ومما استدل علينا الخصم، ويزعم أن الدعوة غير الله وسيلة قوله: "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد ﷺ نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى، اللهم شفعه في" رواه الترمذي والحاكم وابن ماجه عن عمران بن حصين، فجوابه من وجوه:
الأول: أنه في غير محل النزاع، إذ هو ليس سؤال النبي ﷺ نفسه، وإنما هو سؤال الله وحده أن يشفع فيه نبيه، وعمل الخصم الاختراعى منكر، ورواية الحديث بحرمته، فأين هذا من عمارة القبور، وإلقاء الستور عليها وتسريحها؟ وهذه كلها كبائر، كما قال أهل العلم، حتى ابن حجر الهيثمي وغيره: أن حدها ١ كل ما أتبع بلعنة أو غضب أو نار، والأحاديث في تحريم عمارة القبور كثيرة في الصحيحين وغيرهما، ويضاف إلى عمارتها دعاء أصحابها ورجاؤهم، والالتجاء إليهم، والنذر لهم، وكتب الرقاع لها، وخطابهم يا سدى يا مولاي أفعل كذا وكذا، وبهذا عبدت اللات والعزى والويل كل الويل عندهم لمن عاب وأنكر عليهم. ومن جمع بين سنة رسول الله صلى الله عليه سلم في القبور وما أمر ونهى، وما كان عليه أصحابه، وبين ما عليه الناس اليوم- رأى أحدهما مضادًّا للآخر، مناقضًا له، وإذا كان سبب قوله الله ﷿: ﴿فلا
_________________
(١) ١ أي الكبيرة.
[ ٦٥ ]
تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ١ مجيء حبر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه سلم والمسلمين، وقوله نعم القوم أنتم لولا أنكم تجعلون لله أندادًا فتقولون: ما شاء لله وشاء فلان. فقال رسول الله ﷺ: "أما إنه قد قال حقاَّ" وأنزل الله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ومن أخرج الحديث جلال الدين السيوطي في الدر المنثور في تفسيره ٢ هؤلاء يحب أحدهم معتقده أكثر من حب الله، وإن زعم أنه لا يحبه كحبه، فشواهد الحال تشهد عليه بذلك فإنه يعظم القبر أعظم من بيت الله، ويحلف بالله كاذبًا ولا يحلف بمعتقده. فلا جامع بين ما استدلوا به علينا ويبن ما نهيناهم عنه.
الثاني: أن الحديث دليل لنا أنه لا يدعى غير الله ﷿، فإن مسألة "اللهم إني أتوجه إليك" فسأل الله ﷿ أن يشفعه فيه واسطة "؟ " "يا حبيبنا يا محمد إنا نتوسل بك إلى ربك فاشفع لنا" "؟ "فهذا خطاب لحاضر، كقولنا في صلاتنا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وكاستحضار الإنسان محبه أو مبغضه في قبله فيخاطبه بما يهواه لسانه. ومعناه: أتوجه إليك بدعاء نبيك وشفاعته التي
_________________
(١) ١ سورة البقرة الآية ٢٢. ٢ لعل الأصل في تفسيره هذا الآية. وهو قد ذكره بالمعنى.
[ ٦٦ ]
معناها في هذه الدار الدعاء، ولهذا قال في تمام الحديث "اللهم شفعه في" أي استجب دعاءه، وهذا متفق علي جوازه، إذا الحي يطلب منه سائر ما يقدر عليه. وأما الغائب والميت فلا يستغاث به، ولا يطلب منه ما لا يقدر عليه، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ ١ إنما غايته طلب الدعاء من الحي، وقبول شفاعته عند الله ﷿، وهو التوقيت والإتباع. ولو كان هذا من العبادات لسنه الرسول، ولكان أصحابه أعلم بذلك وأتبع، ولهذا لم يفعله ﷺ انتقل من هذه الدار إلى دار القرار بنص الكتاب والسنة، وإجماع الأمة، لهذا استسقى أصحابه، بعمه العباس بن عبد المطلب، وأن يدعو لهم في الاستسقاء عام القحط، أخرجه البخاري عن أنس بن مالك ﵁ ولم يأتوا إلى قبره ولا وقفوا عنده مع أنه صلى لله عليه سلم حياته في قبره برزخية، والدعاء عبادة مبناها على أحد من الصحابة ولا التابعين مع شدة احيتاجهم، وكثرة مدلهماتهم، وهو أعلم بمعاني كتاب الله وسنة رسوله، وأحرص إتباعا لملته من غيرهم، بل كانوا ينهون عنه وعن الوقوف عند القبر للدعاء عنده، وهم من خير القرون التي قد نص عليها النبي صلى الله عليه سلم قي قوله: "خيركم
_________________
(١) ١ سورة آل عمران الآية ١٤٥.
[ ٦٧ ]
قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" قال عمران: لا أدرى أذكر ثنتين أو ثلاثا بعد قرنه، أخرجه البخاري في صحيحه.
الثالث: أنهم زعموا أنه دليل للوسيلة إلى الله بغير محمد صلى الله عليه سلم، وخرجوا عن محل النزاع إلى شيء آخر، وهو التوسل بغير رسول الله ﷺ، فلا دليل فيه أصلا، لأنهم صرحوا بأنه لا يقاس مع فارق. فلا يجوز لنا أن نقول: اللهم إنا نسألك ونتوجه إليك برسولك نوح، يا رسول الله يا نوح، ولا لنا أن نقول: إنا نسألك ونتوجه إليك بخليلك إبراهيم، ولا بكليمك موسى، ولا بروحك عيسى، مع أن الجامع في نوح عليه والسلام الرسالة، وفي إبراهيم ﵇ الخلة مع الرسالة، وفي موسى ﵇ الكلام مع الرسالة، وفي عيسى روح الله وكلمته مع الرسالة، فليس لنا أن نقول هذا لأنه لم يرد، ولا حاجة لنا إلى فعل شيء لم يرد. القياس إنما يباح عند من يقول به للحاجة في حكم لا يوجد فيه نص، فإذا وجد النص فلا يحل القياس عند من يقول به، ولا حاجة لنا إلى قول مخترع يجر إلى الشرك، خصوصًا مع ما ورد فيه، وأنه في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل، وأن هذه الأمة افترقت على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة،
[ ٦٨ ]
فالناجية من اتبع ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه.
الرابع: أن الوسيلة ليست هي أن ينادى العبد غير الله، ويطلب حاجته التي لا يقدر على وجودها إلا الرب ﵎ ممن لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا ولا موتًا، ولا حياة ولا نشورًا، وإن يسلبهم الذباب شيئًا لا يستنقذوه منه؛ كذلك من سرق التابوت والمعلق عليه من بيض النعام أو غيره.
[ ٦٩ ]