تلاوة الآية في قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ ١ الآية، والاستغفار بحضرة القبر، وإن قال به جماعة من متأخري الفقهاء كلهم لم يقولوا
_________________
(١) ١ سورة النساء آية ٦٤.
[ ٤٦ ]
يدعى صاحب القبر إنما يدعى الله، بل المحفوظ عنهم أن الميت والغائب لا يُسأل منه شيء لا استغفار ولا غيره.
واستغفارهم الله لا الرسول ﷺ، وحياته في قبره برزخية، ولا تقتضي دعاءه وأصحابه أعلم بها منا ولم يأت أحدهم إلى القبر فيسأله ويستغيث به، وقد ثبت النهي منه ﵊ أن يتخذ قبره عيدًا، قال أبو يعلى الموصلي في مسنده عن عليّ بن الحسين ﵄ قال: أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا بيوتكم قبورًا، وإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم" رواه عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي في مختاراته، وروى سعيد بن منصور في السنن عن أبي سعيد مولى المهدي قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا بيوتكم قبورًا، وصلوا عليّ حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني" روى هذا الحديث أبو داود عن أبي هريرة ورواه سعيد بن منصور في سننه من حديث أبي سعيد مولى المهدي، ورواه أيضًا من حديث الحسن بن الحسن ابن علي ﵁، وهذان الحديثان وإن كانا مرسلين فهما يقويهما حديث أبي هريرة المرفوع. وفي الصحيحين من
[ ٤٧ ]
حديث أبي هريرة وأبي سعيد ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لا تشدوا الرحال إلى مسجد من المساجد إلا لثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا"، وهو حديث ثابت باتفاق أهل العلم يتلقى بالقبول عنهم ١، وهو إن كان معناه لا تشدوا الرحال إلى مسجد من المساجد إلا الثلاثة التي قد ذكرت، فالسفر إلى هذه المساجد الثلاثة إنما هو للصلاة فيها، والدعاء، والذكر، وقراءة القرآن، والاعتكاف الذي هو من الأعمال الصالحة.
وما سوى هذه المساجد لا يشرع السفر إليه باتفاق أهل العلم حتى مسجد "قبا" يستحب قصده من المكان القريب كالمدينة، ولا يشرع شد الرحل إليه من بعيد، ولذلك كان النبي صلى الله الله عليه وسلم يأتي إليه كل سبت ماشيًا وراكبًا، وكان ابن عمر يفعله كما في الصحيح، فإنه كما أسس على التقوى فمسجده ﷺ أعظم في
_________________
(١) ١ رواه الجماعة كلهم ولفظه المشهور: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى" وفي لفظ لمسلم: "لا تشدوا" بالجمع والخطاب.
[ ٤٨ ]
تأسيسه على التقوى فقال: "مسجدي هذا "، فكلا المسجدين أسس على التقوى، ولكن اختص مسجده بأنه أكمل في هذا الوصف من غيره، فكان يقوم في مسجده يوم الجمعة، ويأتي مسجد "قبا" يوم السبت، وإذا كان السفر غير الثلاثة ممتنعًا شرعًا مع أن قصده لأهل مصره يجب تارة١ ويستحب أخرى، وقد جاء في قصد المساجد من الفضل ما لا يحصى، فالسفر إلى مجرد القبور أولى بالمنع. ولا يغتر بكثرة العادات الفاسدة التي أحدثها الملوك وأشباههم، والأحاديث التي رواها الدارقطني في زيارة قبره ﵊ كلها مكذوبة موضوعة باتفاق غالب أهل المعرفة، منهم ابن الصلاح، وابن الجوزي، وابن عبد البر، وأبو القاسم السهيلي، وشيخه ابن العربي المالكي، والشيخ تقي الدين، وغيرهم؛ ولم يجعلها في درجة الضعيف إلا القليل، وكذلك تفرد بها الدارقطني عن بقية أهل السنن والأئمة كلهم يرون بخلافه وأجل حديث روى في هذا الباب حديث أبي بكر البزار، ومحمد بن عساكر، حكاه أهل المعرفة بمصطلح الحديث، كالقشيري والشيخ تقي الدين وغيرهما، وإنما رخص ﷺ في زيارة القبور مطلقًا بعد أن نهى عنها كما ثبت في الصحيح، لكن بلا
_________________
(١) ١ كذا بالأصل ولعل في العبارة سقط.
[ ٤٩ ]
شد رحل وسفر إليها، للأحاديث الواردة في النهي عن ذلك كما تقدم.
[ ٥٠ ]