يقول الدكتور طه حسين في بحث نشره سنة ١٣٥٤عن الحياة الأدبية في جزيرة العرب:
"لا يستطيع الباحث عن الحياة العقلية والأدبية في جزيرة العرب أن يهمل حركة عنيفة نشأت فيها أثناء القرن الثامن عشر الميلادي فلفتت إليها العالم الحديث في الشرق
[ ١٠٧ ]
والغرب واضطرته أن يهتم بأمرها، وأحدثت فيها آثارًا خطيرة هان شأنها بعض ولكنه عاد فاشتد في هذه الأيام، وأخذ يؤثر لا في الجزيرة وحدها بل في علاقتها بالأمم الأوربية.
هذه الحركة، هي الحركة الوهابية التي أحدثها محمد ابن عبد الوهاب شيخ من شيوخ نجد. نشأ محمد بن عبد الوهاب في بيت علم وفقه وقضاء. تثقف على أبيه،. ثم رحل إلى العراق فسمع من علماء البصرة وفقهائها وأظهر فيها آراءه الجديدة القديمة معًا فسخط عليه الناس وأخرج من البصرة، وكان يريد أن يذهب إلى الشام فحال الفقر بينه وبين ذلك فعاد إلى نجد، وأقام مع أبيه حينا يناظر ويدعو إلى آرائه، حتى ظهر أمره، وانتشر مذهبه، وانقسم الناس فيه قسمين فكان له أنصار وكان له خصوم، وتعرضت حياته آخر الأمر للخطر، فأخذ يعرض نفسه على أميرها محمد ابن سعود فأجاره وبايعه على دعوته، حتى انتهى به الأمر إلى الدرعية وهناك عرض نفسه على أميرها محمد بن سعود فأجاره وبايعه على المعونة والنصرة، ومن ذلك اليوم أصبح المذهب الجديد مذهبًا رسميًا يعتمد على قوة سياسية تؤيده وتحميه بل تنشره في أقطار نجد بالدعوة اللينة حينا وبالسيف والحرب في أكثر الأحيان.
[ ١٠٨ ]
وعن هذا التحالف بين الدين والسياسة نشأت في الجزيرة العربية دولة سياسية عظم أمرها، واشتد خطرها، حتى أشفق منها الترك أشد الإشفاق فقاوموها ما وسعتهم المقاومة فلما لم يفلحوا استعانوا بالمصريين وكان أمرهم إذ ذاك إلى محمد على باشا فنجح المصريون في إضعاف هذه الحركة وإزالة هذه الدولة الجديدة ورد أمرائها إلى ما كانوا عليه من قتل ذلك الوضع. فلا بد من وقفة قصيرة عند هذا المذهب الجديد لنعرف ما هو وما مبلغ تأثيره في الحياة العقلية في هذا العصر الحديث.
قلت: إن هذا المذهب جديد وقديم معا، والواقع أنه جديد بالنسبة إلى المعاصرين ولكنه قديم في حقيقة الأمر لأنه ليس إلا الدعوة القويمة إلى الإسلام الخالص النقى المطهر من كل شوائب الوثنية، وهو الدوة إلى الإسلام كما جاء به النبي، خالصًا لله وحده، ملغيًا كل واسطة بين الله وبين الناس، هو إحياء للإسلام، وتطهير له مما أصابه من نتائج الجهل، ومن نتائج الاختلاط بغير العرب، فقد أنكر محمد بن عبد الوهاب على أهل نجد ما كانوا قد عادوا إليه من جاهلية في العقيدة والسيرة، كانوا يعظمون القبور ويتخذون بعض الموتى شفعاء عند الله ويعظمون الأشجار والأحجار، ويرون أن لها من القوة ما ينفع ويضر، وكانوا قد عادوا في سيرتهم إلى حياة العرب الجاهليين، فعاشوا
[ ١٠٩ ]
من الغزو والحرب ونسوا الزكاة والصلاة وأصبح الدين اسما لا معنى له، فأراد محمد بن عبد الوهاب أن يجعل من هؤلاء الأعراب الجفاة المشركين قوما مسلمين حقا على نحو ما فعل النبي بأهل الحجاز منذ أكثر من أحد عشر قرنًا.
ومن الغريب أن ظهور هذا المذهب الجديد في نجد قد أحاطت به ظروف تذكر بظهور الإسلام في الحجاز، فقد دعا صاحبه إليه باللين أول الأمر فتبعه بعض الناس، ثم أظهر دعوته فأصابه الاضطراب وتعرض للخطر، ثم أخذ يعرض نفسه على الأمراء ورؤساء العشائر، كما عرض النبي نفسه على القبائل، ثم هاجر إلى الدرعية وبايعه أهلها على النصر، كما هاجر النبي إلى المدينة، ولكن ابن عبد الوهاب لم يرد أن يشتغل بأمور الدنيا فترك السياسة وأصحابها أداة لدعوته، فلما ثم له هذا دعا الناس إلى مذهبه، فمن أجاب منهم نجا، ومن امتنع أغرى عليه السيف وشب عليه الحرب، وقد انقاد أهل نجد لهذا المذهب وأخلصوا له الطاعة، وضحو بجياتهم في سبيله على نحو ما انقاد العرب للنبي وهاجرو معه.
ولولا أن الترك والمصريين اجتمعوا على حرب هذا المذهب، وحاربوه في داره بقوى وأسلحة لا عهد لأهل البادية بها لكان من المرجو أن يوحد هذا المذهب كلمة العرب في القرن الثاني عشر والثالث عشر للهجرة، كما وحد ظهور الإسلام كلمتهم في القرن الأول.
[ ١١٠ ]
ولكن الذي يعنينا من أمر هذا المذهب أثره في الحياة العقلية والأدبية عند العرب. وقد كان هذا الأثر عظيمًا خطيرًا من نواح مختلفة، فهو قد أيقظ النفس العربية ووضع أمامها مثلا أعلى أحبته وجاهدت في سبيل بالسيف والقلم واللسان، وهو قد لفت المسلمين جميعًا، وأهل العراق والشام بنوع خاص إلى جزيرة العرب".
[ ١١١ ]