ولم يزل يرفق بهم غاية الرفق لا سيما العلماء ويقرر لهم حال اجتماعهم وحال انفرادهم قائلا: لدينا أدلة ما نحن عليه، ويطلب منهم المناصحة والمذاكرة وبيان الحق. وعرفناهم بأن صرح لهم الأمير حال اجتماعهم بأنا قابلون ما وضحوا برهانه من كتاب أو سنة أو أثر عن السلف الصالح، كالخلفاء الراشدين المأمورين باتباعهم بقوله صلى
[ ٨١ ]
الله عليه وسلم: "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي"، عن الأئمة المجتهدين ومن تلقى العلم عنهم إلى آخر القرن الثالث لقوله ﷺ: "خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم"، وعرّفناهم أنا دائرون مع الحق أينما دار، وتابعون للدليل الجلي الواضح ولا نبالي حينئذ بمخالفة ما سلف عليه من قبلنا. فلم ينقموا علينا أمرًا، فألححنا عليهم في مسألة طلب الحاجات من الأموات إن بقي لديهم شبهة؛ فذكر بعضهم شبهة أو شبهتين فرددناها بالدلائل القاطعة من الكتاب والسنة حتى صدقوا، ولم يبق عند أحد منهم شك ولا ارتياب فيما قاتلنا الناس عليه، أنه الحق الجلي الذي لا غبار عليه. وحلفوا لنا الأيمان المعقدة من دون استحلاف لهم على انشراح صدورهم وجزم ضمائرهم أنه لم يبق لديهم شك فيمن قال: يا رسول الله، أو قال يا ابن عباس، أو يا عبد القادر، أو غيرهم من المخلوقين طالبًا بذلك دفع شر أو جلب خير من كل مالا يقدر عليه إلا الله تعالى من شفاء المريض والنصر على العدو والحفظ من المكروه ونحو ذلك أنه مشرك الشرك الأكبر الذي يهدر دمه، ويبيح ماله. وإن كان يعتقد أن الفاعل المؤثر في تصريف الكون هو الله وحده، لكنه قصد المخلوقين بالدعاء متشفعًا بهم، ومتقربًا لهم لقضاء حاجته من
[ ٨٢ ]
الله يسرهم وبشفاعتهم له فيها أيام البرزخ، وأن ما وضع من البناء على قبور الصالحين صارت في هذه الأزمان أصنامًا تقصد لطلب الحاجات ويتضرع عندها أو يهتف بأهلها في الشدائد كما كانت تفعله الجاهلية لأولى.
وكان من جملتهم مفتى الحنفية الشيخ عبد الملك القليعي، وحسين المغربي مفتى المالكية، وعقيل بن يحيى العلوي، فبعد ذلك أزلنا جميع ما كان يعبد للتعظيم والاعتقاد فيه ورجاء النفع ودفع الضر بسببه، من جميع البناء على القبور وغيرها حتى لم يبق في البقعة المطهرة طاغوت يعبد، فالحمد الله على ذلك.
[ ٨٣ ]