إلا أن الإسلام ساوى بين الخلق فلا فضل لأحد إلا بالتقوى، ولهم مع ذلك التوقير والتكريم والإجلال، ولسائر العلماء مثل ذلك، كالجلوس في صدر المجالس، والبداية بهم في التكريم، والتقديم في الطريق إلى موضع التكريم، ونحو ذلك إذا تقارب أحدهم مع غيره في
[ ٩٢ ]
السن أو العلم. وما أعتيد في بعض البلاد من تقديم صغيرهم وجاهلهم على من هو أمثل منه، حتى إنه إذا لم يقل يده كلما صافحه، عاتبه وصارمه، أو ضاربه أو خاصمه، فهذا مما لم يرد به نص، ولا دل عليه دليل، بل منكر تجب إزالته، ولو قبل يد أحدهم لقدوم من سفر، أو لمشيخة علم، أو في بعض أوقات، أو لطول غيبة فلا بأس به، إلا أنه لما ألف في الجاهلية الأخرى أن التقبيل صار علمًا لمن يعتقد فيه، أو في أسلافه، أو عادة المتكبرين من غيرهم، نهينا عنه مطلقًا لاسيما لمن ذكر حسما لذرائع الشرك ما أمكن.
وإنما هدمنا بيت السيدة خديجة، وقبة المولد، وبعض الزوايا المنسوبة لبعض الأولياء، حسما لتلك المادة، وتنفيرًا عن الإشراك بالله ما أمكن، لعظم شأنه فإنه لا يغفر ١
_________________
(١) ١ ذكر الإمام الشافعي في الأم أن ولاة مكة كانوا يهدمون ما بنى في مقبرتها من القبور ولا يعترض عليهم الفقهاء، ونقله عنه النووي في شرح مسلم عند شرح ما ورد في هذا المعنى من الأحاديث، وفي الزواجر لابن حجر الهيثمى أن اتخاذ القبور مساجد وإيقاد السرج عليها واتخاذها أوثانًا والطواف بها واستلامها والصلاة إليها، كلها من كبائر المعاصي "راجع الكبيرة ٩٣- ٩٨" وبعد أن أورد بعض الأحاديث الصحيحة في ذلك كلام الفقهاء الشافعية والحنابلة، ومنه أنها من أسباب الشرك، وآخره قولهم: وتجب المبادرة لهدمها وهدم القباب التي على القبور، إذ هي أضر من مسجد الضرار، لأنها أسست علي معصية الرسول ﷺ، لأنه نهى عن ذلك، وأمر ﷺ بهدم القبور المشرفة، وتجب إزالة كل قنديل أو سراج على قبر، ولا يصح وفقه. انتهى "ص١٦٣ من الجزء الأول – طبع المطبعة الوهبية بمصر سنة ١٢٩٢".
[ ٩٣ ]
وهو أقبح من نسبة الولد لله تعالى، إذ الولد كمال في حق المخلوق، وأما الشرك فنقص حتى في حق المخلوق، لقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ١ الآية.
وأما نكاح الفاطمية غير الفاطمي فجائز إجماعًا، بل ولا كراهة في ذلك، وقد زوج عليّ عمر بن الخطاب وكفى بهما قدوة، وتزوجت سكينة بنت الحسين بن على بأربعة ليس فيهم فاطمي، بل ولا هاشمي، ولم يزل عمل السلف على ذلك من دون إنكار. إلا أنا لا نجبر أحدًا على تزويج موليته ما لم تطلب هي، ويمتنع من غير الكفء، والعرب أكفاء بعضهم لبعض، فما أعتيد في بعض البلاد من المنع دليل التكبير وطلب التعظيم، وقد يحصل بسبب ذلك فساد كبير، كما ورد ٢، بل يجوز الإنكاح لغير الكفء، وقد تزوج زيد وهو من الموالى زينب أم المؤمنين وهى ٣ قريشية، والمسألة معروفة النقول عند أهل المذهب. انتهى ٤
_________________
(١) ١ سورة الروم الآية ٢٨. ٢ أشار إلى حديث: "إذا حاءكم من ترضون دينه أو خلقه فأنكحوه، إن لا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير"، وفي رواية "إذا خطب إليكم" وفيها: فزوجوه بدل فأنكحوه، وعريض بدل كبير، رواهما الترمذي وغيره. ٣ أي قبل أن صارت أم المؤمنين كما هو معلوم. ٤ أي انتهى به في الدرعية وهي بلد الشيخ محمد بن عبد الوهاب والد المؤلف ومركز تلك النهضة، وهل الفتوى لوالده في زمنه أم كان هنالك مفت خاص بعد الشيخ أو جماعة؟ الله أعلم.
[ ٩٤ ]